قفطان العمدة..

0 1٬694

بقلم يحيى الدمشقي

“عَجِبت لمن يقول مراكش لغير الجامع اليوسفي” و تجري مجراها قولة مرادفة لها تؤيدها “لولا جامع علي بن يوسف لما ذُكر مراكش”. هذا كلام يكاد يكون اليوم مستغلقا، إلا أنه صدر عن جماعة من العلماء أئمة المغرب قبل خمسة قرون خلت، احتلوا زاوية الحضر بقلب المدينة التاريخي و تحلقوا حول شيخهم سيدي بوعمرو واعتقدوا فيما يقولون. قيل من فُتُوَة الإمام إنه اشترى مراكش سبع مرات و تصدق بها سبعا إبان الثورة الثقافية التي أتى بها شيوخه و أتباعه أصحاب الروحانية الماهدة ومنها استمد السعديون قُوَاهم لدخول دار مُلْكِ المغرب و أَحْيَوْا مراكش إحياءا ثانيا. كان القوم يُقَلِبون القول و يَتَثَبَتُون في انتقائه و يعملون على تنقيته لأنه آنية الحق. بقي شأن المعهد اليوسفي على ما هو عليه بمحوريته إلى غاية الثلاثينات من القرن العشرين، فجاء من أقصى المدينة بعد أوبته من باريس كبير أهل مراكش الشيخ محمد بن الحسن الدباغ، أَوْحَدُ الجامعة اليوسفية “بين أناس حرروا أنفسهم للإصلاح” ليؤكد من جديد صدارة “تلك البقعة المقدسة التي هي الكلية اليوسفية” في رسالته المسماة بالقضية. دار الزمان على المدينة العتيقة و اختلت موازينها وانطفأت مشكاة نور الجامعة و اندرس الأثر. إلا أن البقعة المباركة و كأنها تنادي أناسا من بعيد، دعا بهم ساقيها فأجابوه، أحْسِبهم بقية زريعة قديمة العهد، أشفقوا من حالها، منهم فاطمة الزهراء المنصورية. سمعتها تجاهر بالتزامها الشخصي “بقضية المدينة” و تقول “مراكش هي المدينة القديمة”، و أنها لها ارتباط بها و صلة رحم بل تسعى في حجز خطر الموت الذي يتهددها بعدما تسبب فيه أدعياء من صنف مليخا الشهير في أدبيات الشرق. “مراكش أرض جدودي و في الزمن الآتي ملاذ أولادي” هكذا تعتقد نزيلة حي الجنانات قبل أن يسمى بحي النخيل. 

روضة الأحبة

   عادة ما تمشي فاطمة الزهراء قاصدة ضريح سيدي بن سليمان بالمدينة العتيقة و تسلك الأزقة وحيدة أو رفقة قريبة لها، دأبت على زيارة أبيها الراحل الأستاذ النقيب سي عبد الرحمن المنصوري. تجلس القرفصاء عند قبره و قد تبكي سوء بختها. رحل عن الدنيا يوم فوزها و “تيتمت”. تجرعت مرارة فقد سندها الحكيم و عاشت وقتئذ أفظع مما تُصوره الأساطير. و مشت حادثة فقده مشي النَعِيِّ في دار عرس كما هو في شعر الملاحم.   تترحم على الوالد المحبوب معلمها الأول و قدوتها. تُسَرح طَرْفَ الاعتبار في من حولها من راحلين، ههنا يرقد الجد و الجدة و الأعمام العشرة و السيدات العمات. عشرات الراقدين من رجال الأسرة و نسائها في القبة و في الصحن و في البلاطات وفي الغرف الخلفية. كل متسع شاغر من تربة الضريح إلا و ملأه آخر من صار إلى عفو الله من المناصرة. ولا أظن أن بيتا من بيوتات مراكش قد اهتبل بضريح من أضرحة السبعة رجال على هذا النحو و تشبث به في وقتنا و التجأ أفراده رجالا و نساءا ووُلْدَانا إلى حمى خلوده. وغير بعيد من روضة الشيخ يقع درب بكامله يحمل اسم أسرتها. بممر عنق الجمل يقف رياض الجد مجللا بغبار السنين، خبت فيه الحركة، سُدَ بابه العالي على ترجيع صدى قديم و مخايل أناس سكنوه، أطياف أجيال أمست حبيسة وراء حيطانه و أنفاس لا تَفنى. و يمتد صمت الرياض في الدار و الدويرية و لْحْضَار (الكُتاب) و موقع الإسطبل القديم و مستودع سيارات الأسرة و مأوى فرجي البواب. غادر القوم منازلهم إلا أنهم لم يتبرؤوا منها ببيعها بدراهم معدودات كما صنع العديد من أهل الوَجَاهة و العراقة…   

