دخول مدرسي بعنوان: الارتجال والإحصاء العام للسكان !

 

 

الحليمي احمد

اسماعيل الحلوتي

في بلاغ سابق لها، أكدت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، أنها أصدرت مقررا تنظيميا برسم السنة الدراسية: 2014/2015، يتضمن دلائل الدخول المدرسي من حيث تواريخ: التحاق أطر وموظفي الإدارة التربوية في: فاتح شتنبر 2014، هيأة التدريس في ثاني شتنبر 2014، والانطلاق الفعلي للدراسة بالتعليم الأساسي يوم 10 شتنبر 2014، وبالتعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي يوم 11 شتنبر 2014، وأنها حرصت على برمجة تواريخ إجراء فروض المراقبة المستمرة، الامتحانات المدرسية بمختلف الأسلاك التعليمية ومواعيد المباريات والامتحانات المهنية، وعلى توزيع متوازن بين فترات الدراسة والامتحانات والعطل المدرسية…
استبشر العاملون والأسر خيرا، يحدوهم الأمل بأن يعرف الموسم الدراسي نفسا جديدا، ويتم تدارك هفوات المواسم السالفة في ظل توافر إرادة التغيير، بدءا بالرغبة الملكية الأكيدة والدائمة في النهوض بالمدرسة المغربية، مرورا بتعيين وزير تكنوقراطي على رأس الوزارة الوصية السيد: رشيد بلمختار في 10 أكتوبر 2013، الذي أبدى استعدادا كبيرا للشروع في إصلاح المنظومة التربوية، إلى التنصيب الملكي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتاريخ: 16 يوليوز 2014…
بيد أن خيوط الأمل سرعان ما بدأت تتلاشى، فور ظهور بلاغ آخر للمندوبية السامية للتخطيط، موجه لنساء ورجال التعليم المشاركين في الإحصاء العام للسكان والسكنى، تعلن فيه أنه بتنسيق مع وزارة التربية الوطنية، اتخذت قرارات بتأجيل إجراء الاختبارات الكتابية لامتحانات الكفاءة المهنية، الخاصة بهيأة التدريس إلى يوم: 27 شتنبر بدلا من: 9 شتنبر 2014 المقرر من قبل، وإرجاء توقيع محاضر الدخول إلى ما بعد 20 شتنبر 2014. وذلك لتمكين المعنيين من المشاركة الفعالة في هذا الحدث الوطني الهام، المزمع إنجازه في الفترة الممتدة ما بين: فاتح شتنبر إلى غاية: 20 شتنبر 2014، دون أن يواكب ذلك ما يراعي مصلحة التلميذ باعتباره محور العملية التعليمية-التعلمية، الذي سيجد نفسه بدون مدرس لمدة لا تقل عن خمسة عشر يوما. فأين نحن من تأمين الزمن المدرسي المتغنى به؟.
قد يتفهم المرء حرص الملك محمد السادس من خلال رسالته السامية إلى رئيس الحكومة السيد بنكيران، على مرور الإحصاء العام في أجواء جيدة وفق استراتيجية إحصائية سليمة، وفي شهر شتنبر من كل عشر سنوات، بعد أن تكون جميع الأسر المغربية داخل الوطن وخارجه، قد أنهت عطلتها الصيفية وعادت إلى مقراتها السكنية. وأن يحظى نساء ورجال التعليم بتقديره الخاص، لما عرف عنهم من إساهمات إيجابية وبلاء حسن خدمة للوطن. وقد يتفهم المرء هدف تأخير الامتحانات المهنية وتوقيع محاضر الدخول بالنسبة للمشاركين، كما قد يتفهم رصد مبلغ: 9 مليار سنتيم لهذا العمل الضخم، تخصيص 5400 سيارة وتجنيد 72 ألف مشارك ما بين باحثين ومراقبين ومكونين ومشرفين… مادامت الغاية الكبرى هي إتاحة الفرصة أمام الجهات المختصة، للقيام بتقييم موضوعي يعكس واقع المسار التنموي بالبلاد، وما قد يوفره الإحصاء من أرقام ومؤشرات ديموغرافية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تهم مختلف الشرائح الاجتماعية في كافة أرجاء المدن والقرى النائية، على أن تشكل المعطيات قاعدة أساسية في تهييء مخططات تنموية، وسن سياسات وبرامج اقتصادية واجتماعية تمس حاجات المواطنين الضرورية، وتلبي تطلعاتهم إلى ما يحلمون بتحقيقه من عدالة اجتماعية وظروف عيش كريم، وإحداث طفرة نوعية في القطاعات الحيوية وعلى رأسها قطاع التعليم…
بيد أن ما لا يستطيع المرء استساغته، هو اتهام الشغيلة التعليمية بما آلت إليه أوضاع منظومة التربية والتكوين من ترد وتراجع، واستمرار مسلسل العبث بمصالح التلاميذ مجسدا في سوء التدبير، ما يوحي بغياب حس المسؤولية لدى بعض المسيرين وانفصالهم عن الواقع، خاصة عند اكتفائهم باستنساخ المقررات “التنظيمية” السابقة، من غير تجشيم أنفسهم عناء مراجعتها وتكييفها مع المستجدات. وإلا كيف يمكن تفسير إغفال كافة المعطيات المتوفرة إبان مرحلة التخطيط والبرمجة؟ ألم تكن فترة الإحصاء العام معلومة لدى الجميع منذ أمد طويل؟ ألم يكن حريا بالساهرين على أمورنا، إرجاء انطلاق الدراسة بصفة استثنائية إلى ما بعد نهاية الإحصاء، في مختلف الأسلاك التعليمية بالقطاعين العام والخاص، إذا ما تعذر إيجاد بدائل أخرى منصفة للجميع؟ فكيف لضمان الجودة ومبدأ تكافؤ الفرص أن يستقيما وسط هذه الفوضى العارمة، خصوصا أن الدراسة الفعلية بالتعليم الخاص تنطلق في جميع المواد مع مطلع شتنبر 2014، بينما حدد لها يوما: 10 و11 شتنبر 2014 في التعليم العمومي، ولن تشمل سوى بعض المواد بسبب الغيابات الاضطرارية، مما قد يخلق تفاوتا في أعداد المدرسين الحاضرين بكل قسم على حدة، ويؤدي إلى اختلال في وتيرة سير الدروس؟ فأين التوازن المفترى عليه بين فترات الدراسة وإجراء الفروض والامتحانات؟ وما إلى ذلك من الأسئلة الحارقة… دون أن ننسى ما خلفته المغادرة الطوعية وتزايد أعداد المحالين على المعاش بنوعيه، من خصاص رهيب أمام إغلاق باب التوظيف الكافي لتجاوزه، مما أدى إلى إلغاء حصص بعض المواد من ضمنها مادة الفلسفة، تقليص العدد الأسبوعي لأخرى وحذف التفويج من مادتي الفيزياء وعلوم الحياة والأرض، في مستويات معينة بمؤسسات تعليمية، تشكو المندوبيات الإقليمية التابعة لها من قلة الموارد البشرية….
إن الخيط الناظم بين كل الاختلالات التي تعرقل مسيرتنا التنموية، يتمثل في ما نعيشه من أزمة حكامة داخل إداراتنا وفي تدبير شؤوننا العامة، حيث مازالت هناك عقليات بائدة تتحكم في رقابنا، لا تقيم وزنا للعنصر البشري كمحرك رئيس لعجلة التنمية، ولا تحسن عدا الاستعجال والارتجال وتبذير الأموال. فالإصلاح رهين بمدى قدرتنا على إرساء دعائم حكامة جيدة، خاصة في حقل التعليم، الذي يعرف إجماعا وطنيا حول واقعه المأساوي. لقد بات عاجزا عن مواكبة ما يخوضه المغرب من إصلاحات على عدة مستويات، وبدل أن يكون رافعة أساسية للتنمية الشاملة، صار عائقا يستنزف الكثير من الجهد والمال بدون فائدة…
وإذا كان الملك في خطابه بمناسبة الذكرى 61 لثورة الملك والشعب، اعتبر أن الثروة الحقيقية للمغرب تكمن في العنصر البشري، بوصفه أحد المكونات الأساسية للرأسمال اللامادي، الذي سبق له أن دعا إلى قياسه وتثمينه، لما يشكله من مكانة بارزة في النهوض بكل الأوراش المفتوحة، فإنه أصبح من المفروض لتحقيق الولوج إلى نادي الدول الصاعدة، مضاعفة الجهود لاستثمار هذه الثروة الثمينة في تحقيق التنمية، وتأهيل الاقتصاد المغربي ليكون قادرا على خوض غمار التنافسية بمنتهى الندية…
وبالرجوع إلى الإحصاء العام للسكان والسكنى، وما يستلزم من توظيف أمثل للمعطيات الإحصائية المحصل عليها، في التمهيد لإعداد مخططات تنموية حقيقية، فإن كسب رهان التنمية يستدعي استحضار العنصر البشري وإيلائه الاهتمام اللازم عبر إصلاح المنظومة التعليمية، في اتجاه تكوين مواطن صالح، منفتح على القيم والثقافات الكونية، وبمقدوره رفع التحديات…
من هنا، يتحتم على الحكومة التعجيل بوضع حد فاصل للارتجال والتلاعب بمستقبل الأجيال، اعتماد تخطيط معقلن، توفير الموارد المادية والبشرية اللازمة، شحذ همم الفاعلين التربويين وتفعيل دور المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، للرفع من مستوى المنظومة التربوية وتجويد أدائها. التحلي بالنزاهة وقوة الإرادة، في التعاطي مع قضايا الواقع العنيد، لتجاوز السلبيات واستثمار الإيجابيات، واستشراف آفاق المستقبل نحو تشييد مدرسة مغربية بهيبة قوية، ذات جاذبية ومواصفات عصرية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *