المهندس رضوان أسطو يكتب: لذلك البام، لا يجب أن نعود

0 59

بقلم: رضوان أسطو*

التحقت رسميا بحزب الأصالة و المعاصرة بعد مسلسل طويل من المشاورات و النقاشات و الاستشارات مع العديد من الكفاءات و القوى الحية داخل الوطن. لم يكن الأمر بالهين، خاصة لمهندس شاب ارتبط اسمه بالحراك الهندسي الذي قادته الجمعية المغربية للمهندسين الشباب منذ تأسيسها سنة 2003 ثم بالنقابة الوطنية للمهندسين المغاربة التي رأت النور سنة 2007 و التي كنا و مازلنا ندافع عن استقلاليتها عن كل الحسابات السياسية.

إلا أن متابعتنا كمهندسين شباب للتغيرات التي طرأت على الحقل السياسي عامة و على الخطاب السياسي خاصة و الذي كان يروج لإرادة حقيقية لدى الدوائر العليا لتطوير مستوى العمل السياسي و الرقي به إلى ما ألفناه داخل الديموقراطيات العريقة مع احترام خصوصيات الثقافة المغربية، قد كونت لدينا القناعة التامة لوجوب تغيير أساليب العمل و تطوير آليات الاشتغال، لما يضمن لحراكنا الاستمرارية و النجاعة الكفيلتين بالمشاركة الفعلية في ورش تنموي طويل المدى.

بشكل آخر، لقد كانت معايشتنا لمرحلة التحول السياسي الذي قادته حكومة التناوب و مواكبتنا لمسلسل التصالح الذي قادته هيئة الانصاف و المصالحة و تأملنا العميق في تقرير الخمسينية الذي سهر على إصداره مهندس من طينة المرحوم مزيان بلفقيه مستندا على طيف واسع من الخبراء المغاربة، القدرة على تحريرنا من مواقف موروثة من حقبة قرر الجميع تخطيها لبناء مغرب أفضل.

و من هذا المنطلق، صار من الضروري لنا كمهندسين شباب أن نتأقلم مع الوضع الجديد وأن نخوض تجربة التغيير من الداخل. فما خدمتنا في شيء، و طيلة عقود مضت، سياسة الكرسي الفارغ و العزوف عن الصناديق. كما صار من العبث أن نستمر في التقوقع داخل مكاتبنا و مصانعنا و ورشاتنا طمعا في تطوير مستوياتنا الإدراكية: العلمية و التقنية، و نترك الساحة فارغة يرتع فيها فسادا من هم ليسوا أهلا لاتخاذ القرار السياسي.

مفعمين بكل التفاؤل و الثقة في رجاحة قراءتنا للوضع، ترافعنا عن قناعاتنا بخصوص المشهد الهندسي عبر تأسيس النقابة الوطنية للمهندسين المغاربة سنة 2007. كما ترافعنا عن قناعاتناالسياسية عبر المشاركة في الانتخابات التشريعية لنفس السنة حين نادينا المواطنين عامة والمهندسين خاصة للتوجه للصناديق كتعبير مسؤول عن المواطنة السليمة وكممارسة لحق دستوري وليس فقط لواجب ديموقراطي. كنا ضد العزوف عن الصناديق لا غير.

و مع تدرجنا في العمل الميداني تقربنا من الأحزاب السياسية النشيطة آنذاك و بعد اطلاعنا على مرجعياتها و مواقفها و مجالسة قياداتها و إحصاء المساحات الممكن الاشتغال بداخلها. تكونت لدينا و للأسف، القناعة بأننا أمام مؤسسات ترفض التأقلم مع الوضع الجديد وأن كل ما يهمها هو الحفاظ على مكتسباتها التاريخية لا أكثر ولا أقل.

و في فبراير 2008 لاحت ما حسبناه طلقة النجاة، مبادرة جريئة أزعجت الزعامات الراقدة و حملت معها رسالة “الممكن” بخطاب جديد يتقاسمه ثلة من المثقفين و الكفاءات الميدانية ذات الصيت الدولي و الوطني وكذا الجهوي. عمليا وفر انطلاق حركة لكل الديموقراطيين الفضاءات اللازمة لاستقطاب العازفين عن الفعل السياسي، لكن سرعان ما انقلبت الرياح وتحولت الحركة إلى حزب سياسي حج إليه جل محترفي اللعبة الانتخابية و الذين فرضوا سيطرتهم على نتائج الانتخابات الجماعية لسنة 2009 و التي شكلت وبالا على كاهن الحزب الفتي. و من هنا بدأ مخطط التضييق على النخبة المثقفة من حاملي قيم الحركة الذين ووروا إلى الخلف نظرا لقلة خبرتهم بالشأن الانتخابي و لرفض محترفي هذا المعترك الدفع بجيل جديد من الساسة إلى الواجهة. و هنا بدأ الصراع الفعلي بين أصحاب اليمين و أصحاب اليسار، بين الأعيان و البقية وفي أحدث الصيغ بين أبناء الريفوأبناء جهة مراكش-آسفي.

