الإسلام السياسي 2 :  المسلمون أكبر أعداء الإسلام

1 908

بقلم : محمد بوفتاس 

من زمن ساد فيه العقل إلى زمن تسود فيه العاطفة، ومن زمن الفعل إلى زمن التفاعل فقط، عرف العقل الإسلامي منحدرا رهيبا نحو التخلف والانغلاق على الذات ومحاربة كل أنماط التجديد، والاكتفاء بالتقليد الأصم الأعمى. 

لقد أخد التيار السلفي مكان التيار العقلاني في مرحلة كان فيها العالم الإسلامي/ العربي يبحث عن هوية وموقع في عالم يتغير بسرعة، وبدل أن يتطور العقل العربي وينمي ذاته وأدواته، ويكمل مشوار التطور الذي عرفه المسلمون في قمة مجدهم، فضل السلفيون اعتماد فكرة (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) وهو ما يعني تقليد السلف باعتبارهم قدوة، هذه المعادلة غير منطقية خاصة وأن تقليد السلف اقتصر على الشكليات من لحية ولباس وحتى تقليد لغة الخطاب وكأننا في جزيرة العرب، هذا التقليد ركز على المظاهر أكثر مما ركز على الجوهر، والسؤال الذي ينبغي طرحه هو : هل الإسلام دين تقليد ؟

الواقع أن من يتصفح القرآن سيجده يحث دوما على التفكير واستعمال العقل والتأمل، وكثير من الأحاديث النبوية تصب في نفس الاتجاه وتفضل الإيمان المبني على الاقتناع وليس التقليد، بينما نرى السلفية تلغي تماما هذا العقل وترسخ مبدأ التقليد، بل أحيانا تقديس الفقهاء وآراؤهم، علما بأن لا قدسية لشخص أو إمام سوى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يستمد ذلك من مكانته كنبي، لكنه يبقى بشرا بشهادة النص القرآني (هل كنت إلا بشرا رسولا)، فأين هي العقلانية والفكر والتأمل في ترسيخ الإيمان؟ 

إن التقليد يلغي الايمان المبني على العقل ويرسخ الايمان الانفعالي العاطفي، هنا يبرز فشل الخطاب السلفي باعتباره هربا من المواجهة، وتتعاظم خطورة الماضوية لأنها تقوم على الغاء مبدأ التطور الحضاري وجدلية التاريخ، فيكتفي هؤلاء بالتباكي على أطلال الماضي ومحاولة السير للأمام وأعينهم للخلف، هذه العادلة مستحيلة وفاشلة بالضرورة.

علينا أيضا أن نميز بين السلفية السنية والإسلام الشيعي لأن هذا الأخير اتباعي وعاطفي وانفعالي أكثر من أي مذهب آخر، وفيه يتم ترسيخ مبدأ الإيمان الإتباعي الأعمي ما دامت النزعة الإمامية تفترض تقليدا بلا سؤال، واتبعا بلا تفكير. هنا سنجد أنفسنا أمام تمظهرات مختلفة للإسلام لكنها تلتقي في تقديس السلف.

لماذا نعتبر المسلمين أعداء للإسلام ؟ ببساطة لأن الصورة التي يقدمونها عن الدين الإسلامي فيها مغالطات تواصلية كبيرة، فعلى المستوى الإعلامي نرى قنوات مسيحية عديدة تنشر الدعوة للمسيحية، وتختار شخصيات ووجوه مقبولة وتتحدث عن التسامح والمحبة وغيرها من الموضوعات التي تلامس هواجس النفس البشرية، وحين تشاهد القنوات الدينية الإسلامية تصدمك وجوه تغطيها اللحي وخطابات تتحدث عن عذاب القبر وعذاب جهنم وغيرها من الموضوعات التي تعزف على وتر الخوف، بدل الحديث عن المحبة والتسامح والتآزر التي تعتبر جوهر العقيدة الإسلامية، هؤلاء الدعاة يزرعون الرعب وينفرون المشاهدين من الإسلام، ما الداعي لوجود اللحية وهي ليست في القرآن بل مجرد تقليد كان سائدا في عهد النبي، وكما تغيرت كثير من الأشياء كان من المفروض أن تتغير حتى مظاهر التدين وليس حصره في اللحية.

لو لم تصدر فتوى هدر دم سلمان رشدي لكان كاتبه (آيات شيطانية) مجرد كتاب منسي في المكتبة، وحين تنشر رسومات تسيء لرموز الإسلام كان من المفروض أن تتم مواجهتها بطريقة حضارية وليس الاعتداء على الجريدة وصحفييها، وحين يسيء مسؤول حكومي للديانة الإسلامية كان من المفروض اللجوء للقضاء، نحن من أخطأنا في حق أنفسنا وعقيدتنا وشوهنا صورتنا، لأن البعض تصرف بانفعالية لا عقلانية، وقرر أن يستعمل العنف كسلاح مواجهة بدل التفكير بعقلانية وتجاهل تلك التفاهات التي تنشر هنا وهناك، لأن عدم الالتفات إليها سيؤدي بها للنسيان، نحن من منحنى كل راغب في الشهرة فرصة تحقيق ذلك، حيث يقوم بنشر رسم أو فيلم أو صورة تسيء لرمز من رموز الإسلام، ولم تجاهلنا هذا الأمر لما تطورت تلك الأمور عبر العالم.

إعلاميا رجاء يكفي ما تمارسونه من إرهاب فكري حين تزرعون ثقافة الرعب والتهويل والخوف في النفوس، انشروا المحبة والسلام والتسامح، وكفوا عنا هذه الوجوه الملتحية التي تحاصرنا في كل مكان، اما الحركات الإرهابية فهي تستغل هذا الأمور هذه الشكليات لتحقق مكاسب سياسية أو مادية، لأن الفقهاء والعلماء لم يقوموا بدورهم في التوعية البسيطة بتعاليم الإسلام، بعيدا عن التشدد والترهيب وصناعة الخوف، فتركوا فراغا استغله الغلاة، وتم الابتعاد عن جوهر العقيدة لاتباع المنهج الشيعي في الإتباع الأعمي، خطأ فكري جاء نتيجة فشل المشروع السلفي في تحقيق النهضة مما جعل الإسلام يقتصر على المظاهر وخاصة اللحية بدل أن يتحول إلى سلوك وممارسة اجتماعية، الدين ليس مجرد معتقد بل هو معاملات أيضا ولا يكفي أن نتحدث عنها بل ينبغي ممارستها والدعوة إليها باللين والعقل والجدل الفكري وليس العنف والاكراه والقتل. نحن من أخطأ الطريق، وهذه الملايين من الانفعاليين الاتباعيين السلفيين لن تتغير ما لم نغير أسلوب معاملتنا وتعاملنا مع ديننا وسبل نشره، ونكف عن نشر أفكار الخوف والرعب والتهويل. فكيف تريدون من الآخرين احترامنا إذا كنا نحن لا نحترم أنفسنا لأن الإشكالية عندنا هي أزمة أخلاق وأزمة معتقد. ولهذا قلت بأن المسلمين أكبر أعداء الإسلام.

 

تعليق 1
  1. لطيفة.لطيفة يقول

    فعلا سي بوفتاس المشكلة في المسلمين و في فءة جديدة منهم لاهي من المسلمين و لا من اي طلءفة اخرى.
    متالق كالعادة في كتاباتك تحياتي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.