محاربة الفساد الكبير بالمغرب..الملك والقضاء في مواجهة عصابات الجريمة المنظمة

0 317

مراد بورجى

يبدو أن الفزع الكبير هزّ أركان العديد من المسؤولين وغير المسؤولين بعد نزول خبر منع مصطفى الباكوري مدير الوكالة المغربية للطاقة الشمسية من مغادرة التراب الوطني أول أمس الاثنين 29 مارس 2021.
هذا الخبر المباغت، الذي ربطه كثيرون مباشرة بحركة التعيينات المفاجئة للملك محمد السادس بمؤسسات القضاء الأسبوع الماضي.
المفاجئ في هذا الخبر هو أن يطال المنع شخصية عمومية مثل مصطفى الباكوري، المعروف باستقامته ونزاهته وقربه من المحيط الملكي.
والأكثر مفاجأة من هذا هو أن يُمنع الباكوري من السفر بسبب تقرير تضمّن خلاصات رأي أبداها أحمد رضا الشامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
أي أن هذا التقرير الأخير لمجلس الشامي بالكاد وصل بين يدي المجلس الأعلى للحسابات، حتى يبادر القضاء إلى الأمر بغلق الحدود كشكل احترازي في انتظار التحقيق في هذه المزاعم.
طبعا هناك دلالة مهمة من اختيار الملك لهذا الوقت بالذات لإجراء تغييرات في المناصب القضائية، على بعد أشهر قليلة من انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتعيينه لأعضاء جدد بهذا المجلس من الآن، وإحالة مصطفى فارس على التقاعد وتعويضه بمحمد عبد النباوي، وتكليف هذا الأخير بالعمل، قبل كل شيء، على تلاحم مكوّنات القضاء وتكتلها ليتمكّن القضاة سوياً، ومن ورائهم إرادة ملكية قوية، من محاربة كبار المفسدين بهذه البلاد.
أمّا القرار الأهم، فهو إزاحة الملياردير إدريس جطو من على رأس المجلس الأعلى للحسابات، وخروجه من الباب الخلفي للمجلس، وتعويضه بالوالي زينب العدوي القادمة إليه من المفتشية العامة لوزارة الداخلية، بعد إنجاز 100 مهمة تفتيش قبل الدخول السياسي المقبل، لقطع الطريق أمام الفاسدين من المنتخبين للولوج إلى الاستحقاقات الانتخابية المزمع تنظيمها بالمغرب.
إذن، فما هي الرسالة الملكية، التي يريد الملك محمد السادس أن يبعثها إلى الشعب اليوم؟
وماذا يريد الجالس على العرش بهذا مثل؟.

وهي أن الوقت قد حان لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، التي وعد بها الملك الشعب، عبر خطاب موجه للأمة، بسط فيه رئيس الدولة خارطة الطريق لمحاربة الفساد الكبير، الذي نخر ومازال ينخر في البلاد والعباد.
وكان لابد من الانتظار كل هذه السنوات، بسبب قرارات اقتصادية حاسمة، اتخذتها “الحكومتان الإسلاميتان”، حكومة عبد الإله بنكيران في سنة 2014، وبعدها حكومة سعد الدين العثماني في سنة 2020، وتجسّد شرعنة نهب وتهريب الأموال، بسنّ حكومتي العدالة والتنمية لقانون “إبراء الذمة”، الذي أطلق عليه بنكيران، الذي كان يدّعي هو وحزبه أنهما جاءا لمحاربة الفساد، مقولته الشهيرة ة”عفا الله عمّا سلف”، الذي يفضي، في عمقه وجوهره، إلى معنى “عفا الله عمّن سرق”!
ثم كان لابد للدولة أن تتسلّح برقمنة الإدارة ليتمكن القضاء من الولوج للمعلومة التي لم تكن متاحة بطريقة سلسة من قبل.
وهذا يعني أن ملف غسيل الأموال سيتخذ منعطفا خطيرا هذه الأيام بعد أن رفض السواد الأعظم من السياسيين سنّ قانون الإثراء غير المشروع لتسليح القضاء به لمحاربة الإفلات من العقاب، خوفا من وقعه عليهم بالدرجة الأولى.
ولهذا سيتسلح القضاء بالعزيمة والدفعة القوية، التي عبّر عنها الملك، لتعميق البحث في ملفات الفساد في مواجهة أي كان، مهما علا شأنه وكيف من كان.
والأهم في هذه الصيرورة، والتي ستفسح المجال أمام القضاء لتطبيق القانون، هو فتح القصر، اليوم، لقناة الاتصال المباشرة بينه وبين المسؤولين المكلّفين بمتابعة وتتبّع ملفات الفساد.
الرسالة القوية اليوم أنه لن يستطيع أحد الاختفاء وراء الغموض، الذي يوحي به بعض الفاسدين من أنهم محميون من فوق.
مخلفات جائحة كورونا الاقتصادية ستظهر مؤشراتها الخطيرة مباشرة بعد وضع جميع المقاولات لبياناتها الحسابية لدى إدارة الضرائب، كما هو معلوم اليوم كآخر أجل.
والملك سبق أن أعلن، في خطاب للشعب، أن الدولة لم يتبقَ لديها ما تعطيه لسد رمق من فقدوا مصدر قوتهم من المواطنين العُزّل، ولم يحرّك ذلك ساكناً في هذه “الحفنة المحظوظة، التي اغتنت غنىً فاحشاً، فيما ازداد باقي المغاربة فقراً مذقعاً” حسب ما قاله الملك نفسه في خطاب ملكي سابق.
الكثير من المغاربة يلاحظون كيف تصدر التقارير عن الفساد والمفسدين، ولا يحدث شيء، اللهم إلا المزيد من تفقير الفقراء وتسمين الأغنياء…
والكثير من التقارير تشير بأصابع الاتهام إلى عدد من مظاهر الفساد، أغلبها يعتقد البعض أنه طواه النسيان، وبعضها فتحت بشأنها تحقيقات، لازالت لم تُعرف نتائجها، وبعضها لم تترتب عنها بعد المسؤوليات والمحاسبات، بدءا من التحقيقات الأمنية أو الإدارية أو القضائية، وصولا إلى تقارير لجان التقصي البرلمانية، والمجلس الأعلى للحسابات، فضلا عن “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها”، التي كشفت، في تقريرها الأخير، خريف السنة الماضية (2020) أن النسخة الحالية من الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، تخلو من عمليات تهمّ تخليق الحياة السياسية وتعزيز الأخلاقيات والشفافية في الانتخابات، وهي من المجالات المعرضة لمخاطر الفساد…
اليوم يدخل المغرب زمنا آخر، لا يبقى معه الباب مفتوحا للمفسدين للتغطي بمسؤولياتهم في القطاعات العمومية والبرلمان والأحزاب…
ولذلك، لابد اليوم أن الحدود المغربية ستكون مغلقة في وجه كل هذه الحفنة المحظوظة التي أسال كبار متزعميها سيلاً كبيرا من المداد حول المبالغ الباهظة التي أصبحت تملكها هذه الطبقة من الخلط بين المال والسياسة، وبين من استغلوا غباء البعض ونهبوا مداخيل الدولة وثروات البلاد.

وللحديث عن التفاصيل بقية
نعود إليها في المقال القادم…

من صفحة الفايس بوك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.