الصويرة أو حكاية موت رمزي غير معلن

0 261

 

محمد دخاي
كل ما زرت مدينة الصويرة او موكادور مسقط الراس ومهوى الفؤاد تلك الايقونة الرابضة في الذاكرة ما بين عبق التاريخ ورمزية الفضاء الذي ينسج كل الدلالات جعلتني اطرح من جديد اسئلة استعادة الطاهر بن جلون لها في احد مؤلفاته الذي غمرت به وقتي هذا الصيف ، بعدما أصبحت هذه المدينة ملهمة له في رواياته وخاصة تلك التي يتحدث فيها عن رسام مقعد يستحضر فيه علاقته بطفله الصغير في معاناته مع الاعاقة كحقيقة يعيشها يوميا ، انها غربة الذات في علاقتها بنفسها ، بل وفي علاقتها بالأخر كما تجسدت في كتاباته الأخرى من خلال فرنسا التي يعيش فيها ، حيث العنصرية وكل الهويات المشروخة في بلد الأنوار والحرية والحداثة …..
هل كان صدفة أن يختار مدينة اسمها موكادور تشبه كثيرا مدينة القدس في عوالمها الدينية والروحية السمحة ، فموكادور احتضنت كل الاثنيات ومنهم كناوة الذين نعشق موسيقاهم حتى الثمالة بحيث لن ينكر أي واحد منا ما يعانيه السود في مجتمعاتنا ، فنحن نكره العنصرية لكننا نمارسها بكل الأبعاد السيمائية ، أليس الليل اسودا أيها الرفاق؟ إذا كان الأمر كذلك فان كناوة يمثلون إذن نصف الزمن على الأقل ،فبالكاد يجدون مكانا في الزمن يضعون فيه هويتهم العارية ،ثم الم يسقط الليل القديم الذي هو وعاء الأساطير حيث ماما غولا وبوعو وعيشة قنديشة وسحت الليل ،انه مكان الغياب ليحل مكانه الليل الجديد الذي لا ينام أبدا…
عندما يختار الناس كناوة يختارون هدوء موكادور كرأسمال رمزي لاتنغصه غير أصوات طيور النوارس لتنفتح على جميع الثقافات والإبداعات الإنسانية ، لان مهرجان موسيقى كناوة العالمي فهو اختيار إنساني ومغربي ولا يمكن أن يكون محليا أو وقبليا بالمعنى الذي يريده الكثيرون لمدن تتردى وتعيش على إيقاع الفوضى اليومية ، لأننا في الصويرة عشنا الرأسمال الرمزي وفيها عاش العرب والامازيغ والموريسكيون واليهود والمسيحيون وعاش كناوة ككائنات بشرية كل أشكال الإلغاء والإقصاء حيث كنا ننظر إليهم ونحن أطفالا صغارا على أنهم غير البشر الذي نعرفه إنهم ( البوعو )الذي كثيرا ماكانت الأمهات يعمدن إلى ترهيبنا به حتى ننام ، ولن ننسى أننا كنا ننتظر كل يوم أن تأتي عائشة قنديشة لتاخدنا إلى عوالمها لكننا اكتشفنا أن أمي عائشة ليست إلا سيدة زنجية من أصول افريقية تنتحب كل يوم على أصوات البخور والجاوي وهجهوج عبد الرحمان باكو رحمه الله بزاوية سيدنا بلال……
، لقد مات الكثيرون من أهل كناوة ومنهم باكو الذي رحل في صمت ، البعض الأخر اختار المنفى الاختياري وهي حقيقة قرأتها في تقاسيم المرحوم محمود كينيا ذات يوم وهو يهز قشعريرة الأجساد ذات يوم رحمه الله والبعض الأخر أراد أن يكون فنانا تشكيليا والبعض الآخر أصبح يغني إلى جانب فرق عالمية ومنهم من لازال حيا يعيش زمنه الرديء في موكادور بأزقتها المحفرة في انتظار أن يترعرعوا مثل النجوم في مهرجان سنوي قال أندري ازولاي انه يحضره كل سنة ليحس بالرعشة الكبرى….
