رأي. طمع البعض في حقيبة في الحكومة المقبلة..هل يسلِّم وهبي البام ليمتطيه الإسلاميون؟01/03

0 1٬161

مراد بورجى

القرارات التي اتخذها عبد اللطيف وهبي بعد أن “أصبح” ووجد نفسه أمينًا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة “الحزب الذي أسسه صديق الملك”، تجزِم أن الرجل يفتقد للحس السياسي الرصين.
عندما تجد أن “الرفيق الأخ” عبد اللطيف وهبي، الذي يجلس اليوم على كرسي رئاسة البام، ثاني قوة سياسية، بتَرِكَة تبلغ 102 نائب برلماني.
كرسي، في أقل من 11 سنة، تعاقب عليه سبعة أمناء عامين في ما يشبه عملية “التويزة” أو “الحرث الجماعي”، التي دأب عليها ملوك المغرب، واستنبط منها “القصر” رمز التراكتور الذي اختاره لحزبه لِيجُر به الأحزاب نحو نسبة مشاركة تُرجع لها الشرعية، التي فقدتها خلال انتخابات 2002/2003.
وهي الشرعية التي ستنضاف إلى مشروعية إمارة المؤمنين، التي تبّثَها الملك محمد السادس بعد أن تصدى له حزب العدالة والتنمية عندما اعتلى العرش، وحاول الدرع الدعوي الوصي على هذا الحزب “الإسلامي” نزْعَ رداء إمارة المؤمنين عن الملك وقتها بدعوى أن محمد السادس شاب لا تتوفر فيه شروط إصدار الفتوى بصفته أمير المؤمنين، التي يرأس بها المجلس العلمي الأعلى.
ثارت ثائرة القصر بسبب هذا الكلام الخطير، الذي صدر عن رئيس حركة التوحيد والإصلاح، المرشد الدعوي لحزب العدالة والتنمية، فبعث الملك بفؤاد عالي الهمة لاستفسار قيادات حزب العدالة والتنمية، في اجتماع جمعه بالأمانة العامة للبيجيدي بمنزل الدكتور الخطيب، ولم يعد الهمة إلى القصر إلاّ بعد إزاحة أحمد الريسوني من رئاسة الحركة.
اليوم، ومن على كرسي البام، الذي أعلن الحرب على الإسلاميين، وعلى توظيف الدين في السياسة، منذ أن كان بدوره حركة، يأتي السي عبد اللطيف وهبي، بـ”عفويته السياسية”، بعد كل هذا ليعلن تحالف حزب “الهمة”، مبعوث القصر سابقًا، مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي خرج أمينه العام السابق عبد الإله بنكيران، تزامنا مع لقاء العثماني ووهبي، بطريقة بئيسة، يوجّه فيها تهديدا مبطنا للدولة وللملكية، فيقول إن “‏هؤلاء الملوك مضطرون لتمرير المُلك لأولادهم، ويجب أن يُراعوا ويعرفوا كيف يقدرون المصلحة الحقيقية، وهم ليسوا‏ مرتبطين بالزمن الانتخابي”… ثم استرسل بنكيران في كلامه الموجه مباشرة للملك فقال عن الملكية إن: “دورها الأساسي هو التحكيم، وبطبيعة الحال الدفاع، لأنه لا يمكن لنا نحن أن نكلف بالدفاع حزبا سياسيا، ولكن أنا لن أغامر ببلد بأكمله، فهمتني أم لا! لن أضعها في فم الأسد. اسمح لي”!
ووهبي الآن يريد التحالف مع منتجي مثل هذه الخطابات المشككة حتى اليوم في الاختيار الديمقراطي، وتحريف النقاش العمومي في اتجاهات تضرب في العمق قواعد وأسس العملية السياسية برمتها…
وبما أن صديقي عبد اللطيف وهبي قال، في نفس اللقاء، إنه يقبل بنقد الصحافة، ويعتبر أن نقد الصحافة له وسام شرف على صدره.
يمكنني أن أقول إن الذي يجلس على كرسي رئاسة حزب مثل البام لا يتخذ قرارات عشوائية، ولا ينطق عن الهوى.
إن الأمين العام عبد اللطيف وهبي لا يعرف أن حزب الجرار في زمنه سيصبح مجرورًا بهذا التحالف الذي سيحمّل حزب الأصالة والمعاصرة مسؤولية مرحلة حكم الإسلاميين للمغرب.
خصوصا عندما دفعت حماسة وهبي الزائدة أن يستبق الأحداث ويشرع في تأويل الفصل 47 من الدستور، وتأويل بلاغ الديوان الملكي، ودخل في كيفية تفكير الملك محمد السادس خدمة لتحالفه هذا..
وهبي، وخوفًا من “سطوة” حزب أخنوش على حزب الإسلاميين في الانتخابات المقبلة، فسّر عبارة “هناك عدّة خيارات”، التي وردت في بلاغ القصر بعد البلوكاج، وبدأ يتكلم عن الملك قائلًا “رئيس الدولة كيف يتعامل مع الفصل 47 ويحاول تفسيره بكثير من الضبط ويعين رئيس الحزب”، وختم وهبي هذا التفسير بأنه يؤمن أن الملك سيذهب في اتجاه “إذا فشل الحزب الأول نَمرُّ إلى التحالف الأول”.
