الرحامنة والگنتور: بين “دوتي” و”لويجانتي”

0 491

*حسن إدوعزيز

تسمى “تنوالت” كتصغير ل”أنوال”، والذي يطلق على المطبخ في اللسان الأمازيغي. وحورت في اللسان المغربي الدارج إلى “النوالة” كنوع من السكن، ظل يميز بعض مجالات المغرب.. وبعض احواز مراكش على الخصوص.
وحسب الرحالة والسوسيولوجي الفرنسي “إدموند دوتي” (Edmond Doutté)، فبلاد الرحامنة كانت “بلاد النوالة بامتياز” (le pays de la nouala par excellece).. في إشارة إلى أنه لم ير ديارا أو منازل قائمة وثابتة طيلة مقامه بالمنطقة مطلع القرن الماضي.
ولعل سبب ذلك، والعهدة على بعض الرواة، يرجع من جهة إلى طبيعة ساكنة المنطقة من العرب الرحل وارتباطهم بشياههم، يتنقلون معها ويرحلون بحثا عن الكلأ من موضع إلى موضع.. ويرتبط، من جهة أخرى، بالسياق التاريخي لمغرب ما قبل الفترة الكولونيالية، والذي كان يفرض على الجماعات البشرية، بهذا المجال الشاسع، الهروب من مكان إلى مكان، كلما لاحت طلائع جباة الضرائب المخزنية.. قادمين من العاصمة الحمراء لإخلاء “العشش”، وحرق “نوائل” العصاة.
“فالنوالة” أو “الخيمة” كانت هي السكن الذي يتلاءم ومثل هذه الظروف.. لسهولة هدمه أو جمعه وتفكيكه أو التخلي عنه كلما جد مستجد مما ذكر.. لتبقى هضبة الرحامنة، وإلى حدود تلك الفترة التاريخية، خالية من تجمعات سكنية أو بشرية حقيقية، اللهم انتشار “النزالات” المتفرقة على طول المسالك الرابطة بين أقاليم الحوز وتادلا والشاوية وعبدة. حيث تعددت هذه “النزالات” بتعدد “العظمات” أو “الفخدات” المكونة لقبائل المنطقة، خاصة قبائل غرب الأطلس: “الرحامنة” و”احمر” تحديدا..
فما بين “نزالت سيدي بوعثمان” و”نزالت لعظم”، ونزالات “غدير لخشب” و”لبيار لگصار” و”أولاد بلا” و”أيت حمو” و”الرواگب” و”أولاد محمد” و”أولاد بوبكر” و”الگنتور”… وغيرها، صار هذا المجال الممتد مواضعا لاستراحة القوافل التجارية، أو لتأمين “المحلات” المخزنية، أو محطات لتحصين الامداد بين مراكش وفاس وحاضرة المحيط.. منذ العهد السعدي إلى نهاية التاسع عشر تحديدا.
ومع بداية القرن العشرين، ووصول طلائع المعمرين الفرنسيين، كان بديهيا أن تتغير الأوضاع، وتبدأ حياة الاستقرار بظهور التجمعات السكنية ببعض هذه “النزالات” التي ستتحول إلى “مراكز” ارتبطت بالأنشطة الجديدة لإدارة الاستعمار.. خاصة بعد شق الطرق وتعبيدها، وبعد عمليات التنقيب عن المياه، والمسح الجيولوجي، واكتشاف الفوسفاط. وهكذا ستنمو تلك المراكز بعد استقطابها لأسر القبائل المنتجعة بين “النزالات”، كما حدث بمركزي “سيدي بوعثمان” و”نزالت لعظم”. بل من تلك “النزالات” من تغير اسمها ليرتبط بتسميات أجنبية، تحيل في غالبيتها على ما تم اكتشافه، أو على أسماء المكتشفين، أو المغامرين من المستثمرين السباقين إلى الاستقرار بالمنطقة كما وقع مع مركز اثنين “بوشان” (Buchan) بالرگيبات، وبعض المواضع ك”نوكيلة” (Nicolas) و”مادام لولو” (Madame Loulou) بالقرب من مدينة “بن گرير”. وكما حدث مع “نزالت الگنتور” التي تغير اسمها، بادئ الأمر، إلى “كشكاط” (couche quatre) في إشارة إلى “الطبقة الجيولوجية الرابعة” التي اكتشف بها معدن الفوسفاط من النوع الجيد، والذي يميز المنطقة.. قبل أن تستقر على “لويجانطي”، الاسم الكامل لمكتشفها المهندس والجيولوجي الفرنسي “Louis Gentil” مطلع القرن العشرين.

*أستاذ تاريخ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.