هل يعرف أندري ازولاي أن موكادور رأسمال رمزي يضيع كل يوم؟ ، وهل يعرف كل المثقفين أن موكادور ليست رعشة عابرة أو سحابة من أيام للهرج والمرج تموت وتفوت بعد رحيل ضيوفها ؟ موكادور رأسمال رمزي يعيش كل المفارقات ،إنها المدينة التي تم تفريغها من كل الأحاسيس الجميلة كما تم تفريغ القمر من سحره فلم تعد معنية بالتشكيل والموسيقى والبحر والنوارس وزيت الأركان ، إنها دلالة على لامعنى الإنسان الذي لم يبق منه غير الصدى الذي يتآكل في الصخب السياسي اليومي ، أشبه ما يكون برعب مداخل المدينة حيث تنتصب متاريس الشرطة وحواجز الدرك وكأننا على أهبة الدخول إلى إحدى مدن الضفة الغربية ………..
الليل في الصويرة أخد من صلاحيات النهار في انتظار أن يحين الوقت الذي يأخذ فيه الأسود من صلاحيات الأبيض كبياض حايك الفنانة الراحلة الركراكية الفنانة العصامية التي عاشت حياة بيضاء ينتشي الآخرون من إبداع أصابعها وهي المتوجة بالضياع إلى آخر يوم في حياتها……
من حقنا أن ننتشي برأسمالنا الرمزي ومن حق كناوة أن ينتشوا بموسيقاهم ، وهم يعزفون جروحهم، جروح تاريخ لا يرحم ، تاريخ قارة هي بمثابة الوالدة التي تنكرنا لها ، فكيف لنا ألا نفهمها إذن ونحن أبنائها الذين عاشوا دورتها الدموية الدموية لمدة تسعة أشهر؟
مرة قال لي احد الأصدقاء بلونه الأسود الصافي ونحن صغارا نتسكع في سوق واقة في طريقنا الى ليسي اكنسوس انه كثيرا ما كان يتساءل وهو يرضع من ثدي أمه عن السبب في أن لا يكون الحليب اسودا كوجه أمه ، كنت أجيبه بسذاجة كبيرة أن اللون ليس أكثر من غلاف خارجي وما يوجد في الداخل هو الأساس ،إن لب موكادور مثل قلوب أمهاتنا لا ينام ليل نهار ، لنقرا المسافات والأرصفة الضيقة المملؤة بأجساد لا زالت تقوى على التحدي ،تحدي رائحة البحر المحملة بعبق الهجهوج في ليل بهيم …
أن يحب الناس من كل العالم موكادور رسالة من الأعماق من اجل رأسمال رمزي اكبر من التريخ نفسه لا يمثله لا ازولاي ولا الحاج ميلود الشعبي ولا نايلة التازي ولا محماد الفراع ولا غيرهم ، ولكن يمثله مثقفوها الحقيقيون واناسها البسطاء ، لان دلك لا يعني غير تشظي الذوات عبر جنائزية تشيع موكادور كل سنة إلى حتفها الأخير ،ليس لان موسيقى كناوة آتية من اللغو الإفريقي وقد امتزجت بلغة الآهات والتأوهات ، ولكن لأننا نحس أننا نخرج مثل تلك الموسيقى من الطبول ونتدحرج في هذا العالم بحثا عن زمن ضائع لا احد منا يعرف أين سينتهي كشخوص روايات الطاهر بن جلون كما في كتاباته جميعها….
موكادور نسمة من توهج يسكنني كل يوم حتى وان كنت بعيدا في المكان لأنك جغرافيا للإنسانية والتجربة علمتني ان التابث في التاريخ هي الجغرافيا …..

استاذ باحث في تحليل الخطاب

 

 

Loading...