أزمة الدولة المغربية..

0 117

 

عبد الكريم ساورة

أعتبر ماركس الدولة في عهده غير عقلانية، لأنها في نظره مجرد أداة تستخدمها الطبقة البورجوازية لخدمة أغراضها ومصالحها الخاصة، بينما أستاذه العبقري هجل فقد اعتبر الدولة أكثر عقلانية عندما تكون تمثل روح الشعب كأولوية.
خارج التعاريف الفلسفية، أين يمكننا تصنيف الدولة المغربية ؟ هل فعلا تمثل روح الشعب المغربي ؟ أم هي مجرد جسر مهدد بالسقوط تمر عليه الطبقة البرجوازية لتحقيق مآربها الخاصة ؟
يكاد يجمع جل المتتبعين للشأن الوطني، أن المغرب يمر بأزمة خانقة، وأنه أصبح أكثر من قبل قابلا للإنفجار، نظرا للإنحباس الكبير في مجال الحريات ، ونذرة النخب المؤهلة للتدبير المعقلن. كيف ذلك ؟
بداية يجب أن نسجل، بوضوح تام أن هناك تذمرا عاما لدى كل المغاربة بسبب تراجع الدولة عن وعودها في مجال الحريات العامة، بحيث يظهر أنها كشرت عن أنيابها وأضحت لديها حساسية مفرطة من كل من يوجه إليها انتقادات، وأن رموز الدولة لايمكن انتقادهم، لأنهم أشخاص لايخطئون ، مقدسون، وأنه من باب الحرص والفضيلة على الجميع أن يتعلموا كيف يقبلوا كل تصرفاتهم ولو كانت طائشة بنوع من الاحترام والخشوع.
والدولة يوما بعد يوم، تُظهرُ للجميع بوسائلها الخاصة، وطبعا لا أتحدث عن الوسائل الترهيبية، أنها فقدت صبرها ولن تستطيع أن تسامح من يوجه سهام النقد إليها ولو كانت هذه الانتقادات حقيقية ومفيدة. ولهذا فهي تقدم دلائل على أنها أكبر من الجميع، من الصحافة من التقارير الدولية، من الاحتجاجات عبر كل ربوع الوطن ومن صراخ الشارع، فهي المحتضن للجميع ولا صوت يعلو فوق صوتها، فهي تقدم نفسها باستمرار، أنها الحارس الحقيقي للحريات وإذا ظهر أي صوت ” مخالف ” فهي تعيده إلى جادة الصواب، وطبعا بطرقها المعتادة.
أما أزمة النخب بالمغرب، فقد تحدث عنها العديد من الباحثين وتحدثوا عن صناعة النخب، سنوات التسعينيات وقدموا مجموعة من الاقتراحات المهمة لهذه الصناعة، لكن الدولة تعاملت مع مقترحاتهم بنوع من اللامبالاة كالعادة، وهاهو ملك البلاد يخرج في خطاب العرش يتحدث عن مشكل الكفاءة في تدبير الشأن العمومي، وهو فعلا عائق خطير يقف في وجه تقدم البلاد. وهنا وجب علينا جميعا أن نتساءل مع عاهل البلاد، أي نوع من الكفاءات يحتاج المغرب ؟ هل الكفاءات السياسية ؟ وهي حقيقة، كثيرة لكن فقط تنقصها الجرأة ونكران الذات، لأن أغلبها جائعة، جائعة جدا، تريد أن تلتهم كل شيء في طريقها، وهنا المشكل لايتعلق بضعف الكفاءة، وإنما بقلة احترام الذات وإنهاك الضمير مند سنوات قد خلت. وفي هذه الحالة لايمكن معالجة هؤلاء المرضى إلا داخل مستشفيات مجتمع المعرفة.
وماذا عن الكفاءات التقنوقراطية ؟ يمكن أن تكون بديلا، ولكن ليس في كل القطاعات، لأنه أظهرت التجارب أن التكنوقراطي يشتغل بنظام المحاسبة، وهو قد يتمكن من حصر مناطق ولكن لايمكنه محاصرة أخرى، والتاريخ قدم كل البراهين أن الإنسان يصعب إخضاعه لمنطق معين بما فيه منطق الرياضيات، نظرا لأنه كائن متقلب ومتحول في الزمان والمكان، ولهذا يصعب وضعه في قالب محدد. والتكنوقراطي لايمتلك خيالا يؤهله لقراءة مستقبل رغبات الجمهور. والرغبات تتغير مع الوقت ولهذا يجب معرفة أين تريد أن تستقر. ومادام التقنوقراطي مجرد سائق للحظة، فلاشك أنه سيصطدم أو سنيقلب في إحدى المنعرجات. ببساطة لأنه ضعيف النظر، ولهذا فالتعاقد معه هو بمثابة تعاقد مع عازف الليل، فعندما يلوح الصباح تجده ذاب كما يذوب الملح في الماء.
إذن ما هو الحل : الحل يعرفه الجميع بما فيها الدولة ولايريد أحد أن يلتزم بتطبيقه، وهو تخليق الحياة العامة، ماذا نقصد بتخليق الحياة العامة ؟ المحاسبة تم المحاسبة وهذا لايتحقق دون عدالة حقيقية. أتعرفون ماهي أزمة الدولة المغربية الحقيقية ؟ هو غياب العدالة بمفهومها العام، وعندما تغيب العدالة في البلاد فيمكن أن تنتظر إفلاس كل شيء، وفي هذه الحالة هل يمكننا أن نتحدث فعلا عن دولة تمثل روح الشعب كما قال المفكر والفيلسوف هجل ؟

Loading...