دينامية استثنائية وإشعاع ثقافي لجهة مراكش-آسفي خلال سنة 2019

0 408

بقلم: فؤاد بنجليقة/ ومع

مراكش – احتضانها مجموعة من التظاهرات الثقافية ذات الطابع المحلي والوطني والدولي، استطاعت جهة مراكش- آسفي تسخير والاستفادة من إمكانياتها الهامة بغية تطوير سياحة ثقافية حقيقية، على مر السنين، ساهمت في إرساء دينامية ثقافية وسوسيو- اقتصادية على مستوى الجهة.

وساهمت هذه الدينامية الثقافية التي شملت مختلف الميادين الثقافية والفنية، من بينها السينما، والمسرح، والموسيقى والفن التشكيلي والكتابة والشعر والفلكلور، في جعل جهة مراكش- آسفي، القلب النابض للثقافة والحوار متعدد الثقافات بين الحضارات.

واعترافا بالانتعاشة الثقافية التي عرفتها الجهة، قامت منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة الإفريقية، باختيار “مراكش عاصمة لإفريقيا الثقافية لسنة 2020″، حيث ستتجمل المدينة الحمراء سنة 2020 بألوان الثقافة الإفريقية، بعدما تم منذ سنة 1985 إدراج “المدينة” كتراث عالمي، وساحة جامع الفنا كتراث لامادي سنة 2001.

ولعل أبرز التظاهرات الثقافية التي ميزت سنة 2019 بمدينة مراكش، هي الدورة الثامنة عشرة للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، الذي فتح الباب أمام جمهور كبير للقاء مختلف التعبيرات السينمائية القادمة من القارات الخمس.

وكتأكيد جديد على مدى شعبية وأهمية هذا الموعد الفني الكبير، استطاع المهرجان أن يستأثر باهتمام جمهور عريض تتبع مختلف فقراته، منذ اليوم الأول وعلى امتداد تسعة أيام التي نظم خلالها هذا اللقاء الفني الثقافي، الذي تميز هذه السنة بتكريم أربع شخصيات مغربية وأجنبية بارزة في عالم الفن السابع. ويتعلق الأمر بكل من المخرج والمنتج والممثل الأمريكي روبرت ريدفورد، والمخرج والمؤلف والمنتج الفرنسي برتراند تافرنيي، ونجمة السينما المغربية منى فتو وأيقونة بوليود بريانكا شوبرا.

كما تميزت الأجندة الثقافية بالجهة بتنظيم الدورة ال50 للمهرجان الوطني للفنون الشعبية في الفترة ما بين 02 إلى غاية 06 يوليوز 2019، الذي يعكس تنوع وغنى هذا التراث الثقافي اللامادي الذي يفتخر به كل المغاربة.

وتميزت دورة هذه السنة، بتسجيل أرقام قياسية من حيث عدد المتفرجين الذين بلغ عددهم أزيد من 300 ألف متفرج توافدوا على الفضاءات الخمسة التي أقيمت بها العروض، وكذا من حيث الفنانين والفرق المشاركة (أزيد من 760 فنان وأكثر من 60 فرقة).

وقد كان لعشاق الفكاهة نصيبهم في الأجندة الفنية، حيث تم تنظيم فعاليات النسخة التاسعة من مهرجان مراكش للضحك من 12 إلى غاية 16 يونيو الماضي، والتي عرفت إقبالا جماهيريا كبيرا بلغ 80 ألف متفرج، وثمانية ملايين مشترك على شبكات التواصل الاجتماعي، و70 مليون مشاهد على القنوات التلفزية.

وتميزت هذه الدورة، بتقديم عروض كوميدية متميزة قدمها ثلة من الفكاهيين الموهوبين الذين قدموا من مختلف بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الناطقة باللغة الفرنسية، وذلك ضمن فقرة “غالا إفريقيا”.

وفي تعبير فني آخر، تم تنظيم مهرجان الشعر المغربي الذي أطفأ هذه السنة شمعته الثانية، احتفاء بالإبداع المغربي وتنوع روافده، ما جعله همزة وصل لتعزيز قنوات الحوار التفاعلي بين الشعراء، والفنانين والمبدعين الذين التأموا للاحتفال بقيم الحب والسلام والتآخي.

وخلال هذه السنة، تعززت الأجندة الفنية بالجهة بتنظيم الدورة الأولى للمهرجان الدولي للأدب والسينما بآسفي، ما بين 25 و31 أكتوبر الماضي، والذي يأتي لتعزيز الحوار متعدد الثقافات على أساس نظرات متقاطعة حول السينما والأدب.

ويهدف هذا المهرجان إلى إعادة إحياء الدينامية السينمائية التي ميزت مدينة آسفي، هذه المدينة التي تتوفر على واحدة من أقدم دور السينما في المغرب، بالإضافة إلى تمكين سكان الجهة ومرتاديها من فرصة حقيقية لإغناء معارفهم في مجالات السينما والأدب.

