أمزازي والمكالمة الملغومة !

0 194

اسماعيل الحلواي

      يأتينا من حين لآخر أو بالأحرى في معظم الأحيان البعض ممن أنيطت بهم مسؤولية تدبير الشأن العام بمماراسات رعناء وقرارات ارتجالية، تنم عن غبائهم السياسي وتؤكد على مدى حاجتهم إلى تكوين سياسي حقيقي، يرفع من مستوى خطابهم ويؤهلهم لنهج طرق سليمة في التعامل والتفاعل مع أهم قضايا المواطنين وانشغالاتهم، بعيدا عن لغة الخشب والمناورات وأساليب التضليل والتدليس، التي لم تعد تجدي نفعا في استغفال الناس ومحاولة التلاعب بعقولهم والضحك على ذقونهم…

      ويأتي في مقدمة هذه الشخصيات التي تآكلت مصداقيتها وفقد المواطنون الثقة في وعودها والتزاماتها، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي وتكوين الأطر والناطق الرسمي باسم الحكومة، المثير للجدل سعيد أمزازي، الذي جيء به في 22 يناير 2018 من رئاسة جامعة محمد الخامس بالرباط وتمت صباغته بلون حزب “الحركة الشعبية”، خلفا لمحمد حصاد الذي تم إعفاؤه رفقة عدد من المسؤولين الحكوميين في إطار “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، على خلفية تعثر إنجاز مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”…

      إذ لم يمض على تعيينه سوى بضعة أسابيع، ليكتشف المواطنون أنه يكاد لا يختلف كثيرا عن سابقيه إن لم يكن أسوأهم، من حيث سوء التدبير والتقدير والعجرفة والتسلط والتخبط وغياب الحوار الجاد والمسؤول. ويتضح لهم أن وزارة التربية الوطنية أكبر من أن يتولاها شخص مثله. فالجميع يشهدون بفشله الذريع في التعاطي مع عديد الملفات العالقة والحارقة وينادون برحيله رغم أنه لم يعد يفصلنا عن نهاية ولاية الحكومة سوى بضعة شهور، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ملف الساعة “الإضافية” التي أثارت الكثير من اللغط والتذمر في أوساط الأسر المغربية، واحتجاجات تلاميذ المؤسسات التعليمية حول تمديد العمل بالتوقيت الصيفي (غرنتش  +ساعة) والمطالبة بإسقاط الساعة غير القانونية، التي خلفت عدة اضطرابات انعكست سلبا على السير الطبيعي للدراسة وأداء المتعلمين…

      ثم هناك الملف الأكثر إثارة للجدل والذي مازال أصحابه يناضلون من أجل التعجيل بطيه، والذين تكاد احتجاجاتهم ومسيراتهم السلمية والحضارية والإضرابات الوطنية لا تتوقف، مؤازرين بالمنظمات الحقوقية والنقابات التعليمية بما فيها النقابة التابعة للحزب الذي يقود الحكومة لولايتين متتاليتين، علما أن من أقر التشغيل بالعقدة في الوظيفة العمومية هو أمينه العام السابق ورئيس الحكومة السابق صاحب المعاش الاستثنائي “الإكس إكس إل” عبد الإله ابن كيران. وهو الملف المتعلق بفئة الأساتذة المتعاقدين الذين تصر وزارة أمزازي على أن تطلق عليهم قسرا “أطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكويبن”.

      فالأساتذة المتعاقدون لا يطالبون عدا بإلغاء التعاقد والإدماج الفوري في أسلاك الوظيفة العمومية، إذ يرفضون بقوة ما يسمونها ب”عقود الإذعان” الحاطة من الكرامة، وعدم المساواة وتكافؤ الفرص مع زملائهم المحسوبين على الوزارة الوصية، ويبررون رفضهم بما يقابل به ملفهم من تجاهل، وما يتعرضون إليه من قمع واعتداءات عنيفة واعتقالات ومحاكمات. ثم إنهم يرون في التشغيل بالعقدة نوعا من الإذلال، يكرس الهشاشة ويضرب الاستقرار النفسي والاجتماعي، فضلا عن كونه يمنح الإدارة فرصة التحكم في مصائرهم وأجورهم، من خلال التهديد المستمر بالتسريح والحرمان من المشاركة في الحركة الانتقالية الوطنية والتقاعد وعديد المكتسبات الأخرى، دون أن يتمكن أمزازي في اللقاءات التي ترأسها لتدارس الملف من إيجاد صيغة توافقية، تساهم بفعالية في معالجة الأزمة التي عمرت طويلا مخلفة وراءها عديد الضحايا من التلاميذ الأبرياء، وإخماد نيران الغضب والاحتقان الشديدة التأجج… 

      بيد أنه وإمعانا في التضليل وبعد أن باءت كل محاولاته بالفشل، تفتقت عبقريته عن تسريب مكالمة هاتفية مفبركة حول هذا الملف الشائك، جرت بينه وبين شخص ادعى انتماءه إلى أحد الأسلاك التعليمية. وهي المكالمة التي أثارت جدلا واسعا حول توقيتها وما تضمنته من مغالطات. إذ تساءل الكثيرون عن سبب قبول الوزير النقاش مع شخص يجهل هويته، ويقبل بما عرضه عليه من خدمات “مجانية” لإقناع الأساتذة المتعاقدين بالتوقف عن اجتجاجاتهم، معتمدا فقط على ما يتوفر عليه من صفحات في الفيسبوك، حفاظا على مصلحة التلاميذ؟ فأين نحن من مؤسسات الوساطة ومأسسة الحوار؟ ثم كيف سمح لنفسه باتهام مسيري التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، بمجموعة من اليساريين المتطرفين بالجامعات وغير ذلك من توافه الأمور التي نربأ بأنفسنا في الخوض فيها؟

      إن المكالمة الهاتفية الملغومة المسربة عمدا لا تعدو أن تكون تمهيدا لتصفية حسابات الوزير أمزازي مع من يعتقد أنهم يقفون خلف ملف “التعاقد” ويستغلون الأجواء المشحونة لمصالحهم الشخصية. وقد بدا ذلك واضحا عبر مداخلته إبان جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة يوم الاثنين 19 أبريل 2021 بمجلس النواب، حيث صرح بعدم وجود بأساتذة متعاقدين في المنظومة التعليمية حاليا، وأنها مجرد تسمية أطلقت على “أطر الأكاديميات الجهوية” ويتم ترويجها لتغليط الرأي العام الوطني، مؤكدا على أن “التعاقد” انتهى منذ سنتين ولا مكان له إلا في أذهان مستعملي هذه الكلمة، وأن الوزارة لم تفرض على أحد الالتحاق بالمنظومة التعليمية والأكاديميات الجهوية… 

      فلا سبيل اليوم أمام رئيس الحكومة العثماني سوى التكفير عن إحدى سيئات سلفه، والتدخل العاجل لإنهاء هذا المسلسل من التوتر والاحتجاجات وهدر الزمن المدرسي والتدافع غير محسوب العواقب، عوض التمادي في نهج سياسة “النعامة” التي لن تزيد الأوضاع إلا ترديا لا سيما أن طرفي النزاع وزارة التربية الوطنية والأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد متمسكان بموقفهما، في الوقت الذي تمر فيه بلادنا بظروف عصيبة، لا تسمع بمزيد من التعقيد والتصعيد…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.