الكاتب و الفنان التشكيلي فائق العبودي يكتب: خطأ لا يغتفر

0 539

فائق العبودي / كاتب و فنان تشكيلي عراقي 

في الزمن البائد، قبل ثورة الإنترنت والهاتف النقال, كان الدكتور عبد الهادي الأستاذ الجامعي, يسكن مدينة مراكش المغربية, ويحاضر في جامعات المدينة، والمدن الاخرى, ويتنقل بسيارته الخاصة داخل مدينته، ويركب القطار للأمكنة البعيدة.

ذات يوم كانت لديه محاضرة في جامعة خارج المدينة الحمراء كما يطلق على مدينة مراكش, والتسمية ترجع الى لون الأرض المختلف والمميز.

وبينما هو يخطط لرحلة الغد كيف ستكون بالسيارة أم  بالقطار.. صرخ فجأة :

وجدتها وجدتها … أبو جهاد, هذا الجار العتيد, إنه يعمل في تلك المدينة, عليّ التحدث إليه, ربما لا يمانع أن يأخذني معه غداً صباحاً, ما رأيك فاطمة ؟

وأكمل حديثه … فاطمة أنت تعرفين أنني لا أحتمل عناء السياقة لمسافة طويلة, هل تعتقدين أنه سيمانع؟

قالت فاطمة: لا أعتقد, إذهب وجرب لن تخسر شيئاً, بالمناسبة, عبد الهادي هل تعرف أين يعمل أبو جهاد ؟ بسيارته الغريبة هذه , للحقيقة أنا أتشاءم منها كونها تشبه سيارة الاسعاف .

رد بصوت لا يخلو من العصبية: فاطمة أرجوك, لا يعنيني إطلاقاً أين يعمل .

قالت بصوت منخفض: حسناً حسناً, كما تشاء, لا يعنيك.

وخرجتْ من الغرفة وهي تحركُ رأسها يميناً وشمالاً, قائلة:
– عجيب طبع هذا الرجل يسألني ولا يحب إجابتي .

خرج الدكتور عبد الهادي ليدق باب بيت أبو جهاد ,ولما فتح حيّاه وسأله:
–  هل لديك عمل غداً ياجاري ؟

ردّ أبو جهاد: نعم دكتور,علي العمل كل يوم حتى أستطيع البقاء أنا وهذا الفريق , وأشار بيده إلى بناته الصغيرات الثلاث الواقفات بجواره, واحدة تمسك بيده , وأخرى بسرواله, والثالثة التي لم تتوقف عن سؤال أبيها عنه, ماذا يريد؟ ماذا يريد؟

قال أبو جهاد: تفضل دكتور, هل هناك ما يمكنني تقديمه لك ؟

  • الحقيقة لا أعرف كيف أسألك, أنا خجل منك بعض الشيء, هل يمكن ان تأخذني معك غدا؟ لدي ارتباط عمل هناك, وترهقني السياقة لمسافات طويلة, أرجو منك ألا تُحرج مني إذا كنت لا تستطيع .

وأكمل كلامه : عندي محاضرة هناك وأرغب في التغيير، دعني أستمتع بصحبتك في الطريق.

رد أبو جهاد: بكل سروُر, طبعاً طبعاً، فقط لدي مشكلة واحدة، مدير دائرتي سيكون معي، لذلك سيشغل الكرسي في المقدمة, إذا كان يناسبك الجلوس مع بقية الذاهبين معنا, في الحوض الخلفي للسيارة, فلا بأس, مرحبا بك .

اتفقا على أن يذهب معه, وحدد له موعد الانطلاق في الساعة السادسة صباحاً.

رجع الدكتور إلى البيت, رتب أوراق المحاضرة، وطلب من ابنته لبنى أن تكوي له القميص الأبيض ، وقال لزوجته فاطمة: من فضلك اختاري لي ربطة عنق مناسبة للبدلة التي أهديتيها لي, بمناسبة عيد زواجنا الثلاثين، قالت فاطمة: أووو أسعدني ذلك ، أنك مهتم بهديتي.

