التربية والقداسة والجمال

محمد بوبكري
           ليس الشعر أو الرسم أو النحت أو الرقص أو الموسيقى أو غيرها من الفنون تعبيرا عن الروح فقط، وإنما هو أيضا اكتشاف لأعماق الروح البشرية بما فيها من فرح وكآبة وحزن وبؤس  وجمال ويأس وصراعات وذكريات وآمال وأحلام… إنه رؤية إلى العالم، تمكننا من إدراك أبعاده وتفاصيله التي يمكننا أن نراها في الحياة اليومية، أو بواسطة العلوم…. وبالنسبة إلى الفنان والمتذوق، فالفن مجال لتطهير الذات باستمرار، ولتحقيق الأخوة بين البشر من جهة، وبين هؤلاء والطبيعة من جهة أخرى. إضافة إلى ذلك، هناك فنون لا تستعمل الكلام، لكنها تُحَول الأصوات والأشكال والألوان… إلى لغة عالمية..
  وهذا ما يشكل دليلا على خطأ دعوات جماعات الإسلام السياسي المعادية للفن ورفضها الاعتراف بالفنون مثل السينما والمسرح والموسيقى والتشكيل والنحت.. . لكن، أليست التجربة الدينية تجربة جمالية؟ أليس الجميل جليلاً والجليل جميلاً؟ أليس هناك  رابط بين جمال الأخلاق وأخلاق الجمال؟… و لماذا لا تكون التجربة الفنية، وكل تجربة إبداعية، تجربة دينية بمعنى ما؟…
         ذات يوم قال لي أحد طلابي: “إن الغرب غني ماديا ونحن أغنياء روحيا”، فأجبته: “إننا فقراء روحيا وماديا، لأن الغرب ينتج مئات الآلاف من الروايات والدواوين الشعرية والمسرحيات والقطع الموسيقية واللوحات الفنية والمنحوتات، كما أنه قادر على القيام بقراءات عميقة لتراثه الديني  والروحي تمكنه من الغوص فيه وإدراك معناه… ونحن لا ننتج إلا أشياء ضئيلة جدا في هذا المجال. وهكذا فإن حكمك على الحياة الروحية للغرب في غير محله، حيث إن الغنى الروحي ملازم للغنى المادي. وفوق ذلك، إن فهمنا للقرآن الكريم ظل محكوما بقراءة خطية تنهض على أساس نظرة ضيقة تكتفي بما يتراءى لها على السطح للوهلة الأولى، ولم نغص فيه عبر قراءة تأويلية منفتحة لنستخرج منه دلالته الحية العميقة الكامنة خلف المعنى الحرفي المباشر…”.
       وإذا نظرنا إلى رجال الدين في الغرب وجدنا أنهم لا يترددون في الاستفادة من هذه الفنون إلى أقصى الحدود. فهم يؤلفون المسرحيات، كما أن اللوحات الفنية الرائعة تغطي جدران الكنائس الغربية، بل هناك مدرسة مسيحية راقية في الفنون التشكيلية. أضف إلى ذلك أنه توجد في الغرب آلاف اللوحات والتماثيل الجميلة التي استلهمها مبدعوها من الديانة المسيحية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل لقد توسعت الكنيسة في استخدام الموسيقى،حيث يعزف رجال الدين على الآلات الموسيقية المختلفة، بل إننا شاهدنا ذات يوم  على شاشة التلفاز  البابا  يعزف مقطوعة موسيقية على آلة البيانو. وهكذا، أصبح الفضاء الديني الغربي متسما بجو روحي بديع  مشرق، حيث تساعد مختلف الفنون على تعميق روعة هذا الجو، الأمر الذي يَسهل نشر هذا الدين…
        إن القصائد التي كتبها جون ملتن، مثلا، منطلقا من العقيدة المسيحية، تعمق نظرة بعض المسيحيين المؤمنين إلى مسائل الكون والحياة والجنس البشري… وفضلا عن ذلك، لقد تمكن المسرح والسينما في بلاد الغرب من اعتماد الكثير من كتابي  العهدين   القديم  والجديد بشكل واسع، حيث ظهر في مجال السينما فيلم طويل  يحمل اسم “الإنجيل”. وبالرغم مما قيل عن هذا الفيلم وأخطائه، فإنه يشكل محاولة جريئة، كما أن السلطات الدينية في الغرب لم تعترض عليه.
