طلب الموت بالمجان..

0 225

عبد الكريم ساورة

سألت صحفية شابا نجا بأعجوبة من الغرق في إطار الهجرة السرية وهو يقطن من المدن الداخلية، فقالت له مبروك عليك، فرفع عينيه وقال لها : مبروك على ماذا ؟ فقالت له على نجاتك فرد عليها : وهل عودتي إلى مدينة الموت تعتبر في نظرك نجاة ؟ فسكتت لحظة تم سألته : إذا أتيحت إليك الفرصة مجددا فهل ستعيد الكرة للهجرة في مثل هذه الظروف المؤدية إلى الموت، فرد الشاب والذي كان يبلغ من العمر 19 دون أن يفكر : من الغد سأركب أمواج الموت إذا أتيحت لى الفرصة سيدتي العزيزة.
مناسبة هذا الحديث ماعاشته مدينة قلعة السراغنة بحر هذا الأسبوع، عندما غادر 56 شابا كانت برفقتهم شابة تبلغ من العمر21، نجا منهم 3 شبان بالصدفة، ورمى البحر لحدود كتابة هذه السطور 17 شابا، مجمل القول، المدينة دخلت كاملة في حداد.
أمام هذه التراجيديا إن صح التعبير، نعيد طرح نفس السؤال الذي طرحه كل المتتبعين للشأن المحلي وكذا الرأي العام وهو كالتالي : من المسؤول الفعلي وراء هذه الكارثة الإنسانية ؟ وكيف يمكن وقف فكرة الهجرة التي قد تقود الشباب المغربي إلى الموت ؟
بداية يجب أن نسجل ملاحظة أسياسية وهي ماذا لو نجح هؤلاء الشبان 56 في قطع تلك المسافة والتي انطلقت من مدينة المحمدية في اتجاه اسبانيا ؟ هناك وصف وحيد كان سيتم وصفهم به وهو : الأبطال.
في هذه الحالة، عندما يأخذ هؤلاء الشبان صفة الأبطال، فهنا يصبح كل شباب الدواوير المجاورة يتحدثون عنهم بكل احترام وتقدير، وهنا يفكر كل من في سنهم في تقليدهم خصوصا، عندما يرجعون بعد سنوات غانمين برفقتهم امرأة بشعر أشقر وسيارة جذابة بلون السماء.
خلال هذا الأسبوع، والذي اتفق الجميع على تسميته بأسبوع الموت، بحيث لايمر يوم دون أن يتابع سكان المدينة صورا لجثت شباب رمى بهم البحر في الساحل. وبخصوص هذه الوضعية انقسمت التعليقات في أغلب وسائل التواصل الإجتماعي إلى تيارين :
الأول: وقد جاء معظم التعليقات تضم مفردات الشجب والتنديد بالدولة المغربية وتحمليها المسؤولية كاملة بسبب تقاعسها في تقديم فرص مقنعة تستجيب لتطلعات هؤلاء الشباب الباحث عن الشغل وعن بديل حقيقي، واعتبروا هذه الفاجعة بمثابة وصمة عار على جبينها تنضاف إلى الفواجع السابقة.
أما التيار الثاني : فيحمل المسؤولية للشبان الذين يعرضون حياتهم للخطر، ودليلهم أن الفقر لم يكن يوما من الأيام سببا كافيا لطلب الموت بالمجان، ولهذا لايجب مواجهة واقع مرير بفواجع أكثر منها مرارة، وأن الموت مهما يحاول البعض تبريره فهو في نهاية المطاف يبقى موت مجاني، لأن الهدف المتوخى يمكن تحقيقه ببلاده ولو في ظروف قاهرة كبقية أفراد الشعب المغربي.
في الحقيقة الموضوع شائك جدا، تتداخل فيه عدة أبعاد سوسيواقتصادية وثقافية وسياسية، وتاريخية، ونفسية، وتحميل المسؤولية لطرف أو جهة دون أخرى فيه نوع من التسرع والتحامل، لهذا فالمعضلة تحتاج إلى تفكير وروية وبعد النظر، والأهم من ذلك هو البحث بجدية عن حل جذري على الأقل للتخفيف من عدد الضحايا بطريقة من الطرق، أما تسريع السلطات الأمنية من وثيرة البحث عن ” الحراكة ” فهذا أسلوب غير كافي للقضاء على الظاهرة، لأنه ببساطة إذا قبضت اليوم عن ” حراك” فغدا سيظهر “حراكة ” جدد، بطرق وأساليب جديدة. فالأمر مثل سوق المخدرات، مادام هناك أشخاص يتعاطون لها، فضروري أن يكون هناك منتج وبائع محترف يتواجد هنا وهناك.
ختاما، مادمت فكرة الموت أصبحت أمرا عاديا ومستباحا لدى الشباب، ومادامت فكرة الموت لاتخيفهم بالمرة، فعلى الدولة أن تأخذ الأمر بشكل جدي، في معرفة هذا التحول الخطير والبحث في كيفية الحد من هذا النزيف، وذلك بإيجاد بدائل وحلول وهي كثيرة جدا، فقط نحتاج إلى رجال يفكرون في أبناء الوطن أكثر مايفكرون في أنفسهم وأولادهم، وهذه هي معضلة المغرب الحقيقية.

Loading...