  • نعم نعم يا فاطمة, محاضرة مهمة، وجمهورها مختلف، أحتاج أن أشعر بوجودك معي، وهذه البدلة ، ستمنحني ذلك الشعور .

قالت له مازحه: انتبه على هديتي ,لا تسمح لأحد بأن يلمسها ، واحذر فبعض الكراسي لا تخلو من المسامير البارزة.

وفي الصباح ,تناول الافطار مع زوجته التي بادرته قائلة: هل يزعجك إن أخبرتك أنني غير مرتاحة, لدي احساس غريب، هل أنت متأكد من أبي جهاد؟هل سيوصلك للمكان الصحيح؟

قال:  نعم نعم .

وقبل ان يكمل جملته، ناداه أبو جهاد, دكتور دكتور, صباحك مبارك, هل أنت جاهز؟

  • نعم نعم أبو جهاد , أنا جاهز طبعا ,وكنت بانتظارك.
  • تفضل دكتور حان وقت الانطلاق,وفتح أبو جهاد باب السيارة الخلفي، وقال:
  • اختر مكاناً مناسباً لك دكتور.

لم يجد دكتورعبد الهادي,غير كرسيين طويلين متقابلين بطول السيارة، فإما أن يختار كرسي الذي على اليمين أو على الشمال.

حسنا, ٍسأجلس هنا على هذا الكرسي ,حيث يوجد شباكٌ صغيرٌ بزجاجٍ أسود، مغلقٌ بشبكةٍ حديدية كبوابة السجن، وصار يتفحصُ الداخل ، الباب لا يُفتح الا من الخارج ، سقفُ السيارة المغطى بجلدٍ أبيض, ممزقٌ من أماكن عديدة, وتم إصلاحه بطريقة غير مرتبة, هناك ضوءٌ خافت في السقف، وهو أيضاً مغطى بشبكة حديدية، مع مفرغة هواء، تدور بصوتٍ مزعج جداً، يشبه صفيرَ حشرةِ السيكادا, الصاخبِ للغاية .

وتساءل بينه وبين نفسه, كيف يمكن لهؤلاء الموظفين تحمل هذا الصوت يومياً ؟ إنه الجنون بعينه, بدى مستغرباً من المنظر, ودمدم بصوت منخفض: لا يهم سأشغل نفسي مع الآخرين.

الحمد لله الكراسي مريحة, لو أن فاطمة تعرف أن الكراسي ممتازة. كانت قلقةً على بدلتي من المسامير التي يصادف أحيانا وجودها في الكراسي القديمة.

قاد أبو جهاد مسرعاً ليصل إلى منزل المدير, مع كثرة الازدحام الصباحي الذي يقطع المدينة, ومع صخب الحياة, وعربات وضجيج الباعة المتجولين .

بعد وقت قصير, أوقف أبو جهاد السيارة, وسمع الدكتور باب السيارة يُفتح، ثم يُغلق، حتماً هذا هوالمدير وقد صعد إلى جوار أبي جهاد الآن, فكر في نفسه: سيصل في موعده تماماً، أو قبله قليلا.. لا يهم.

وانطلقوا من جديد في طريقٍ طويلٍ خارجَ المدينة, ثم توقفتْ السيارة في مكانٍ على طريق ترابي, وفُتح باب السيارة من الخارج, واذا برجلٍ وامرأةٍ يقودان شاباً ثلاثينياً, تبدو عليه علامات التعب, دفعا به في السيارة, وأغلقا الباب, جلس الشاب أمام الدكتور عبد الهادي ينظر إله بتوجسٍ, ويتكلم مع نفسه بكلامٍ غير مفهوم, ثم صار يقهقه بصوت عالٍ , ويسعلُ سعالاً غريباً يشبه النباح .

ماهذا يا إلهي؟!! إنسان ملتبسٌ بروح كلب, حاول الدكتور تجاهل الشاب ,بعد وقتٍ قصير توقفت السيارة امام مكان يشبه المشفى, وقام أحدهم بفتح الباب من الخارج, وكان هنالك عدد من الاشخاص يرتدون بدلات التمريض البيضاء، أدخلوا في السيارة ستة أشخاص بأعمارٍ متفاوتة، شباب، وكبار في السن, وأُغلق الباب, وبدأ ضجيج غير معقول, صراخ وعراك,وشتائم, شملت الدكتور عبد الهادي أيضا.