سوق لهذا الصراع بأنه تدافع صحي تحت غطاء “التعددية ” وهو ما عمم و اصطلح عليه فيما بعد ب “التمغربيت” وسخرت وسائل ضخمة للتغطية عن مخلفاته. وعند كل محطة حساسة كان الانقسام حاضرا بين الضفتين، و كان الحسم دوما للحل الكلاسيكي: التوافق النسبي على الترضيات. كما تم التسويق داخليا و خارجيا بأن معركة الحزب الأسمى هي مع تيارات الإسلام السياسي وبأن الحزب صار بفضل أرقامه الانتخابية قوة سياسية ضاربة لا تقبل الانشقاق أو الانقلاب على اختيارات قياداتها. و الحقيقة المرة هي أن الشرخ كان يتسع يوميا بين الغريمين و أن الحزب كان يخسر في صمت العديد من المناضلين المتميزين بما فيهم بعض مؤسسي الحركة الذين وافقوا في بادئ الأمر على التعايش مع تلك الماكينات الانتخابية الطاحنة قبل أن يجدوا استمراريتهم تقايض بالخضوع التام أو الترجل بعيدا، رغبا أو قصرا، بدعوى عدم توفرهم على الشعبية اللازمة للفوز بمقاعد انتخابية. و قد تعددت التمثلات في هذا الباب.

و إنه لمن المؤسف أن نؤكد نهج كل من تعاقبوا على قيادة الحزب، و منذ نشأته، لمقاربة مزدوجة تسوق من جهة للانفتاح على الكفاءات و تعمل من جهة أخرى على تغييبها عن دوائر القرار و المحطات الانتخابية. فلم يكن مسموحا للكفاءات الحقيقية بالعمل إلا في الفترات ما بين المحطات الانتخابية قصد تلميع صورة المؤسسة و في مساحات جد ضيقة. بل استفحل الأمر، إلى اختزال أدوار الأطر و النخب، في بعض الأحيان، إلى تأثيث المنصات الخطابية دون رخصة النطق.

وإيمانا منا بالمشروع ورغبة منا في كسر هذه المعادلة، والاسهام إلى جانب الفعاليات الحية داخل الحزب، وتجاوبا مع الروح التي انبعثت التي ما بعد خطاب 9 مارس 2011، فقد كانتالظرفية ملائمة لتأسيس منتدى الأصالة والمعاصرة للهندسة الوطنية في أواخر 2012. والشكر الجزيل يرجع للمهندس الشاب ياسين معاش، الذي كان يشغل آنذاك منصب الأمين الجهوي لفاس-بولمان و الذي ترافع بإلحاح عن ضرورة خلق هذا الفضاء الهندسي قصد استقطاب فئة هامة من الأطر العليا للوطن حتى تتصالح مع العمل السياسي وتساهم فعليا في بناء صرح سياسي نخبوي و ذو امتداد جماهيري.

ومن هنا كانت الانطلاقة الرسمية لانخراطنا الفعلي داخل حزب الأصالة و المعاصرة وهو ما كلفنا غاليا، نظرا للصورة المشوهة التي نجحت الخطابات السياسية الشعبوية في ترسيخها لدى العامة و لدى العديد من الأطر النشيطة الذين ألفنا الاشتغال إلى جوارهم بالساحتين النقابية و الجمعوية و الذين لم يستسيغوا اختيارنا هذا. ومن ذاك الحين وحتى يومنا هذا ونحن نناضل من الداخل قصد إسماع صوت المهندس داخل التنظيم و نحاول بكامل قوانا الترافع عن لزوم توفير الحزب للمؤهلات الضرورية لتكوين مهندسين رائدين في التسيير و التدبير السياسيين.

و للأسف مرة أخرى، فبالرغم من إطلاقنا للعديد من المبادرات الهادفة و إسهامنا بأخرى، فقد اصطدمنا طيلة المسار بعقليات اقصائية أكثر منها تشاركية، استعانت دوما بمهندسينمجهولين في الساحة الهندسية أو مشهود لهم بالتملق و الانتهازية حتى تجهض من الداخل كل المبادرات التي قادها المؤسسون الفعليون للمنتدى و الذين تواروا هم أيضا، رويدا رويدا عن الأنظار و دون شوشرة لتفادي هدر الجهد و الوقت. فمن ضرب العبث أن ينتظروا نتيجة إيجابية من العمل مجددا مع نفس الأشخاص الذين كانوا السبب الأساسي لفشل ورش انطلق منذ سبع سنوات دون أن يحقق أية قيمة مضافة تحسب له.

