من مظاهر البحث عن المياه في التاريخ الوسيط

0 313

 

عواطف الغالي

لقد شكلت مختلف عمليات البحث عن الآبار وحفرها هاجسا لدى السكان الأقدمون، لأنها تعتبر موردا هاما لاستخلاص المياه العذبة، ولذلك فقد ظل الإنسان يكدح لتحقيق مبتغاه خاصة عند حدوث الجفاف أو الشح وقلة الأمطار وخاصة في المناطق الجافة التي تكاد تنعدم فيها المياه،. وتماشيا مع التطور الحضاري الطبيعي في الحياة؛ فقد طور تقنيات البحث وتقنيات التنقيب عنه، فحفر الآبار واستغلها لتوفير حاجياته الضرورية، وفي هذا الصدد وردت مجموعة من الإشارات عن الآبار في سياق الحديث في بعض المصادر عن المدن ودواعي الاستقرار منها: آبار مدينة مراكش، ومجموعة من الآبار الأخرى حسب المناطق التي غطتها، وخاصة في المناطق الجافة والشبه الجافة. وقد شكلت آبار مدينة مراكش موردا هاما للشرب، كونها مياه عذبة صالحة للتناول. ثم رافق ذلك اعتمادها في سقي الأراضي الزراعية بمعية مياه الأمطار والعيون والأنهار.  وقد تفوق أهل الصحراء على غيرهم في امتلاك مهارات فريدة في استخراج المياه الجوفية وتصريفها بالشكل الأنجع سواء للشرب أو للسقي أو لتوريد الماشية. فاستخدموا تقنيات متنوعة، منها على سبيل الذكر، مياه الفوارة (الآبار الارتوازية). وهناك كذلك تقنيات رفع المياه بالمناطق الواقعة شمال جبال درن، وهي المنشات المائية التي أقامتها مختلف الدول المركزية كالخطارات التي أنشأها المرابطون، وقنوات الري التي بناها الموحدون على مسافات بعيدة لسقي مساحات شاسعة في سهل الحوز، فضلا عن النواعير التي أنشأها المرينيون في المغترسات السلطانية على حد ما ورد في موجز تاريخ المغرب للقبلي. أما استغلال وتنظيم المياه بين أهل العالية والسافلة وبين المالكين للمصادر المائية المشتركة فقد تم تنظيمه وفق الأحكام الفقهية والأعراف المحلية، حيث ميز الفقهاء بين الماء المباح والماء المتملك فكانت القسمة بينهم تتم بالقلد. ومن المنشآت المائية الأخرى التي تم اعتمادها نجد الأرحية المائية التي هي تقنية ابتكرها الإنسان، تعمل بتوظيف الطاقة المائية، وذلك مع توفر مجموعة من الشروط الطبيعية والحيل الهندسية لإقامتها على ضفاف الأنهار والسواقي المحملة بالمياه، وهي شكل أو مظهر من مظاهر أنظمة السقي وجزءا من التقنية الهيدرولية التي سادت بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط 22. ولقد انتشرت بشكل كبير في الفترة الوسيطية، فجل الإشارات التي استقيناها من كتاب الشريف الإدريسي تتحدث عن هذه التقنية الاجتماعية والاقتصادية بامتياز. أما اهتمام المصادر بالأرحاء المائية وتتبعها في مختلف جهات المغرب فيمكن اعتباره مؤشرا نستخلص منه استنتاجات متعددة، منها انتشار الوعي باستخدام الطاقة المائية في تحريك الأرحاء في الأماكن التي تتوفر فيها المياه الجارية، وكثرة الأرحاء المشار إليها في بعض المصادر التاريخية، وتعني فيما تعنيه كثرة استهلاك السكان للحبوب، وفي ذلك إشارة إلى تطور المجتمع المغربي الذي أصبح اعتماده على دقيق القمح والشعير في غذائه الذي ظل يتزايد حينا بعد حين. ثم كثرة الأرحاء التي تعني من جهة أخرى كثرة الجداول والسواقي والمساقط المائية أي شبكة مائية سطحية كثيفة. وعلى هذا الأساس تشكلت الزراعة المسقية بالمغرب، فشكلت حلقة مهمة في دعم الإنتاج وتنوعه. وقد تطورت بشكل كبير نتيجة الاستقرار السياسي والجبائي والأمن خاصة في العهد الموحدي الأول الذي اعتبرت فترته فترة الخلفاء الثلاث الأوائل، حيث شكلت هذه المرحلة نوعا من الاستقرار بعد الفترة الانتقالية من المرابطين إلى الموحدين، فاعتمدت سياسة مخزنية ذات توجه صريح في ميدان الري وتعبئة المياه وما تبعها من إحياء الأراضي الموات واستصلاحها وتوسيع المساحات الزراعية المسقية، وتنويع المزروعات لتحقيق الاكتفاء في كل الأنواع الزراعية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.