           لو كان للبلدية شأنا في حفظ التقاييد و الكنانيش التي تُدون من سكن المدينة من قديم لاطلعنا على أخبار البلاد و أُعلمنا أن هذه الأسرة سكنت أحياءا بعينها تُتاخم شمال السور في الزاوية العباسية و سيدي بنسليمان و باب تغزوت و رياض العروس و باب الخميس، كانت بها منازلهم و معاهدهم. أما الفقيه محمد المنصوري أبو المواريث عريفهم و نسابتهم فقد ترك تأريخا أصَّلَ فيه لقدومهم بدعوة من أحد خلائف الموحدين الأوائل، فتارة سكنوا مراكش و تارة أخرى انْبَرَوْا بأنفسهم بضِيَاعهم المعروفة بالرحامنة الجنوبية.

عودة المنتصر

            عادت الرئيسة من جديد إلى داخل سور المدينة عودة المنتصر كأنما الرحالة المغربي ابن بطوطة وهو يقول “المغرب أحسن أرض و لي دليل عليه…” و كالسندباد البحري يعود إلى بغداد عاصمة الدنيا أو البطل الأسطوري عوليس إلى مملكته الإغريقية و يجد دهره جمع له فِئَامَه في عُقر داره… تُطَاعِن الرئيسة خيلا كثيرة من ركابها الصالحة و الحازم و جيش من المدابير الذين لم يهتدوا و لم يُفْلِحوا ولا حالفهم النُجْح في تدبير سياسة المدينة لعقود. و متأخرون قَضَوْا على آمالها بخراب المشاريع و تعطيلها و مسخها حتى صيروها كالسراب ونسجَ العنكبوت على بابها. ففي مثل مراكش قيل “جنة أبدع جَنّانُها و فاز باللذة سكانها” بل يمدها بحر من المعنى و التاريخ و المدنية، بحر لا ساحل له و هؤلاء يصطادون بقصبات لا تتعدى طاقتها صهريج ماء: إنهم عظيمو الشقشقة و كثيرو البقبقة، قَصُرت هِمَمهم أن يفقهوا تجديد الحواضر فما بالك أن يقودوها نحو العز الأسمى و الفوز الأحمى.  