و للأمانة التاريخية، فأسباب فشل منتدى الأصالة و المعاصرة للهندسة المغربية، و رغم اختلاف الأسماء و سيناريوهات الإخراج، تبقى نفس أسباب فشل باقي التنظيمات الموازية للحزب التي لم يتعدى إشعاع بعضها يوم تأسيسها. حيث دئب القائمون على التنظيم داخل الحزب فرض وصايتهم العمياء عليها إما عبر فرض أسماء غير مؤهلة لقيادتها أو لكبح أنشطتها بطريقة أو بأخرى. ولمزيد من البيان، فكلها أجهزة تكونت في تغييب تام للديموقراطية الداخلية التي عصفت بها التجاذبات والصراعات و التدافعات التي كانت تعرفها القيادة السياسية. حيث انحصر الهاجس السياسي خلال محطات تأسيسها في تموقع الحلفاء والاتباع داخل المكاتب التنفيذية وتعيين رؤساء الهيئات والتنظيمات مما خلف صراعات دائمة، وغيب الانسجام الضروري لتحقيق الأهداف الوردية التي زانت خطابات جموعها التأسيسية.

ودون الخوض في تفاصيل الصراع الحالي الذي يعيشه الحزب منذ استقالة السيد إلياس العمري و تولي السيد حكيم بنشماش مسؤولية حزب معطوب يعج بالصراعات الداخلية. فإنه لا يخفىعلى المتتبعين لحرب الاستنزاف هاته، أن أبطالها هم نفس الأسماء التي تداولت على تدبير شؤون الحزب منذ تأسيسه وكانت وراء تعطيل الميكانيزمات الديموقراطية داخله، خدمة لمصالهم و لمصالح أتباعهم الذين دأبوا خوض الحروب بالوكالة و رفع خطابات التجديد و التشبيب لذر الرمادفي الأعين ليس إلا.

كما لا يفوتنا أن نشير إلى تجربة عاشها منتدى الأصالة و المعاصرة للهندسة الوطنية بعد استيفاء مكتبه التنفيذي لولايته الأولى، حيث احتكم أعضاء هذا الأخير لقانونه الداخلي وقررت أغلبيتهم عزل الرئيس “المفروض” منذ التأسيس وتعيين المؤسس الحقيقي منسقا للمنتدى حتى عقد المؤتمر الثاني للمنتدى. فرفعت حينها صفارات الإنذار و هرولت العديد من القيادات لتعطيل قرار الأغلبية و تضامنت مع الرئيس المعزول و الفاقد للشرعية بتعيينه عضوا بالمكتب الفدرالي للحزب تحت ذريعة “نحن حزب كبير يرفض الانقلاب على قياداته تحت أي وجه من الأوجه”. وقد حدث نفس السيناريو داخل منظمة الشباب و تقريبا داخل منظمة النساء.

و استحضارا لتفاصيل هاته المحطة المفصلية بمسار منتدى أملنا حين تأسيسه جعله القدوة و الاستثناء، لا يسعني إلا أن أستغرب رؤية نفس القيادات التي وقفت البارحة في وجه التغيير رافضة لتطبيق القوانين المسيرة للحزب، بتعليل رفض الانقلابات ولو على شرعيات معيبة و مشروخة. تهرول اليوم للنيل من أمين عام صوتت عليه بأغلبية ساحقة داخل فعاليات الدورة 14 للمجلس الوطني للحزب.

و بناءا على كل ما سبق، فمن الأكيد أننا أمام ممارسات تكرس بوضوح للباطولوجية السكيزوفرنية المرفوضة تماما داخل العمل المؤسساتي، والتي يعاني منها العديد من الساسة مزدوجي الخطاب و الرافضين للتداول الديموقراطي على السلط بعد أن استباحوا نسف كل أبجديات العمل السياسي الشريف.

و بالتالي، لا يسعني إلا أن أعلن رفضي التام للاستمرار صامتا داخل هاته المهزلة و أصرح بها الآن علنا و للملء: لذلك البام، لا يجب أن نعود أيـا كان الثمن.

  • مهندس الدولة رضوان أستو

عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة و المعاصرة

مؤسس لمنتدى الأصالة والمعاصرة للهندسة الوطنية

Loading...