المثقف والانتخابات..

0 132

 

علاقة المثقف بالانتخابات، وكيف ينظر اليها، اليوم، هي جزء من علاقة المثقف بالسياسي، والمثقف بالاحزاب السياسية، وايضا، بعلاقة المثقف والسلطة، فهذه العلاقة منذ القديم اي منذ ظهر المثقف، وهي تتسم بنوع من التوتر والريبة والاحتراس، وقد عرفت هذه العلاقة تحولات ،بحيث انه في المغرب الحديث اي بعيد الاستقلال كان هناك تقارب بين المثقفين والسياسيين لاسيما وان من كبار السياسيين انذاك كانوا مثقفين او يميلون لكل ماهو ثقافي، وبالفعل كان العمل السياسي يسترفد قوته من الثقافي، وكان المثقفون يحضرون بقوة في النقاش واقتراح الافكار، لكن هذا الزمن لم يعمر طويلا ، فبعدت الشقة بين المثقف والساسي وبين المثقف والاحزاب، فانشغل المثقفون بمشاريعهم الفكرية وبناء تصوراتهم الصلبة على المعرفي، وبدأت الايديولوجيات تنحسر، ودخلنا زمن السياسي الذي يرى السياسة طريقة للمكسب والترقي الاجتماعي، فصار العمل السياسي بلا بوصلة، بحيث خفتت فيه المعالم الفارقة، والمشاريع الواضحة، ودب الى الاحزاب ضعف ظاهر، في تنشئة المجتمع سياسيا، وتأطير القاعدة الحزبية، وانشاء اجيال من السياسيين وقد تشبعوا بمبادئ احزابهم، وغرس القيم التي لاتبلى، والمتمثلة في الوطنية الحقة، وخدمة الصالح العام، والزهد في المصالح الذاتية الوقتية، والرغبة الاكيدة في الاصلاح وتقوية مؤسسات الدولة، والتشبع بالروح الديمقراطية، والايمان الراسخ بالتناوب على الحكم ، من خلال مشاريع واضحة ،ورؤية سديدة ، وقدرة على تنزيلها الى ارض الواقع، عبر كفاءات تتمتع بخيال خلاق، كل هذا لم يقع، فتحول سوق السياسة، الى فضاء تبعثرت اوراقه، وافرز ظواهر عجيبة، انعكست سلبا فيما يراه الناس، في المستوى العادي لممثلي الامة في البرلمان، وفي تسيير المجالس الجماعية، فلاتكاد تعثر على مثقف واحد في هذه المؤسسات، حيث الاغلبية من اعيان او من اناس بمستوى دراسي لايفي بالغرض، من اجل ان يكون لدينا منتخبون لهم من الكفاءة والمهارة للدفاع المشاريع وانزالها تنزيلا متقنا،او لابتكار حلول لمعضلات اجتماعية واقتصادية عالقة.
اذا كان المثقف الملتزم، وليس المثقف الانتظاري، او المخملي الذي لايبرح اسوار مكتبه في الجامعة، ينخرط بقوة في ممارسة النقد للسلوك السياسي، فانه بمثل هذه الممارسة المكثفة، وليست المناسباتية يمكنه ان يفرض وجوده على السياسي، ويلزمه بالاصغاء اليه ولمقترحاته، ولايكفي ان ينتقد فقط ، بل ان تكون لديه القدرة على الاقتراح وعلى التنزيل والانجاز، فمثل هذا المثقف الذي نجده اليوم منتميا للمجتمع المدني، الذي مازال في بداياته، هو الذي يمكنه ان يحرج ضعف السياسي، وان يجعله يطور من ادائه، في اعتقادي الشخصي، ان المثقفين اليوم في حاجة لأطار جديد يوحدهم، من اجل ان ينشؤوا به قوة ضغط، على مسيري شؤون المدن، والجهات، من أجل تحقيق المشاريع التي بقيت على الورق وتعاقبت عليها مجالس جماعية، ولم تنجزها او ركنتها في زوايا الاهمال، وكثيرة هي المشاريع الكبرى التي اسهم فيها مثقفون في جمعيات المجتمع المدني ،وتم تبنيها من قبل بعض المجالس، لكنها عطلت او افسدت او لم تجد الكفاءات ذات الفكر والخيال الخلاق، لابد من هذا الحضور المكثف للمثقف العضوي، الذي يؤمن بان الثقافة اليوم ليست كلاما يقال ،او يلاك في مناسبات وكفى، بل الثقافة اليوم هي مصدر حقيقي للنماء، وللاسهام في خلق فر ص الشغل، وتسريع في الازدهار الاقتصادي، ان الثقافي اليوم يتحدث عنه باعتباره صناعة، إذ الصنائع الثقافية هي رافعة اقتصادية حقيقة وليس مجازا، لهذا فما يريده المثقف اليوم من الانتخابات على علاتها، هو ان تفرز زبونا يمكن للمثقف ان يجد فيه محاورا وقادرا على مسايرة رؤية المثقف البعيدة المدى، من أجل بناء مدن تليق بنا ،وباللحظة الزمنية التي نعيش والتي نطمح ان نعيش افضل منها، ومن اجل عيش كريم للمواطن الذي سئم اسطوانة الانتخابات المشروخة، فلا بد من وضع حد لنزيف الزمن الذي اضعناه ولانريد ان يستمر هذا النزيف.
د. محمد ايت لعميم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.