كل هذا أمام ذهول الصحافيين خلال اللقاء الذي نظمته وكالة المغرب العربي للأنباء يوم الاثنين الماضي…
وهو نفس هذيان إلياس العماري الذي “أوقعوه فيه” خلال انتخابات 2016، فاكتشف بعد ذلك أن المخزن “ماكيلعبش مع الدراري”.
كان على وهبي أن يفهم أنه هو من اختار التحالف مع الفشل، وجريا وراء “حقيبة” له ولمن يريد الاختفاء وراء الحقيبة للهروب من المحاسبة، نسي وهبي أو تناسى أنه خلال عشر سنوات من المعارضة، هو وحزبه من كان ينعت الحكومة، التي يترأسها الحزب الإسلامي، الذي تحالف معه اليوم، بالفشل.
ولعل وهبي نسي أو تناسى، أيضا، أن حصيلة هذا التدبير الفاشل هي التي جعلت ملك البلاد يعلن عن فشل النموذج التنموي المتبع، وجعلته “غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين”، إلى الحد الذي خاطبهم بالقول: “كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا”…
قد يكون وهبي التجأ إلى “الفشل” اضطرارا، بعدما رفض حزب التجمع الوطني للأحرار اللقاء بحزب الأصالة والمعاصرة كما قال وهبي للصحافيين، وبعدما لمس وهبي إعراضا مماثلا أيضاً من قبل حزب الاستقلال، الذي كان يشكل معه، إضافة إلى حزب التقدم والاشتراكية، المعارضة الثلاثية للحكومة الفاشلة…
ثم بعد هذه القفشات عن اللجوء إلى الفشل، قفز وهبي على مجلس المستشارين واختصاصاته، واعتبر أن هذا المجلس لا مبرر لوجوده لأنه فقط يكرر ويعرقل العمل، وقال: “يجب إعادة النظر في مجلس المستشارين”…
‏ثم انتقد تحديد “مقاعد لنقابة رجال الأعمال وحدها فقط (‏الاتحاد العام لمقاولات المغرب)، ‏وتساءل لماذا النقابات لها مقعد، وأين هو التصويت لمنح السلطة؟”…
وهنا أُحيل صديقي وهبي على ما قاله الجالس على العرش في خطاب بخصوص مجلس المستشارين: “أعطى الدستور لمجلس المستشارين مكانة خاصة في البناء المؤسسي الوطني، في إطار من التكامل والتوازن مع مجلس النواب. فهو يتميز بتركيبة متنوعة ومتعددة التخصصات، حيث يضم مجموعة من الخبرات والكفاءات، المحلية والمهنية والاقتصادية والاجتماعية. لذا، يجب أن يشكل فضاء للنقاش البناء، وللخبرة والرزانة والموضوعية، بعيدا عن أي اعتبارات سياسية”، واسترسل الملك قائلاً: “كما ينبغي استثمار التكامل بين مجلسي البرلمان للرفع من مستوى أدائه ومن جودة التشريعات التي يصادق عليها”.
لنسأل ماذا فعل وهبي لتمثّل انتظارات الملك من مجلس المستشارين؟ بل وقبل ذلك وبعده، لا يمكن بجرّة كلمة محو الدور الكبير، الذي قام به مجلس المستشارين، خصوصا في عهد أمينين عامين سابقين للبام محمد الشيخ بيد الله وحكيم بنشماس، في تحقيق نوع من المعادلة والتوازن في السلط، حتى لا تستأثر القوة، التي تقود الحكومة، بالحكم وتهيمن على مختلف مناحي تدبير الشأن العام، حتى بات نجم مجلس المستشارين في الواجهة، بفعل وجوهه المتعددة والمتنوعة وتدخلاتها ومواقفها القوية، التي كانت تستأثر باهتمام الرأي العام، مقابل حضور باهت لوجوه رتيبة في مجلس النواب…
بعد كل هذا وذاك، سينتقل وهبي للقفز على الشباب، إذ قال: “لغة سنرشح الشباب ونريد الشباب”، بيد إنه تابع مستدركا أن “الشباب يجب عليه أن يقتحم السياسة، ويقتحم المجال الحزبي، ‏ويتصارعون معنا، ويمكن أن يفرضوا إرادتهم ويبعدوننا”.