تأكد حينها أنه في قفصٍ للمجانين .

وبمباغتةٍ سريعة كالبرق ,خطف أحدهم نظارة الدكتور الطبية, حاول الأخير جاهداً استرجاعها لكنها تحولت إلى أشلاء متناثره خلال ثوان.

إنه في ورطة الآن, حاول أن يطرق على جدار السيارة من الداخل طالباً المساعدة من أبي جهاد لكن دون جدوى, والأنكى من ذلك أن حركته هذه أعطت للمجانين فكرة أعجبتهم, فصاروا يطرقون مثله ,وهم يضحكون بضحكاتهم المجنونة.

حاول التوقف عن الطرق على أمل أن يتوقفوا أيضا، لكنهم لم يتوقفوا, وصارت كأنها لعبتهم المفضلة.

وإذا بأحدهم يفاجئه بحركةٍ سريعة، وهو يسحبُ ملف المحاضرة من يديه، تطايرت الأوراق في أنحاء السيارة ,وتمزق قسمٌ منها ,انحنى الدكتور قليلاً، محاولاً أن يظفر بجمع أوراقه, ولكن أحدهم ركب على ظهره, وآخر أمسك بربطة عنقه وسحبه بقوة كاد يشنقه بها, خلال دقائق صار بمظهرٍ يرثى له, تمزق قميصه، وصارت ربطة عنقه بين أيديهم, وضعها أحدهم بين أسنانه, وآخر طوى جزءاً منها على يده, وسحبها بقوة كاد يقتله شنقاً, تقطعت أزرار بدلته, وأصبحت بطانتها الداخلية منفصلة عنها تقريبا, صرخ بكل صوته على أبي جهاد آملا أن يسمعه لكن دون جدوى.

بدأ يتحدث مع نفسه: يا إ لهي ساعدني,ماذا أفعل ؟ كيف أذهب إلى الجامعة بهذا الشكل المزري ؟

تباً لك يا جاري, هل أردت الانتقام مني؟ لماذا لم تخبرني ؟العتب ليس على أبي جهاد, أنا الغبي الذي وضع نفسه بهذا الموقف الحقير, كان علي أن أذهب بسيارتي, تعب الطريق, ولا هذا الحال, إنه غبائي, يا إلهي ساعدني, أرجوك , ماذا افعل ؟ كيف أذهب إلى الجامعة؟ هذا مستحيل.

بينما كان يتكلم مع نفسه صفعه أحدهم صفعة كادت تفصل رأسه عن جسده, وإذا بأنفه ينزف دماً, حاول أن يوقف الدم, بدلته صارت ملطخة بالأحمر, منظر لا تجده حتى على جزارٍ مبتدئ , لا يعرف كيف يحافظ على نظافة بدلة عمله .

صرخ بقوة: أبو جهااااد أرجووووك ساعدني.

كان الجميع يضحك بقوة وكأنهم سمعوا نكتة، توقف جاره أخيراً , فظن أنه سمع صراخه.

وفُتح الباب, واذا بمجموعةٍ من الممرضين ببدلاتهم البيضاء,

قال في نفسه : أخيرا, سأنجو من هؤلاء المجانين .

وحاول القفز من السيارة، فأمسك به إثنان بقوة المصارعين, أخبرهم أنه أستاذ جامعي, قالوا: نعم نعرف, نعرف ..تعال تعال, ستكون بخير.

قال: أرجوكم أين تأخذوني ؟ أرجوكم أسألوا أبا جهاد, إنه يعرفني جيدا, أنا جاره, قالوا نعم نعم , نحن أيضاً نعرف أبا جهاد, حاول وحاول، وكل محاولاته فشلت .

سحبوه إلى غرفة صغيرة, ووضعوه على سرير, وربطوه عليه, من منطقة الصدر والساقين, غيرآبهين لصراخه, وتوسلاته, إنهم قساة .. لا يريدون تصديقه.

وجاء طبيب، ومعه ممرض يدفع عربة صغيرة عليها جهاز مع أسلاك كهربائية طويلة, توسم فيه الدكتور عبد الهادي خيراً, وقال له: أرجوك ساعدني انا لست مجنوناً, أنا جار السائق أبي جهاد, أنا أستاذ جامعي، وعندي محاضرة هذا اليوم في الجامعة, أرجوك تأكد بنفسك.. اتصل بالجامعة, فك وثاقي وسأريك هويتي الجامعية .

ابتسم الطبيب,وقال: لا تقلق كل شيء سيكون على ما يرام ,سترتاح من هذا الهذيان , أعدك بذلك .

  • أيّ هذيان دكتور… أرجوك أسمعني .
  • قال الدكتور للممرض: عجل, لننهِ الجدال مع هذا. وضعا الصاعق الكهربائي فوق منطقة الأذنين, حشرا أيضاً قطعة مطاطية في فمه، وصعقاه بالكهرباء,أحس بروحه وقد خرجت من جسده,وأغمي عليه ، لم يشعر بشيء آخر بعدها.

مر الوقت طويلا, وأفاق الدكتور عبد الهادي من غيبوبته, لا يستطيع فتح عينيه ، وليس لديه القدرة على النطق, جاءته الممرضة لتقيس الضغط، ووضعت حبة مهدئة صغيرة في فمه مع جرعة ماء.

تدور الغرفة به، وتتموج الجدران, الأشخاص ضبابيون, كل شيء مختلف, يشعر برغبة بالتقيؤ, ورغبة أكبر بالبكاء ,لا يتذكر شيئا, كل الأحداث التي مرت به مسحها الصاعق الكهربائي, نسي حتى اسمه , ومن أين جاء .

حلّ الليل وهو غائب عن منزله , مما أقلق زوجته, فطلبت من ابنتها لبنى أن تذهب إلى منزل الجار , للسؤال عن أبيها.

فوجئ الجار بالسؤال،  وتذكر سريعاً, أنه نسي الدكتور عبد الهادي مع المجانين، لكنه أخفى ذلك عن الإبنة، وأخبرها أنه سيعود في أثر أبيها ليجده في تلك المدينة.

وعلى عجل استقل سيارته منطلقاً إلى المشفى , حيث ترك الدكتور عبد الهادي، وبعد عدة اجراءات وصل اليه أخيراً, ووجده بحال يرثى لها , يرتدي قميصاً بلون وردي, القميص الذي تستخدمه المشفى, لجميع نزلائها, لتأثير ذلك اللون الايجابي على حالة المريض النفسية .

أخبر الجار الطبيب عن قصة جاره، استغرب الطبيب, وضرب بيده سطح مكتبه صارخاً: كيف تتركه هكذا , إنه خطؤك أنت تتحمل هذه المسؤولية , من سمح لك  ان تنقل هذا الرجل معك ؟وكيف تركته عندما وصلتم إلى هنا ؟

وذهب للفور لمعاينة الدكتور عبد الهادي, كان كل شيء على ما يرام، ضغط الدم, والحرارة, وسأل الممرضة, هل تقبل شرب الماء و والشوربة ؟

نعم دكتور , أعطيته وتقبلها بسهولة, هل تكلم معك؟ لا لا دكتور لم يقل شيئاً.

أمر الدكتور باخراجه على عجل, ونقله بسيارة إسعاف خاصة, ترافق أبا جهاد, لإيصاله إلى بيته, ,طالبا من أبي جهاد  أن يعطيه مستجدات الأخبار عن حالته الصحية.

ووصل أخيرا الدكتور عبد الهادي إلى بيته  جثة مخدرة, في حالة تشبه الغيبوبة, حيث شرح أبو جهاد القصة لعائلة الدكتور, وصعقهم صعقاً.

بعد أيام بدأت تتحسن حالته, لكنه لا يتذكر كل تلك الأحداث, أو يتذكرها بشكل يشبه الحلم .

وكما يقال :غلطة الشاطر بألف .

 

faikalaboudi@yahoo.fr

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.