هل ينهي القضاء فضائح الشوباني ؟!

0 324

بقلم اسماعيل الحلوتي

 

      في الوقت الذي كان فيه المغاربة قبل حوالي عشر سنوات من اليوم يعلقون آمالا كبيرة على حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، في أن يدشن ولايته بخوض معركة حاسمة ضد الفساد، الذي جاء إلى الحكم ممتطيا صهوة محاربته، وأن يبادر قياديوه ممن يدعون الزهد والطهرانية، وخاصة منهم أولئك الذين حظوا بعمودية المدن ورئاسة مجالس ترابية أو الثقة الملكية في تولي حقائب وزارية وغيرهم من المعينين في مناصب عليا، إلى الانكباب على فتح ملفات الفساد وتطهير المجتمع، وإعطاء القدوة في الحزم والاستقامة وصيانة الأمانة… 

      فإذا بزعيمهم ورئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران يفاجئ الجميع بالإعلان عن انهزامه ورفع شعار “عفا الله عما سلف” في وجه رموز الفساد الذين استنزفوا خيرات البلاد ونهبوا أموال العباد. ومن ثم انطلق مسلسل التطبيع مع الفساد. حيث لم يتأخر تساقط رؤساء المجالس الترابية تباعا وكأوراق الخريف، ومن بينهم بعض المنتمين إلى حزب المصباح إثر صدور قرارات عزلهم من طرف القضاء الإداري، على خلفية تورطهم في اختلالات إدارية ومالية مرتبطة بتدبير المجالس الجماعية ومنها مجالس المحمدية وسيدي سليمان والقنيطرة. ومحاكمة آخرين في كل من الحاجب وومكناس، جراء ارتكاب أفعال منافية للقوانين والأنظمة، وتضر بأخلاقيات المرفق العمومي ومصالح الجماعة، تشمل خروقات خطيرة في الجانب المالي والمحاسبي والتسيير الإداري والصفقات العمومية والممتلكات الجماعية وتبذير المال العام وغيره كثير…

      وما كان لنا أن نعود ثانية للحديث عن هذه الآفة الخطيرة التي تفشت بشكل رهيب خلال هذه السنوات الأخيرة بمختلف القطاعات والإدارات، في ظل إسناد المسؤوليات لغير مستحقيها من ذوي الكفاءات الذين يتحلون بحس وطني صادق وروح عالية من الالتزام بالمسؤولية، غياب الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما تشهد بذلك تقارير المفتشيات العامة ومؤسسات الرقابة وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، التي تظل للأسف مجمدة داخل الرفوف في انتظار من يحركها.

      لولا ذلك الخبر الرائج هذه الأيام بقوة على صفحات التواصل الاجتماعي الوارد من جهة درعة- تافيلالت، الذي يتحدث عن إحالة ملف رئيس مجلسها القيادي بحزب المصباح والوزير السابق الحبيب الشوباني، على أنظار النيابة العامة المكلفة بجرائم الأموال باستئنافية فاس إلى جانب عدد من المتهمين معه وضمنهم مقاولين وموظفين…

      والشوباني ليس سوى الوزير المكلف سابقا بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، الذي تم إعفاؤه من منصبه رفقة سمية بنخلدون القيادية بنفس الحزب والوزيرة المنتدبة في التعليم العالي والبحث العلمي، بسبب الضجة الإعلامية التي أثارتها علاقتهما تحت ما سمي آنذاك بفضيحة “الكوبل الحكومي” قبل إشهار زواجهما. يعرف أكثر من غيره أن الفساد من أخطر معوقات تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية، ويساهم في حرمان الأفراد من التمتع بالحقوق والحريات والعدالة وضمان مستقبل الأجيال الصاعدة، إقصائها من صياغة السياسات العامة ومختلف المخططات التنموية، والمشاركة في بناء القرارات المصيرية ذات الارتباط الوثيق بمستقبلهم ونهضة مجتمعهم…

      بيد أن لعنة “شبهة الفساد” ظلت تلاحقه منذ اعتلائه كرسي رئاسة مجلس جهة درعة- تافيلالت، التي تعد من أفقر جهات المملكة وأكثرها حاجة إلى الاستفادة من ثمار التنمية. إذ في الوقت الذي كانت آمال الساكنة معلقة على ابن مدينة “أبي الجعد” في أن يخرجها من غياهب البؤس والتهميش والإقصاء، كانت له أولويات أخرى بدت له أكثر أهمية، يأتي ففي مقدمتها اقتناء سبع سيارات من نوع “كات كات توراغ” كلفت الجهة ميزانية ضخمة، مما أثار امتعاض الكثيرين واعتبروه هدرا للمال العام، وقبل حتى أن تهدأ العاصفة أقدم على إيداع طلب استفادة من كراء بقعة أرضية بمساحة 200 هكتار من الأراضي السلالية بسعر زهيد، رغبة منه في ولوج عالم الاستثمار عبر إقامة مشروع فلاحي مندمج للأعلاف…

      والأدهى من ذلك أن الانتقادات ضد طريقة إدارة الشوباني للمجلس وما يقدم عليه من تجاوزات وخروقات مالية وإدارية لم تزده إلا تعنتا، معتبرا أن منصبه الكبير جدا يخول له الحق في التطاول على القوانين والأنطمة وأن لا كلمة تعلو فوق كلمته، مما دفع بعدد من أعضاء الحزب إلى تقديم استقالتهم للكتابة الإقليمية بالراشيدية، رفضا لتسلطه واحتجاجا على التدبير السيء والفضائح المتواصلة. فالاختلالات المالية التي شابت تدبير المجلس ليست وليدة اليوم، بل انطلقت منذ تشكيله سنة 2015، وأن الشكاية التي وضعتها فرق المعارضة لدى النيابة العامة منذ ثلاث سنوات خلال شهر يناير 2018، هي التي سلطت الضوء على تلك الخروقات والاختلالات المرتبطة بصرف المال العام على عدة مستويات منها قضاء إحدى عطله رفقة أفراد أسرته بفندق على حساب ميزانية المجلس، تعويضات التنقل ونفقات الإطعام لفائدة جمعيات رياضية، صفقة اقتناء حافلات القل المدرسي…

      وفي انتظار أن تقول العدالة كلمتها في حق الحبيب الشوباني رئيس مجلس جهة درعة – تافيلالت، علينا أن ندرك جيدا إن حزب المصباح أثبت بما لا يدع مجالا للشك خلال هذه العشر سنوات العجاف، أنه حزب انتهازي بامتياز استغل الخطاب الديني والطهرانية في الوصول إلى الحكم، وأن قيادييه يمارسون سياسة براغماتية صرفة، ولا يجدون أدنى غضاضة في إطلاق الوعود الكاذبة وبيع الأوهام، مرجحين مصالحهم الذاتية والحزبية الضيقة على المصلحة العليا للوطن وأبنائه، كاشفين عن استعدادهم الدائم لتقديم كل التنازلات وتمرير القوانين المجحفة من أجل الحفاظ على الامتيازات…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.