وشم في الذاكرة : ساحة جامع الفنا  ج1

*حاميد اليوسفي 
كل الطرق في المدينة تؤدي الى جامع الفنا
لا أدري من أين جاء اسم (جامع الفنا) الذي أطلق على الساحة .. سمعت الكبار  في ذلك الوقت يقولون بأن هذا الفضاء كان الى حدود القرن 19 سوقا كبيرا يمتد من باب فتوح الى الساحة وأضافوا أنه كانت تعلق فيه رؤوس المعارضين أو الخارجين عن القانون آنذاك لتردع الناس وتزرع فيهم الخوف من جبروت السلطة .. البعض أطلق عليها اسم جامع الربح على اعتبار انها سوق تجاري  وقلب المدينة النابض .. رئة  تتنفس منها مراكش اقتصادا وثقافة ومرحا وفكاهة  ..
مراكش في الستينيات من القرن الماضي مدينة صغيرة .. كنا نعيش داخل الأسوار باستثناء أحياء قليلة مثل جليز و سيدي يوسف بن علي  ودوار العسكر .. لا نخرج إلى بعضها إلا في الأعياد والمناسبات .. عندما كبرت اكتشفت أن بعض الناس لم يضعوا أقدامهم خارج الأسوار لمدة تفوق ثلاثين سنة أو أكثر …
جامع الفنا ساحة مفتوحة على كل الطرق المؤدية الى أحياء المدينة.. درب ضباشي ، الرحبة ، القنارية ، رياض الزيتون ، عرصة المعاش ، سيدي ميمون ، القصبة ، شارع محمد الخامس ، فحل الزفريتي ، باب فتوح ..
كل الطرق تؤدي الى جامع الفنا .. إذا دخلت إليها من القصابين ستمر بصف من المطاعم التقليدية تطهو وجبات محلية مثل الكرعين و الشواء ورؤوس الغنم المبخرة  وعلى يمينك دكاكين  تعرض النعناع وكل أصناف المخللات والزيتون والفلفل المصبر بطريقة تقليدية وعلى بعد امتار خلف سوق الجديد تعرض نساء يرتدين الجلباب ويضعن على وجههن نقابا شفافا يمر بشكل أنيق على أرنبة الانف  وقب يغطي الشعر ولا يظهر غير الحاجبين والعينين .. يتسابقن على السياح لعرض  قفف من دوم أبيض مزركش بالأزرق والأحمر والأخضر ..  وفي الجهة المقابلة مقهى فرنسا وبجانبه متجر السجائر و المارشي ومقر الهلال الاحمر  ثم الزقاق المؤدي الى رياض الزيتون
وإذا دخلت إليها من باب فتوح ستمر بأكشاك مقابلة لمقهى أركانة (السوربون سابقا)  ثم سوق الجديد وعلى يمينك  أكشاك اخرى منفتحة على الساحة .. متاجر صغرى تعرض منتوجات الصناعة القليدية للسياح .. وبجانبها على اليمين واليسار بعض المطاعم الشعبية المتحركة ثم أكشاك سوق الكتب التي كانت تحتل أكثر من ربع الساحة .. على هامش هذه السوق اشتريت عشرات الكتب أتذكر منها رواية العجوز والبحر لارنست هامنجواي وزوربا اليوناني لنيكوس كازانتزاكيس والوضع البشري لأندري مالرو بأثمنة رمزية …
أما الممر المقابل لبنك المغرب فتنشط به عربات الكاوكاو والزريعة والليمون … وعلى اليسار يقع المركز ثم الكوميسارية بجوار سور قديم لفضاء في ملكية عائلة القايد المتوكي مقابل لعرصة البيلك كانت تبيت فيه العربات اليدوية شُيد على أرضه فيما بعد فندق فخم  حمل اسم نادي البحر الابيض المتوسط  …
وبين مدخل شارع مبروكة ( البرانس حاليا ) والهلال الاحمر المغربي محطة طرقية مفتوحة على الساحة بها مقاهي ومطاعم شعبية وجراجات ومواقف للحافلات التي تقل المسافرين من مدن المغرب الى مراكش أو العكس .. وعلى يمين صيدلية الساحة يجلس الفوتوغراف الشهير قرب كاميرته التقليدية يطلب منك ان تقف على بعد متر ونصف او مترين اذا كنت طفلا وان تركز نظرك على عدسة تظهر في رأس صندوق مغطى بثوب أسود يدخل فيه رأسه وبعد لحظة يخرج دخان يحدث صوتا مثل صوت انفجار كيس من البارود يجعلك تقفز من مكانك اذا لم يسبق لك المرور من هذه التجربة ، فيكون قد التقط لك صورة بالأبيض والأسود وستعود إليها بعد حوالي ساعة أو ساعتين فتجدها جاهزة …
من أشهر المقاهي السياحية بالساحة في تلك الفترة مقهى جلاسييه ومقهى فرنسا ..
