مع تنظيم شبكات التواصل وضد النكوص والتخاذل !

0 167

بقلم: اسماعيل الحلوتي


 

على إثر الضغط الكبير الذي مارسه الشعب المغربي بكل مكوناته السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية على حكومة العثماني، للمطالبة بسحب مشروع قانون العار رقم: 20.22 المثير للجدل، المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، الذي صادقت عليه الحكومة خلسة يوم 19 مارس 2020 ليلة الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية، ولقي رفضا شديدا فور تسريب نسخة منه يوم 27 أبريل 2020، لما يحمله من أحكام قاسية تهدف إلى تكميم الأفواه، في تعارض صارخ مع الفصل 25 من دستور البلاد الذي يكفل حرية الرأي والتعبير بجميع أشكالها.

وبعد أن اضطرت أحزاب الأغلبية في خطوة مثيرة للاستغراب إلى التبرؤ منه خوفا من انعكاساته الانتخابية، والانضمام إلى صوت المعارضة وصوت الشعب الرافض بقوة لتمريره، وجد معده وزير العدل محمد بنعبد القادر نفسه وحيدا، وقد ساهم في منح الحزب الأغلبي “العدالة والتنمية” فرصة الظهور بغير مظهره الحقيقي في مناهضة الحريات وتوريط حزبه “الاتحاد الاشتراكي”. وفي محاولة لتخفيف الضغط عنه، سارع إلى طلب تأجيل مناقشة مقترحه الخائب إلى ما بعد نهاية حالة الطوارئ الصحية، من رئيس الحكومة سعد الدين العثماني واللجنة الوزارية الموكول إليها مهمة التمحيص والدراسة قبل إحالة مشروع القانون على البرلمان لقول كلمة الفصل فيه بالقبول أو الرفض.

فالوزير ارتأى أن المخرج الوحيد من ورطته أمام تصاعد حدة الغليان من حوله، هو الإعلان يوم الأحد 3 ماي 2020 عن قرار إرجاء الموضوع إلى حين إجراء المشاورات الكافية مع كافة المعنيين، حتى يمكن للصياغة النهائية أن تأتي منسجمة مع المبادئ الدستورية ومعززة للمكاسب الحقوقية. ولم يكن أمام الحكومة من حل عدا الاستجابة لطلبه عوض تحمل المسؤولية ككل في مجلسها المنعقد يوم الخميس: 7 ماي 2020. وهو ما اعتبره عدد من المراقبين والمهتمين بالشأن السياسي في بلادنا محاولة مكشوفة لامتصاص الغضب الشعبي، في الوقت الذي كان يتعين على الجميع التحلي بالشجاعة السياسية والسحب الفوري للقانون المشؤوم، حفاظا على اللحمة الوطنية.

وبالرغم مما يكتسيه مشروع القانون 20.22 من خطورة ويتضمنه من مواد صادمة تذكرنا بالعهد البائد والمظلم، وما يشكله من ردة حقوقية كبرى ومحاولة انقلاب هجينة على مقتضيات الدستور، فإن له جانبا مشرقا يتمثل في كونه كشف لنا مرة أخرى عن تفكك الحكومة وتخبطها في تدبير الشأن العام، ومدى مكرها في محاولة استغلال حالة الطوارئ الصحية واعتماد البرلمان في تمرير القوانين على التصويت بالوكالة من قبل رؤساء الفرق والمجموعات النيابية، فضلا عن ضعفها البين في التعاطي مع جائحة كورونا، التي يشهد الجميع أنه لولا التوجيهات الملكية الرشيدة وتلاحم الشعب المغربي وتضامنه الواسع، لكانت الأمور عرفت منحى آخر غير الذي هي عليه اليوم من تحكم واضح في الحالة الوبائية.

فلا يهمنا إطلاقا معرفة من ورط من ولا من سرب المشروع، ولا كل تلك المزايدات السياسوية وتصفية الحسابات الحزبية والتسابق نحو الفوز بالتشريعيات المرتقب تنظيمها عام 2021، ولا كل المناكفات والسجالات التي تبعث على الاشمئزاز والاستفزاز، وتكرس النفور من السياسة والعزوف عن المشاركة في الانتخابات… ولكن يهمنا كثيرا أن نحرص على حماية حقوقنا وتحصين مكتسباتنا التي قدم من أجل تحقيقها شرفاء الوطن تضحيات جسيمة، والتصدي لكل محاولات الغدر والتآمر ومحاولة العبث بمصالحنا وإجهاض أحلامنا، ونرفض بقوة انفراد الحكومة بالمصادقة على مشاريع القوانين دون إشراك الجهات المعنية وطرحها للنقاش، وفرض قيود على استخدام الشبكات الاجتماعية ومنصات التواصل الفوري، وتجريم بعض أشكال التعبير من قبيل الدعوة إلى مقاطعة المنتجات والعلامات التجارية، مهما كانت خالية من الجودة وباهظة الأسعار.

نحن نتمنى صادقين أن تتضافر جهود الجميع في تنظيم شبكات التواصل في إطار احترام القانون ومقتضيات الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة، للحد مما يجري من انحرافات ومجابهة مختلف أصناف الجرائم الإلكترونية والإرهاب والتطرف، التحرش الجنسي والأخبار الزائفة، التحريض على الكراهية والتمييز، العنف والاعتداء على الحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم، اختراق صفحات الآخرين والمواقع الإلكترونية، أو استغلال هذه الوسائط في أغراض دنيئة وممارسة التزوير والابتزاز، أو في القرصنة وانتهاك حقوق التأليف والنشر، أو في أعمال النصب والاحتيال وترويج الممنوعات…

ولا نعتقد أن هناك من يعارض تقنين استخدام شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة ومكافحة جميع أشكال الجرائم الإلكترونية، لكن ما يرفضه الكثيرون هو أن توضع قوانين على المقاس لحماية مصالح “الكبار” ومناهضة الحريات وهضم الحقوق، لاسيما أن بلادنا تتوفر على استراتيجيات أمنية واتفاقيات دولية وترسانة قانونية تتضمن جميعها تجريم انتهاك الحياة الخاصة، وترتب عقوبات حبسية وغرامات ضد بعض الأفعال الإجرامية التي تتم بواسطة الوسائل الإلكترونية.

إن شبكات التواصل الاجتماعي ظهرت لخدمة الشعوب وتعزيز قيم الحرية والتواصل والحق في التعبير، وتعتبر من أهم الوسائل التي تساهم في تداول المعلومات وترسيخ الديمقراطية ودعم الحركات الاحتجاجية السلمية، الرافضة لكل مظاهر التسلط والقهر والإقصاء والتهميش وفضح الفساد والمفسدين، لكن هذا لا يمنع من ضرورة توعية أطفالنا وشبابنا بخطورة سوء استعمال هذه الوسائل بدءا من الأسرة والمدرسة، والاتفاق حول الضوابط الكفيلة بالحد من الفوضى القائمة…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.