عندما يصبح “الأجر قبل العمل” حلا سحريا !

0 217

 

     خلافا لمبدأ “الأجر مقابل العمل” الذي أقرته الحكومة السابقة برئاسة الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية عبد الإله ابن كيران الذي يستفيد مقابل تلك الولاية التشريعية اليتيمة الممتدة ما بين 2012 و2016 من معاش استثنائي يبلغ 70 ألف درهم شهريا، في مواجهة الأجراء والموظفين المضربين عن العمل، وما أثير من نقاش واسع حول مدى قانونية الاقتطاع الفوري من أجورهم.

     وبعيدا عن كون هذا الإجراء الذي مازال ساري المفعول يعد إجراء تعسفيا ودون سند قانوني في غياب قانون تنظيمي للإضراب، وإجماع المركزيات النقابية ذات التمثيلية الحقيقية على أن الاقتطاعات التي تتعرض لها رواتب العمال والموظفون بعد انخراطهم في الإضراب، تعد مسا صارخا بحق يكفله لهم دستور البلاد..

     بادرت حكومة خلفه سعد الدين العثماني الأمين العام الحالي لذات الحزب، بمناسبة عيد الأضحى المبارك، الذي يصادف هذه السنة يوم الأربعاء 21 يوليوز 2021 (10 ذو الحجة 1442)، في بلاغ لوزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، إلى الإعلان عن قرار يقضي بصرف أجور موظفي وأعوان الدولة والجماعات الترابية لشهر يوليوز 2021 يوم الجمعة 16 يوليوز عوض 31 منه. وهو ما اعتبره الكثيرون إقرارا رسميا بتردي الأوضاع المادية لغالبية الأجراء والموظفين، الذين يتعذر عليهم حتى إتمام الشهر بأجورهم الجد هزيلة، التي تتوزعها القروض وفواتير الماء والكهرباء والقوت اليومي وغيره من الحاجيات الضرورية، فما بالكم بمصاريف العيد والعطلة السنوية والدخول المدرسي؟ فأين نحن من مبدأ “الأجر مقابل العمل” الذي ظل يطبل له سلفه ومريدوه، وأقام الدنيا ولم يقعدها حول تطبيقه فقط على صغار الموظفين والمستخدمين؟ 

     فابن كيران الذي كوفئ عن حزمة من القرارات الجائرة وعلى رأسها ما أسماه “إصلاح نظام التقاعد” الذي خلف انتقادات لاذعة وردود فعل غاضبة في أوساط الموظفين، مازال إلى يوم الدين هذا يتباهى بتلك القرارات الموجعة، معتبرا أنه أنقد صندوق التقاعد المغربي من الإفلاس، ونجح في لجم الإضرابات في المدارس التعليمية والجماعات الترابية من خلال وضع قانون “الأجر مقابل العمل”، ناسيا أن الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد وفئات أخرى، لم تقف الاقتطاعات المجحفة دون خروجهم للتظاهر المتواصل من أجل إسقاط نظام التعاقد، وانتزاع حقوقهم المشروعة مهما كلفهم الأمر من تضحيات جسيمة.

     إذ مازال المغاربة يذكرون كيف ذهب به خياله “الواسع” يوما إلى حد القول جهرا تحت الأضواء، بأن الاقتطاع من رواتب وأجور المضربين عن العمل مذكور في القرآن، مستدلا بالآية الكريمة “7” من سورة الرحمن “والسماء رفعها ووضع الميزان”، واستطرد قائلا: “الميزان فيه كفتان، الأولى خاصة بالعمل، والثانية بالأجر، إذا وضع الأجير العمل في واحدة، فإن الدولة ستضع المقابل في الأخرى…”. في حين أن هناك عددا من البرلمانيين وغيرهم من كبار الموظفين يتغيبون في عديد المناسبات دون أن تطال أجورهم السمينة أي اقتطاعات.

     وبغض النظر عن تعارض قرار حكومة العثماني القاضي بصرف رواتب وأجور موظفي وأعوان الدولة أسبوعين قبل نهاية شهر يوليوز، مع قرار سلفه ابن كيران “الأجر مقابل العمل”، فإنه يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الحكومة واعية بمعاناة الموظفين والأجراء، الذين لا تستطيع أجورهم الصمود أمام تكاليف العيش. وإلا ما كان لموظفي وأطر الجماعات الخروج عبر مراسلات خاصة للمسؤولين، يلتمسون بواسطتها ليس فقط صرف أجورهم قبل حلول العيد ليتمكنوا من اقتناء الأضاحي، بل أيضا للتدخل لدى المؤسسات البنكية قصد تأجيل الاقتطاعات المتعلقة بقروض السكن وغيره، وخاصة فئة عمال النظافة الذين يتواجدون في الصفوف الأمامية لمواجهة جائحة “كوفيد -19″، وسيكونون مطالبين منذ صباح يوم العيد بجمع آلاف الأطنان من نفايات الأضاحي. ألا يستحق مثل هؤلاء الجنود أن تخصهم الدولة بمنحة العيد، لاسيما أنها تعلم جيدا أنهم يعيشون أوضاعا صعبة أكثر من غيرهم؟

     إنه بذات القدر من الشعور بالارتياح الذي عبر عنه الكثير من “المسحوقين” الذين أصبح عيد الأضحى بالنسبة لهم وعائلاتهم ضرورة ملحة أكثر منه سنة مؤكدة، وهم يتلقون خبر قرار الحكومة الإفراج عن حوالاتهم الشهرية قبل حلول العيد، ماداموا غير قادرين حتى على أداء احتياجاتهم الأساسية، ويعيش معظمهم على السلف لإتمام أيام الشهر، في ظل إصرار حكومتي البيجيدي السابقة والحالية على ضرب قدرتهم الشرائية بالزيادات الصاروخية المتوالية في الأسعار والضرائب…

     هناك في المقابل آلاف الأجراء والموظفين يشعرون بالغبن والامتعاض تجاه القرار الحكومي المتكرر، خوفا مما قد تحمله لهم الأيام من مفاجآت غير سارة في استقبال شهر غشت بجيوب فارغة، وما يستدعيه الدخول المدرسي في الشهر الموالي من استعدادات مادية. إذ ما جدوى تقاضي الأجور مبكرا بدعوى مساعدة العمال والمأجورين في اقتناء أضحية العيد، إذا كانت انعكاساتها أكثر ضررا عليهم وأسرهم؟ ثم ألا ترى الحكومة أن تسبيق الأجر، قد يشجع على التهاون وفقدان الحماس في العمل؟ ثم لم لا يتم التفكير في إجراءات أخرى لفائدة الأكثر تضررا من صغار الموظفين وعمال الإنعاش الوطني؟

     إن حرص الحكومة الدائم على تسبيق الأجرة الشهرية للمأجورين والعمال، ليس مراعاة لظروفهم  الصعبة كما يعتقد البعض، وإنما وعيا منها بما تحدثه هذه المناسبة من “رواج” اقتصادي كبير. حيث يساهم عيد الأضحى إلى جانب إعادة التوازن بين المدن والبوادي في ظهور عدة حرف أخرى صغيرة، فتتحول المناسبة من شعيرة دينية إلى سوق كبيرة أمام فئات عريضة من المجتمع.

اسماعيل الحلوتي 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.