ثم حكى وهبي للصحافيين حالة شاب وجده جالساً في المنصة، فطلب منه التنحي منها، وقال له: “أنا أتصارع منذ 40 سنة لأجلس في المنصة”! قد يتفق المرء مع جوهر الفكرة، لكن يبدو أن وهبي خانته العبارة، إذ إن نازلة “شاب المنصة” تسقط في تحقير واستبعاد الشباب دون مبرر يذكر، بل في تناقض مع انتظارات الجالس على العرش ومع صيرورة التاريخ ومنطق التطور…
‏وفي هذا الصدد، نجد أن الملك، منذ اعتلائه العرش، وهو ينادي ويلح، في عدة خطابات، على حيوية إعطاء الفرصة للشباب للولوج إلى مواقع القرار، ويطالب بتشبيب الإدارة، مثلما يطالب الأحزاب بـ”استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم”… لكن للسي وهبي نظر آخر، عوض أن يذهب للشباب، يريد من الشباب هو الذي يأتي إليه (السياسة)، وهو الذي يجب أن يقوم بالخطوة الأولى للانخراط في العمل السياسي!
ودائما في السياق ذاته، الكل يتذكر الحملة التي أُطلق عليها “دابا 2007″، التي جابت المغرب طولاً وعرضاً، تَطلبُ من الشباب الانخراط في العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات.
لكل ذلك، إذا كان عبد اللطيف وهبي يُؤمن أن الشباب يجب أن يتصارع لـ40 سنة كي يلج للمسؤولية، ويستحق “المنصة”، فكيف يرد على الملك محمد السادس وعلى الشعب الذي صوّت على دساتير المغرب، التي تحدد سن الرشد ليحكم ولي العهد هذه البلاد في سن 18 سنة؟!
وهبي “بريء من السياسة”، ولا خيط ناظم يربطه، لا هو ولا أحد من البام، اليوم، بمؤسس هذا الحزب فؤاد عالي الهمة لا بصفته، ولا بصداقته، ولا بقربه من أحد…
وإنها لمحض خزعبلات تلك التي نسمعها هنا وهناك والتي تفيد أن فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة المجلس الوطني للبام، هي التي “تقود التراكتور”، وتُسيِّر الحزب من وراء حجاب، وأنها تتلقى التعليمات والإشارات الآتية من فوق، وتنقلها إلى المسؤولين، كما يُحاول أن يُروِّج البعض بغيةَ تخويف المنتخبين والضغط عليهم…
وهي نفس الأسطوانة المشروخة، التي سبق الترويج لها خلال مؤتمر البام الأخير، الذي اتضح، في الأخير، أن الإنزال الذي قام بها الأعيان، وقتها، هو الذي حسم الكفة وقلب المؤسسين بعد قلبه لكل الموازين…
وهو الشيء الذي يتبرأ منه بعض الأعيان، الذين دفعهم إليه حُسنُ نيتهم وخوفُهم على شتات حزب مازالوا يعتقدون أن فؤاد عالي الهمة، الذي أسسه، مازال يرعاه…
وقبل هذا، سبق الترويج لأكاذيب “سامية” تقول إن عزيز أخنوش بدوره له علاقة بالملك، وأنه فُوِّض له الأمر، وهو من سيترأس الحكومة المقبلة، ونتيجة الانتخابات محسومة لصالح حزب الأحرار، إلى غير ذلك من الترّهات التي لا بداية ولا نهاية لها…
أنا أعرف فاطمة الزهراء المنصوري منذ دخولها لهذا الحزب، لا علاقة لها بما يُقال.
فؤاد عالي الهمة وضع مسافة كبيرة بينه وبين الحزب من قبل أن يعينه الملك محمد السادس مستشارًا له، بسبب الانقلاب عليه من داخل الحزب خلال الربيع العربي.
والملك حسم علانية هذا الموضوع برد قوي على تصريحات نبيل بنعبد الله أمين عام حزب التقدم والاشتراكية عندما كان يوحي بأن الهمة يقف وراء حزب البام، فأصدر وقتها الديوان الملكي بلاغا توضيحيا، بالضبط في 03 ستنبر 2016، يقول فيه إن “الشخص المقصود هو مستشار لجلالة الملك حاليا، ولم تعد تربطه أي علاقة بالعمل الحزبي، مؤكدا أن مستشاري صاحب الجلالة لا يتصرفون إلا في إطار مهامهم، وبتعليمات سامية محددة وصريحة من جلالة الملك”.
ليس هذا فقط، بل إن ملك البلاد نفسه حذّر، في أكثر من خطاب، أياً كان، من مغبة الاختفاء وراء القصر، ليبين أنه على مسافة واحدة من جميع الأحزاب.
الأفق، الذي كانت تصبو له وكالة المغرب العربي للأنباء، في تنظيمها للقاءات الصحافيين مع أمناء الأحزاب السياسية، هو رفع سقف النقاش السياسي، وإبراز برامج الأحزاب لعموم الناخبين، ليستطيعوا تحديد الحزب الذي سيجيب على انتظارات الشعب المغربي في هذا الظرف الحالك الذي يمر به المغرب من جراء تداعيات جائحة كورونا.
كما أن هذه المؤسسة الصحفية العمومية تأمل، من خلال مقارعة الحجة بالحجة في برامج الأحزاب، أن يساهم تنظيم لقاءات مواجهة بين الأمناء العامين في إقناع الناخبين لاختيار الأجود. ولم تكن هذه المؤسسة تعتقد أن البعض سيستغل فضاءها لتصريف مواقف يغلب عليها الشخصي والظرفي…
يتبع…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.