حاضرة متجددة للتضييع  

           إن قصة تعطيل مشاريع الحاضرة المتجددة التاريخية أورثت في صدور الأحرار غُصَةً وهو غدر صُرَاح يُهَيِج الألم، فلا شجاعة و لا رعي ذِمَم. فأين هو ديوان الكتبية يا ترى؟ وأين هو رد الاعتبار لذاكرة الكتبيين و فنون الكتاب بمراكش؟ و أين هي المنشأة الثقافية الكبرى التي بورك فيها رسميا أن تشيد تحت ظلال الجامع الكتبي و تكون تُرجمانا لأعظم موقع تاريخي في المغرب الكبير. و كأنما رحاب الموقع تتعشق إقامة هذا الصرح العظيم و تستعجله! ونلح بقوة على أن موقعه الطبيعي الذي رُسِم له و طُبِعَ بالقَبول و الاستحسان يقع بشطر من عرصة دار مولاي علي (دار القنصل الفرنسي) التي تمت حيازتها بالمعاوضة. لازالت بقعة أمرأكش بكماء خاوية لا تنطق ولو بحرف واحد يتيم ولا قصة واحدة من ألف حكاية و حكاية تستدعي ألف عام من التاريخ و الحضارة. أين هي المهمة الإحيائية التي من شأنها أن تعمل على تحوير ثقافي و اقتصادي و تجاري لحي الكتبيين، بل أين هي الرؤية التي ستمكن من انبعاث جديد للخزانات و المكتبات و الوراقات و المنتسخات و محترفات الخط العربي و التذهيب و الزخرفة و التسفير؟ أين هو ابتكار مئات الفرص الجديدة لتشغيل شبابنا ووصله بتاريخه المجيد و تأصيل الأصيل النافع الجميل فيه؟ أين هي الطلعة الجديدة في أفق الكتبيين…؟ و ما مآل التراث غير المادي لساحة جامع الفناء بالمقر السابق لبنك المغرب؟ أليست فنون الحلقة و تراثها الفريد في خطر؟ وأين هي المؤسسة الرسمية التي تنظر في الأوضاع الاجتماعية المزرية لرموز التراث الشفوي؟  ألا تسمح لنا الفترة المأساوية لهذا الوباء أن نفكر في إحياء الساحة بل و تحريرها أولا و استردادها؟ فأين صروح التراث غير المادي على جنبات الساحة بدل التجارة المبتذلة و هل من رؤية استشرافية تحد من التردي؟ وأين هي المدينة الملكية للفنون الشعبية و التراث غير المادي للمغرب؟ ألم تنشأ رسميا عام 2014؟ عُيّن لهذه المنشأة الكبرى مكانا لائقا بها في حيز من أڭدال باحماد بالقرب من منازل الأوساط الشعبية المراكشية و مساكن الفنانين الموسيقيين بداخل السور. وسُطّرت لها أهداف غاية في الجودة و المجادة و حسن الروية، منها العمل على تجميع أرشيف الموسيقى العريقة بجميع أنحاء المغرب و تكوين خزانة توثيق ورقية وسمعية-بصرية، كما ورد في قانونها الأساسي العمل على تعزيز المؤسسة بوظائف للبحث العلمي و مرصدٍ لإنقاذ و تنمية الفنون الشعبية. وبالإضافة للوظائف البيداغوجية و التكوينية و برمجة الأنشطة الثقافية طول السنة. كل هذا اعتبارا للمهرجان الوطني للفنون الشعبية، قيدوم المهرجانات و امتدادا مؤسساتيا له، و ذلك فضلا عن بناء نُزُلٍ فندقي فخم من طراز خمسة نجوم يستضيف مئات الفنانين و الموسيقيين الشعبيين الذين يأتون إلى مراكش كل عام بمناسبة الموسم الفني السنوي الكبير و يعتني بهم بما هم أهل له.

مدينة الفنون طيف خيال    

           فكيف يتم اليوم الإجهاز عن هذه المؤسسة الكبرى و كيف يُغْفَصُ حق آلاف الفنانين و الموسيقيين المغاربة بهذه الكيفية الردية و يُشتت شمل هذه الملحمة الوطنية؟ كان أصحاب الفنون المغربية العريقة يحجون إلى مراكش، يأتون  من الحواضر و البوادي يستمتعون بمُقامهم بالبهجة الحمراء و يُمتعون الجمهور بكل هزج رائق بهج عتيق. يحضرون بالمئات للتلاقي و التعارف، يحيون صلة الرحم بينهم، فجاء مشروع المدينة الملكية لتحصين هذا الميراث النفيس و تخليده. و نتساءل ألم يوجد بين أفراد المجلس الجماعي الذي اقترف هذه الخطيئة رجل رشيد؟ و ما مآل مجموعة الكتب و محتويات الخزانة البلدية؟ أما البناية فقد أضحت ركاما من التراب، وجوده قبالة فندق المامونية يُشين به ويُزري. و كيف يحتمل المراكشيون غياب خزانة كتب عظمى بمدينتهم يُضرب بها المثل في مسالك الروح و العمل الثقافي المتوسطي؟ فالإحالة على الكتب و الكتبيين ميراث ثقافي مراكشي ومع ذلك لا زلنا ننتظر أن يُشفى غليلنا و نرى خزانة تضاهي خزانة الإسكندرية و خزانة طوب قباي بإسطنبول و الأسكوريال بمدريد رعيا لهذه النسبة لموقع الكتبيين. وأخيرا أين هو مشروع مؤسسة مدينة مراكش العتيقة وأين هي الرؤية المجددة التي تُدمج بين ترميم النسيج الحضري العتيق  و إصلاحه بالمعايير العلمية المرعية و بين الاقتراحات الثقافية الكفيلة بإحياء المباني المرممة إحياءا يروم الصناعات الثقافية و الخَلاّقة؟ فأحسن ما يمكن تقديمه للمدينة العتيقة في الزمن القريب الآتي لانجاز مطلب قديم كهذا أن تُعزز المدينة بهذه المؤسسة و يصير لشخصيات المجتمع المدني و الخبراء و عرفا أهل مراكش دورا رسميا محمودا و عمليا في ما يحدث من تدخلات كبرى من قِبَل الإدارات بمنأى عن جودة رأي الشخصيات ذات الصلة بالعمل الحضري و بعيدا عن خبرتهم و محبتهم لتراث المدينة. فمن موجبات نجاح هذا الورش الملكي الكبير أن يأخذ بتشاركية المجتمع المدني.

             فمن حق الرئيسة إذن أن تُعيد الكَرَّة و تطلب من المراكشيين أن يضعوا ثقتهم فيها من جديد. فقد كنا نظن عند فوزها الأول، قبل اثني عشر سنة، أنها بعدما اجتثت الشجرة الملعونة من قلب البلدية، ووطّأت وهي شابة في مقتبل مُعْتَرَكِها السياسي لهذا المشروع الكبير أنه سينجز ولو بعد حين. إلا أنه عُطِّل فيما بعد، بعد رحيلها عن تدبير شؤون المدينة إلى يوم الناس هذا. باعه الوارث المُضَيِّع ببخس. وإني لأعجب كيف رُزِق أهل مراكش مناعة صبر و احتمال هذا الجَوْر في حق حاضرتهم. فبعد سبع سنوات عجاف من الإعلان الرسمي عن مشاريع مراكش الحاضرة المتجددة في شهر يناير 2014 و بحضور جلالة الملك، من سيحمل همّ التجديد بعد التعطيل و الإنجاز بعد الإهمال و ينفث روحا يُحيي به هذه المشاريع الخمسة المذكورة أعلاه داخل السور؟ يقطع دابر التواكل و اللامبالاة و يُقارب شؤون المدينة بشجاعة و يصل القلوب المنكسرة التي سئمت التطاول على المدينة و قلب أعيانها. كره الناس أن ينظروا إلى مشهد المتطاولين ولا حتى أن يسمعوا سيرته.  

من سيحكي قصة مراكش  

            مراكش بحاجة لمن يحكي قصتها من جديد و تستدعيه وتصطفيه لينذر شخصه كاملا للبلد، وعسى أن يُذْكر بين المُصلحين ولما لا يتوق لبطولة الصالحين و يبني ملحمة الغد. فقد قيل إن فن الحكي هبة للنساء. أفليس مدار كتاب ليالي ألف ليلة و ليلة، أعظم أثر في الأدب العربي و أشهر، حول المرأة شهرزاد البطلة المنتصرة. وإذا ما اعتبرنا حكايات الليالي من جنس مرايا الأمراء فمثال شهرزاد ترى فيه المرأة المغربية نموذجا للمثقفة الحاكية و العالمة الكيسة البارعة الجمال، استطاعت بحكمتها أن تداوي العلل البشرية النفسية لصاحبها شهريار الأمير الجائر و تنقذ نفسها و زواجها و الإنسانية و مدينتها على السواء. فالوسط النسوي الذي تربت فيه فاطمة الزهراء المنصورية اتسم بوجود نساء صلدات قويات يؤثرن فيه، صاحبات همم عاليات و شخصيات سُبِكَت من حديد النفوس في حريم البيوتات الكبرى بمراكش أو بأحوازها الجبلية و السهلية، بل و يؤثرن في الحياة العامة من وراء حجاب، بارعات في كل فن، منهن العربيات و الأمازيغيات و الأندلسيات، جمعتهن رحاب مراكش و مراسيم مدنيتها حيث ينصهر الكل و ينصبغ بالطابع العباسي (نسبة إلى الشيخ أبي العباس السبتي). وكأني بهن من أضراب من ذكرهن الأمير عبد الله بنزيري أمير غرناطة و أسير يوسف بن تاشفين في كتابه “التبيان”. كان ذلك في الزمن الأولي لمدينة مراكش. إلا أن النساء لم يُوَفيهم المجتمع السياسي قديما حقوقهن و بَقين متواريات وراء الحيطان و الحُجُب الغليظة، وأبان أهل النظر في الدين من الفقهاء و رؤساء السياسة كراهة تجاههن و حَيْفا مُوجعا. وإن قال حُذاق المنظرين  قديما و حديثا بأن سياسة الأمم من فن الممكنات و تاه بهذه المقولة المُحْدثون، فلربما أن نساء زمننا قد يأتين برأي آخر أعلى جودة و سدادا من الرجال. فضمير النساء قد يزيد على عقل الرجال بالحدس و الأخذ بالواقعية و الكشف بعاطفتهن، وهكذا قد يَنْزَعن إلى مفهوم السياسة من حيث هو علم الممكنات و ليس فنا، فَشَتّان بين هذا و ذاك. 