قطعت ساحة جامع الفنا لأول مرة وأنا طفل صغير رفقة والدي رحمه الله في بداية الستينيات من القرن الماضي وهو متجه الى عرصة المعاش قرب مقر حزب الاستقلال للاستماع الى خطاب ألقاه علال الفاسي .. لا أتذكر الشيء الكثير عن ذلك اليوم .. أحتفظ في الذاكرة بصورة قديمة باهتة بالأبيض والأسود  تتلخص في الحشود البشرية التي كانت تؤثث الساحة أو تمر منها .. أمسكت ذلك اليوم بقوة بيد والدي .. خفت من الضياع وسط هذا الزحام غير المألوف ..
الذهاب الى جامع الفنا مغامرة غير محمودة قد تنتهي بعقاب بدني شديد .. لم يكن مسموحا للأطفال بالذهاب الى الساحة .. في بيئة تقليدية لا بد من التدرج .. في العطل كان يُزج بنا في الكتاتيب القرآنية .. كل الدروب والأحياء يُدرس بكتاتيبها فقهاء لا يتسامحون مع الاطفال في حالة الغياب خاصة يوم الاربعاء (لاربعية) اليوم الذي يتقاضون فيه جزءا من أجورهم (4 ريالات) .. بعض الاسر تفضل إرسال أبناءها لتعلم صنعة يدوية كاحتياط في حالة التخلي عن الدراسة ..
لم نأت الى جامع الفنا بشكل فردي أو جماعي إلا بعد أن تجاوزنا عشر سنوات  تقريبا .. بدأنا نسرق بعض اللحظات ونتلصص على الحلقات .. الكبار في الاحياء الشعبية داخل الاسر التقليدية رسموا لنا صورا سوداء ومخيفة عن ساحة جامع الفنا .. ربما كانوا بحكم تجربتهم آنذاك يخافون علينا من عدوى سحرها التي قد تشغلنا عن الدراسة ..
عندما زرت الساحة متلصصا على بعض الحلقات ولأوقات وجيزة حتى لا أتعرض للمساءلة ، مستني عدوى الساحة .. عدوى تشبه السحر .. عندما تذهب الى جامع الفنا وأنت طفل في بداية الستينيات تحس بجاذبية تشدك الى عالم غرائبي وعجائبي ..
تستمع لجزء من قصة شعبية تشبه حلقة في مسلسل تلفزيوني  يسرح بك الخيال بعيدا .. طريقة الحكي التي يستعملها الراوي تنقلك وأنت طفل الى عالم الاساطير .. عالم يتصارع فيه الابطال مع قوى من الجان .. ترحل بك بعيدا عن الواقع .. أحيانا تنسى نفسك .. تتأخر عن موعد العودة .. تودع الساحة رغما عنك ..  ترجع الى الحي وصور الابطال تملأ خيالك حتى تكاد تسمع صيحاتها تختلط بصليل السيوف .. تحكي لأقرانك ما شاهدته وسمعته في الساحة .. تحاول تقليد الحكواتي .. تنشر العدوى من حيت لا تشعر …
يتبع
*أستاذ متقاعد، ومناضل في صفوف النقابة الوطنية للتعليم-فدش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *