هكذا صارت حكاية “غرارين عويشة”: بين حكاية المثل، وحقيقة الواقع.

0 437

بقلم: *حسن إدوعزيز

“غرارين عويشة.. ها عويشة تطلقات! “.. إنه مثل مغربي دال وعميق. لا يتوانى المغاربة عن إشهاره كلما تعلق الأمر بتوريط بعضهم للبعض في بعض المطبات المحرجة في سياقات مختلفة.
ويروى، والعهدة على الراوي.. والرواة، أن المثل يرتبط بامرأة مغربية تدعى “عويشة”، كتصغير لاسم “عايشة”، النطق المحلي البديع للاسم العربي “عائشة”.
عاشت “عويشة” ذات زمن في مكان من أمكنة هذا الوطن الرائع. وكانت امرأة جميلة ورزينة وعفيف و”درويشة”. تزوجت من رجل فقير مثلها يدعى “شعيبة”. وقاسمته كفافه وعفافه عن طيب خاطر، بل كانت له خير معين على قساوة الدنيا والتدبير.. راضية بما قسم وكيف قسم.

ولأن قبيلة “شعيبة” مليئة بالجبايهية من الغرارين أو “الغرارة”، فإنهم لم يتركوا “عويشة” على حالها.. راضية بالنصيب. بل أصروا على التغرير بها كلما لاحت لهم صباح مساء. فصاروا لا يتركون الفرصة تمر دون تذكيرها بأنها “لالة عويشة” سيدة النساء ذات الجمال الضائع… مجتهدين في رمي مسامعها بعبارات الاطراء والمديح حول جمالها ومحاسنها.. بين “الطولة” الممشوقة، و”التجريدة” المنمقة، والأيادي الرطبة، والعيون السوداء الفاتنة.. والتي لا تستحق أن تضيع بين قلة ذات يد “شعيبة” وخصاصه، في الوقت التي يتمناها عظماء القبيلة وكرماؤها ك”الجويليلي” مول “الكانتينة”، و”عزوز” مول “البومبة”، و”صويلح” مول “الغاسول”..

ونظرا لطبيعتها الانسانية، فقد استولى الغرور على لالة “عويشة”. وتمكن منها سحر “الغرارين”. وتنامت في نفسها الأمارة رغبة جامحة بالتخلص من الفاقة والخصاصة نحو الحياة الرحبة بنعيم كرماء القبيلة.. فازداد الصدام بينها وبين “شعيبة” المسكين المغلوب على أمره. فتحولت حياتهما إلى جحيم يومي لا يطاق. لم يجد معه “شعيبة” المغبون غير تحقيق رغبتها الدفينة، بتطليقها وتسريحها بإحسان. ليذهب كل منهما إلى حال سبيله. فراحت “عويشة” فرحة سعيدة. تسابق الزمن كي تتخلص من عدة الأربعين، فتدخل عالم الرغد الموعود. لكن المسكينة، ومنذ كمال اليوم الأربعين، وهي عائدة من الحمام، لم تلتق أحدا من “الغرارة” الذين ظلوا يرابطون على طول الزقاق المؤدي إلى كوخها المنسي، ودأبوا على تلقينها محاسن الحياة ومبادئ الثورة على أوضاعها المزرية مع “شعيبة” زوجها السابق. ولم يسأل عنها أحد من الكرماء الذين لطالما داعبت سخاءهم بمخيلتها.. وهي بين أحضان “شعيبة”. فاكتشفت مع مرور الوقت أن الجميع تبرأ من حالها، وتركها تواجه واقعها. فلا هي أصبحت الحرم المصون “للجويليلي” أو “عزوز” أو “صويلح”، ولا هي بقيت مستورة الحال في كنف “شعيبة” الوقور. فتأكد لها أن “الغرارة” “رهوط” بلا ملة.. يزينوا ليك “البيعة والشرية” الخاوية حتى تضيع الفضل و”رأس المال”، ومني تحصل “يتسيفوا” ليك فصورة الشيطان، ويتبراو من واقع الحال”..

هكذا صارت حكاية “عويشة” مع غراريها حديثا للمغاربة ينطبق على واقعهم المزري. يستحضرونه بذكاء بالغ عند كل سياق مماثل، وهم ينادون الغرارين ويتساءلون: “آ فينكم آ غرارين عويشة.. ها عويشة تطلقات؟!”.. فتحول التساؤل إلى مثل بليغ ينطبق على كافة مناحي الحياة.. من اقتصاد وثقافة وفن ومجتمع وسياسة. بل أضحى “الغرارون” زمرا وجماعات وجبهات يسابقون الزمن للتغرير بضحاياهم وتزيين أفعالهم حتى ينتهوا بهم في غياهب المجهول..

*أستاذ تاريخ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.