كما أعطى هذا المهرجان زخما ودينامية متميزة للمدينة، حيث تم تنظيم فقرات المهرجان في عدة أماكن من بينها مدينة الفنون، وسينما الأندلس، ومراكز ثقافية ودور الشباب ومدارس داخلية، بالإضافة إلى عرض بعض الأفلام في الهواء الطلق في ساحة مولاي يوسف.

ومن المنتظر اختتام الموسم الثقافي في الجهة بطريقة مميزة يوم 29 دجنبر، بتنظيم الدورة الثالثة من “نجوم في ساحة جامع الفنا”، الذي أصبح موعدا فنيا سنويا بارزا في المشهد الثقافي للمدينة الحمراء.

وتحتفي دورة هذه السنة، بحس المواطنة من خلال حفل تلتئم فيه قامات فنية متميزة. وهكذا سيلتقي الجمهور مع مجموعة من النجوم “ميتر غيمز”، و”دادجو،” و”لارتيست”، و”أمينوكس”، والحر ومحمد رمضان.

ويعد “نجوم في ساحة جامع الفنا ” حفلا سنويا مجانيا 100 بالمئة، ويشكل فكرة يتبناها ميتر غيمس الذي يدعو أصدقاءه الفنانين إلى مشاركة شغفهم للمغرب ولمراكش.

ولتنظيم هذه المهرجانات والمواعيد الثقافية والفنية، واستقبال الوافدين عليها، تتوفر المدينة الحمراء التي تعتبر وجهة سياحية عالمية، على بنية تحتية مهمة تشمل عددا كبيرا من المنشآت السياحية والفندقية، والرياضية والثقافية، كما يدل على ذلك توفر المدينة على مجموعة من المتاحف، ومراكز الفنون الشعبية والحديثة.

وتميزت هذه السنة بتعزيز البنية الثقافية لمدينة مراكش، بافتتاح متحفين كبيرين بالمدينة، ويتعلق الأول بمتحف فنون الطبخ المغربي الذي تم تدشينه في أكتوبر الماضي، بهدف التعريف والمحافظة على فن المطبخ المغربي التقليدي الأصيل، ومحاولة نقله للأجيال القادمة والثقافات الأجنبية، باعتباره موروثا حيا.

ويهم الثاني متحف موسيقي خاص يقع في قلب المدينة العتيقة بمراكش، داخل متحف المواسين، الذي يأتي لتسليط الضوء على التعددية الثقافية الموسيقية التي تميز المملكة، والتي تنهل ثقافتها الفنية من تاريخها وتقاليدها الموسيقية المتعددة.

ويتطلع متحف الموسيقى إلى أن يصبح معبرا عن التنوع الموسيقي والإبداع في المغرب، كما يهدف إلى تأسيس أرشيف وبنك للمعلومات حول الموسيقى في المغرب.

وفي هذا السياق، أكد المدير الجهوي للثقافة بمراكش، السيد عزوز بوجميد، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الجهة تعرف دينامية غير مسبوقة على مستوى إعادة تأهيل وترميم والحفاظ على الموروث الثقافي المادي واللامادي.

ويتعلق الأمر بترميم قصر البديع بغلاف مالي يقدر ب8.5 مليون درهم، وبإعادة تأهيل الموقع التاريخي الكتبية التي تم استكمالها هذه السنة بغلاف مالي قدره 1.5 مليون درهم، وترميم وإعادة تأهيل القبة المرابطية بمبلغ إجمالي يقدر بمليون درهم، بالإضافة إلى الأسوار المحيطة بقصر الباهية.

وعلى مستوى آسفي، برمجت المديرية الجهوية للثقافة برسم السنة المقبلة مشروعا لترميم دار السلطان، في حين تخطط الوزارة لإنشاء مركز للدراسات متعلقة بعصر ما قبل التاريخ، على مستوى الموقع الأثري إيغود (إقليم اليوسفية).

ويبقى الاهتمام الرئيسي للمديرية، هو استفادة الأقاليم والمدن الأخرى من الدينامية الثقافية التي تعرفها الصويرة، ومراكش وآسفي والحوز، وذلك من خلال إنشاء مراكز ثقافية بمواصفات عالمية.

وفي هذا السياق، أبرز مدير المركز الدولي للثقافة، السيد عبد الكريم المناوي، أن مراكش تتوفر على كافة الإمكانيات الثقافية التي تسمح لها بالمساهمة في خلق سياحة ثقافية حقيقية.

وأكد السيد المناوي، أن الإنجازات التي تم تحقيقها لا يجب أن تحجب بعض الإشكاليات المتعلقة بتحسين ظروف عيش الفنانين المحليين، الذين يمثلون المحرك الرئيسي لهذه الدينامية، داعيا إلى دعم المواسم التي تساهم بشكل كبير في الحفاظ على الموروث الثقافي الشعبي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.