الصوت والقناع..

0 138

 

 

    هي تحفة فريدة بمتحف لوفر.تعترض العابرين بجادبية خاصة وترغم جلهم على التوقف والنظر .هي منحوتة امراة فارعة الطول،تحمل اسم (ميلبومين) في الاساطير الاغريقية وتحيل على الهة الغناء والموسيقى والتراجيديا، تقف بشموخ جسدها وسمو لباسها .تمد يدها لمخاطب مفترض لتهديه قناعا ،يمانع صمته بفاه مترع ،كما لو انه يطلب صوتا من جسد غائب .على حين غرة تجد الزائرنفسه معنيا بالهدية \القناع وشاهدا على صوت مفقود .القناع هنا موضوع عطاء يحجب مجهولا وغائبا. لكنه ذات حاضرة تتملكها ارادة الكلام  بدون صوت اولعلها تطلبه.

في هذا المقام الفني الاسطوري المستظل بتقل التاريخ، تكشف المنحوتة عن ارادة تجمع بين العطاء والطلب، قناع مجهول وطلب صوت .كل عابر امام( ملبومين) سيسال نفسه :هل ابحث عن صاحب القناع ؟ وهل من جدوى في ذلك ،ما دامت حقيقة القناع هي الغياب والخفاء وكل وعد منه بالحضور يكون معيبا بالاستحالة .هل ينفع ان امنحه صوتا كي يخرج من صمته العبثي ؟ اليس في الصوت ممكنات العبث كذلك؟ماذا لو غضضت الطرف عن يد (ميلبومين )ومنعت صوتي من مبارحة الضمير وارتديت صمتي كما القناع ؟ سيصبح اذاك شبيهي الذي لا اعرفه.او المجهول الذي يشبهني في صمتي وسكوني .وسيسود الظاهر في صيغة العماء .فاحتفي مع الاخرين ب ”الذي يظهر” واربط معهم صداقات سائلة .لا تخلو من مشاعرالتوجس والحذر.ويتملكنياحساس باللامن فتنزوي ذاتي في فردانيتها كحلم جميل ،وبحكم ما يسكنها من خفاء تصبح هذه الصداقة بؤرة خراب لكل علاقة .وعليه سامنح صوتي للقناع كي نخرج معا من صمتنا العبثي . 

ان استجبت لطلب الصوت، فاي صوت يليق بهذا الشاهد عن الغياب ؟ صوتي رديف صمت اصيل ونقيض صمت زائف.ان الصمت هو الذي يجعل الصوت ممكنا بل ويصنع هويته ومضمونه .

     الصمت الزائف نمانع به فقط ضجيجا سائدا بعد يوم صاخب. نطلب به راحة هاربة أو نهرب به من خوف محتمل. وقد يكون صمتا ماكرا يحضر للاستفراد بغنيمة او للتربص بفريسة .من تجلياته ،صمت المستهلك أمام بضاعته ،حين ينجذب نحومشترياته فيسقط اسيرا لرغبة متجددة لا تنتهي.وهوكذلك صمت التفاعل الافتراضي نحتمي به رفقة أجهزة التواصل الاجتماعي لنقترب وهميا من ذاتنا ومن غيرنا .لكنه صمت قاتل للعلاقات الاجتماعية ولدفئها الإنساني .هو صمت الالة وقد غدت وسيطا مستبدا ،يستقوي به الغياب او يجد فيه مبرر وجود. فكلما انسحب المرء من زخم الحياة  وعاد الى نفسه ، وجد وسيطا آليا ينتظره كما لو انه قدر لا مناص منه. يتدخل  لينهي علاقته المباشرة بذاته وبالآخرين و يمنع دفء الاقترابمن الغير. يحاصر وعيه  بالجواب المبهراو باليقين الجاهز،بالخبرالمثيراوببسمة دون اثر او بخلاص منتظر. يرسم له ما يجب “معرفته “وما يجب الإحساس به ،ويالتالي  يلقي بتفكيره في عطالة غير اختيارية .

الصمت الزائف يتحول في القناع الى صوت زائف يتغنى بزمن مضى او بطوبى مطلقة قادمة ؟ويترك لجسده القابع في الخفاء ،متعة الراهن وسكينة الاحكام الجاهزة ؟الصمت الزائف حين يغدو محمولا بصوت من جنسه، يخضع لمنطق السوق ويتحول الى بضاعة تباع او تسرق.الصوت الزائف يضيع لانه مسبوق برديلة كما في اسطورة ايكو الهة الجبال والمغارات .والتي لم يبق لها من الكلام سوى ترديد اطراف متاخرة من الكلمات .

 الصمت الأصيل هو جدر لكل معرفة ممكنة هو إنصات مفعم بجلال القيم .يحضن تأملنا في عزلة أو بدونها . مكمن قيم او زاوية للنظر تجعل أصوات الخبرة و أصداء الضمير قابلة لان  تتحول إلى فعل مستنير أو فكرة بانية أو نغمة راقية …لهدا ندرك عطره المتجدد حين يسكن ثنايا قصيدة او نصا حكيما او حين يؤثث سيرورة فيلم او يخلق الوحدة بين فواصل النغم. هو صمت غيري يستحضر صمت الآخرين :  صمت طفل\ة لا يقوى على البوح وصمت شيخ متعب بالحياة وصمت متعلم\ة يمد يده لدرس غادر مكانه الاعتيادي أو لم يأت بعد. صمت مدرس يخطو متقلا برسالته في ساحة رملية اوسع من مجاله ،فغدا موضعا لصدى مساحات غائبة.صمت عامل التهمته الحسرة ولم يجد  في الكلام سبيلا لجبر الأضرار. صمت الانسحاب الثقافي من جبروت الرداءة ورقصة العبث. 

الصمت الأصيل إنصات لنداء الوجود او الوجوه (هيدغر أو ليفيناس) لكسر نسيان ما . والانشغال بلحظة حميمية تحظى بها الذات ان هي استطاعت ان تحرر إرادتها من سطوة مزدوجة تمنع عنها حقها في الفعل الحر : سطوة الوثوقية المانعة للسؤال وسطوة التقنية التواصلية التي تختزل وظيفة هده الذات في التهام فوري للمعلومة .ترغمها على الاختيار بين الزيف والسطحية دون ان تسمو الى مقام التفكير . تحتاج الذات اذن لهذا الصمت لكسر التبعية  والتخلص من حضورها فقط كمحطة للعبوربعيدا عن فردانية تائهة بكوجيطو زائف( انا استفلي انا موجود: )وعن تفكك اجتماعي قاتل (  كعلاقات سائلة او مائعة بتعبير: بومان)وعن رداءة ثقافية تكتسح الوعي الجمعي ( الان دينو).بهذا الصوت ،الذي يكتسب هويته وقوته في الزمن ، يتم التصويت لقناع ومن اجله حتى ينكشف صمته. واليوم يقف الزائرون لمتحف اللوفر،امام طلب (ميلبومين) ليتذكروا صوتهم المسروق .ويتساءلون كيف يحول القناع الصوت الى صدى ملتبس او الى رجع غير مكتمل .لكنهم ادركوا ان الصوت الاصيل اقوى من كل قناع يتكرر دون اعادة كسيل نغم في معزوفة ”بوليرولرافيل .

عبد الجليل المعقول

  8شتنبر2021.

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.