ذكرى لعشير…خمس سنوات من الغياب.. الراحل الفنان عبد الهادي توهراش..حرفية على الركح بهاء في الحياة.

0 166

.بقلم : محمد أمين بنيوب

<أنت الطفل الدائم الطفولة..لم تيأس يوما من جذوة المسرح، لم تغدر به ولم تغادره..ظللت دائما وفيا لشغفك الأول مثل طفل صادق الطفولة .لم تفقد أبدا دهشة الاكتشاف ولم تصدأ موهبتك بالملل…> د. عزالدين بونيت.

الفنان عبد الهادي توهراش اسم له دلالة ورمز في الحركة المسرحية المراكشية و الوطنية. عندما تصادفه في طريقك أوفي عملك أوفي مقهى ..يحلو له أن يناديك بالعشير..لعشير يجمع كل مجازات الصدق و الوفاء والإخاء.رأى النور بمراكش وفي حي له دلالة تاريخية وسياسية وثقافية.حي القصبة الموحدي الأمبراطوري بني من طرف يعقوب المنصور الموحدي وشكل في وقته أكورا ميكيافيلية، تجمع بين عظمة السلطة وقداسة السلطان وبديع العمارة. بهذا المعنى يمكن اعتبار القصبة فضاء ضم النخب العسكرية والسياسية والفكرية للدولة الموحدية واستمرالحي في أداء هذه الوظيفة عبر تاريخ مراكش.يكمن الرجوع للمصدرالتاريخي القيم لغاستون دوفيردان،تاريخ مراكش من التأسيس إلى الحماية 1912 للوقوف على أسرارعاصمة مراكش ،إمبراطورية المملكة الشريفة . تحولت القصبة مع مرحلة الاستعمارالفرنسي إلى سقف يعج بأفكارالتحرر والوطنية وملجإ لزرع ثقافة النضال الوطني..يكفي فقط أن نشير أن فرقة الوفاء المراكشية ولدت داخل أسوارالقصبة وأسماء أخرى لامعة في الموسيقى والزجل و الكتابة و المسرح ،نمت وترعرعت وحلقت في دنيا الله الواسعة.

هذه دلالة حي القصبة التاريخي .أما دلالة الفنان توهراش فهي تخترق الأمكنة والأزمنة والفضاءات .لاأظن أن توهراش ينتمي لسلالة الموحدين وأتباعهم ولاهو من نخبهم الفكرية و السياسية، لكن الرجل يعتبر علامة فنية وأيقونة إبداعية نسجت مسارها من القصبة وبالضبط درب أكركور رقم 12وهونفس حي المبدع المسرحي عبد الله المعاوي وهما معا من صناع وورثة التاريخ الفني المراكشي وسيجمعهما فيما بعد مشروع فرقة مسرحية واعدة تدعى الجيل الصاعد.من ثمة كانت بداية الرحلات المسرحية.

رأى توهراش أو لعشير النور سنة 1952 وخفتت أنوار بهائه يوم السبت 14 أبريل 2018. مابين نور الولادة ونور النهاية، كتب له أن يلج قساوة الحياة وأن يتسلح بفرجة الحياة وأن يمتهن مسرح الحياة .ولاغرابة أن تكون القصبة قريبة من ساحة جامع الفنا، حيث يختلط الحكي والزجل والموسيقى والرقص ومولاة الفال والأكل، ليشكلوا عوالم من الضحك والسخرية.فقط عليك أن تنخرظ في هذا الطقس الوجودي بكل جوارجك وإيمانك .كانت الساحة المدرسة الأولى في اكتشاف موهبة سيعلو شأنها بعد حين. كانت البداية الفنية سنة 1968.ومن حي القصبة سيشيد قصبات فنية كبرى، امتدت نحوخمسة عقود.توزعت مابين المسرح و التلفزة والسينما…

سيحظى المسرح بحصة الأسد في مساره الفني وذلك من خلال ثلاث فرق مسرحية كبرى ،الجيل الصاعد ونادي خشبة الحي وورشة الإبداع دراما.فكانت الإنطلاقة مع أعمال عبد الله المعاوي ،أمثال عمية بلا عكاز والحصلة ويوغرطة والنمرود واللائحة طويلة.مع بداية الثمانينات من القرن العشرين،سيشكل مع زميليه عزيز البوزاوي و السبطي فرقة جديدة ودائما من حي القصبة، تحت اسم نادي خشبة الحي وستقدم أعمال لأسماء كبرى على المستوى العربي .لكع بن لكع للكاتب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي و الكاتب العراقي الراحل يوسف العاني في عمليه الخالدين ،الخرابة و المفتاح وأخيرا الكاتب الاحتفالي عبد الكريم برشيد في مسرحتيه الدجال والقيامة وشطحات جحجوح.

مع بداية التسعينات من القرن العشرين. سيقرر هو ورفيقه عزيز بوزاوي ترك نادي خشبة الحي و تأسيس مشروع مسرحي ضخم تحت اسم ورشة الإبداع دراما ومع الكاتب والمسرحي عبد اللطيف فردوس، ستنجز الفرقة أعمالا مسرحية اتجهت نحو ثقافة الفرجات الشعبية .فكان من بينها، لفراجة فلبساط ..سلطان الطلبة تبوريدة ..اعبيدات الرما..المحطة رقم21. هناك سيعيش أزهى لحظات الإبداع المسرحي مع الفنان الكبير عبد الجبار لوزير والراحلة زينب السمايكي..
مابين 1968 و2017 نحث لعشير اسمه لامعا كفنان و كممثل مسرحي بامتياز وربما يمكن توصيفه بالممثل الكوميدي الذكي والمناور في اللعب والسريع في الإيقاع و الحركة. أقرب للممثل الكوميدي عند موليير. لايمكن أن تتصور عملا مسرحيا بلا توهراش ورفيقيه عزيز بوزاوي ونادية فردوس.ترك حصيلة فنية غنية،أزيد من خمسين عمل مسرحي وتسع مشاركات في المجال التلفزي و السينمائي وكان آخرها فيلم الجامع لداود أولاد السيد وحصل فيه على أحسن ممثل.

عرفته كفنان متصوف زاهد ..لا يحب الظهور..في الحياة أنت عشيره ..في العمل خدوم ونصوح ..لازلت أتذكر عندما كنت مديرا جهويا للثقافة بمراكش تانسيفت الحوز..كان دائما الأول ومكلفا بمكتنب الضبط.ذات مرة تعطل. وكنت بحاجة لمعلومة عندما أتى قلت له.. آلعشير .أنت هو المدير وأنا كاتب الضبط…ابتسم وبسخريته المعتادة… بلى.. أنت المدير والضبط معا..رحمة الله عليه هنا وهناك ..ولله الأمر من قبل ومن بعد..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.