رؤساء الأمس و شمائل الاستقامة 

          قد تفتح فاطمة الزهراء المنصورية آفاقا بقيت مغاليق منذ مدة، و تسلك مثل هاته المسالك. فهي أولا و منذ بداياتها لا تخاف أن تشتبك بخصومها السياسيين و تقاسيهم، و في غالب المنازلات تبزهم و تخرج منتصرة و قد قطعت رؤوس المُنازعين. فبعدما كانت تُنعت ببنت الأستاذ و عند من لا يعرفها ببنت الباشا، فنرى اليوم و بعد أزيد من عقد من عملها السياسي و انجازاتها الظاهرة للعيان محليا ووطنيا قد اتخذت مكانها و عليها مؤمل كبير. وغالبا ما تقول بثقة شديدة في النفس: “لا أريد شيئا لنفسي ولا أجري وراء وهم المناصب بل أجدني أسلك طريقا عكس ما أتمناه و يستهوي ربة بيت ذات أولاد و مسؤولية عائلية مثلي”. وهذه سمة تُميز الأستاذة المحامية من بين سيدات وسطها الاجتماعي فهن لا يجرئن ولا يقتحمن غِمار العمل السياسي و تبقين على بعد مسافة لا يُعرف أيغذيها الشعور باللامبالاة أو عدم الاكتراث. وعلى نقيض دَيْدَنِ ألوف النساء الميسورات تنزهت بنت الأستاذ الرئيس عن هذه العادة بكفاءة تصحبها نزاهة ونقاء يد، وربما من أجله يُفتح أمامها اليوم باب موصد ومكانة لا يبلغها إلا الآحاد من رؤساء مراكش المتأخرين. فقبل أسابيع معدودة اجتمع نخبة من شخصيات المجتمع المدني بمراكش في مجلسين من مجالسهم الأدبية، مجلس الكتبيين قُدِّم فيه لكتاب “مذكرات الرئيس سي محمد بوستة” وأقيم بعده بأيام قلائل مجلس ثان بدار بنفضيل لتقديم الترجمة الفرنسية لكتاب “صمود وسط الإعصار” لمؤلفه الرئيس مولاي عبد الله إبراهيم، اجتمعت النخبة حول ذكرى رئيسين كبيرين من أعلام المدينة، اتخذا مكانهما و مكانتهما في ضمير الأمة. لم يَعبأ الناس بتعدد المذهب ولا باختلاف المشرب بقدر ما اجتمعوا حول استحضار الإرث النزيه وشمائل الاستقامة في الممارسة السياسية لدى الرئيسين المذكورين و كوكب من الزعماء المغاربة الذين أخلصوا لتيار الإصلاح و ملئوا دنيا القرن العشرين و راحوا. فهؤلاء لهم في الماضي القريب عملهم خلدهم و مشروعية النضال ضد الاستعمار. أما جيل الرئيسة فيكفيه أن يلبس لباس الكفاءة و قفطان النزاهة و محبة الوطن و الثقافة الواسعة. فهذا القفطان الذي صار في الأذهان من اختصاص النساء، يلبسه كذلك الرجال في عُرْف المغاربة. فهو حِلْية وقاية و قوة باطنية، سلطانها قاضٍ ودقيق المنفذ في النفوس، يتزين به المرء ظاهرا و باطنا. الرحبة واسعة المنطلق لمن يعمل ليلتحق بالرعيل الأول المذكور من الرؤساء و يصير من رموز الأبطال وتُحمد عُقباه.          

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.