      وإذا التفتنا إلى ما يجري في المجتمعات العربية الإسلامية، وجدنا أننا نفصل فصلا تعسفيا بين المسرح والسينما وبين القرآن الكريم وقصصه… ولا تتردد جماعات الإسلام السياسي في شن حروب ضروس على أي اقتراب بين القرآن وبين فن الموسيقى أو التصوير والرسم…
         وأظن أنه يجب أن يتغير هذا الوضع… ولتصحيح هذا الموقف وإزالة هذه القيود، ينبغي أن ينبري رجال الفكر والفن لتوضيح اتصال الدين بمختلف الفنون وعدم تعارضها مع قيمه ومبادئه…، بل إنها تخدمه وتساعده على أن يمد جذوره في أعماق الفكر والضمير والوجدان.
          ولتبسيط قصص الإنجيل وإضاءتها، تصدر في الغرب كتب للأطفال مليئة بالرسومات والصور التي تحكي هذه القصص وتشخصها، وذلك لكي تصبح ملائمة لمستوى نمو الأطفال، وتصير في متناولهم… إنها كتب رائعة ومؤثرة، لكننا، وخوفا من وعيد جماعات الإسلام السياسي التكفيري، نحجم عن بذل أي مجهود في هذا الاتجاه يجعل القرآن قريباً من الإنسان وقلبه…، ويسعى إلى توضيحه في ضوء العصر الحديث وما يحمله من أفكار وفنون جديدة…
          كلما تأمل الإنسان في تدريس الدين عندنا، وجده، على الصعيد النفسي والعقلي، مجرد ملء لأذهان التلاميذ بمجردات لا يفهمون غايتها، وصب للفكر والتعبير في قوالب جاهزة وجامدة، وتشجيع على التقليد في التفكير والتعبير. لكن التربية الحديثة تقدم الموضوعات ضمن وحدة عضوية، حيث لا تكون المواد الدراسية وحدات جامدة قائمة في ذاتها، وإنما هي عناصر متطورة ومتداخلة. وهذا ما يفسح المجال واسعا لتدريس الدين –بالإضافة إلى المادة الدراسية التي تحمل هذا الاسم- من خلال مواد كالأدب والمسرح والتاريخ والأخلاق… ولا يمكن كذلك تدريس الأدب والحس الفني والجمالي بواسطة المادة الدراسية التي تحمل هذا الاسم فحسب، وإنما أيضا من خلال مواد كالتاريخ والدين واللغات الأجنبية…. وإذا كان الإنسان هو محور العملية التربوية وغايتها، أدركنا أن الرابط بين المواد الدراسية هو ذلك العنصر الإنساني الذي تنطوي عليه؛ أي الثقافة الحية التي تتحول إلى جزء أساسي مكوّن للشخصية الإنسانية (أديب صعب).
      وعندما يتم تحرير القرآن الكريم من هذه العوائق التي تحول دون تدريسه بشكل سليم، فإننا لا نسيء إليه، بل نحسن إلى أنفسنا وإلى الدين الإسلامي الذي نؤمن به… وهكذا، يجب العمل على تقديم مسرحيات مستمدة من روح القرآن وقيمه، ولا ينبغي أن نتردد بتاتا في إنجاز هذا العمل، وذلك، لكونه يطلق سراح القوى الروحية العظيمة الكامنة في القرآن…، ويغمر بها قلب إنسان عصرنا وضميره ووجدانه…
           ولكي لا يكون الطريق إلى القرآن صعبا وشاقا…، ينبغي أن يتخلص من كل هذه القيود، وذلك تمهيدا للوصول إلى ما فيه من قيم عليا وجمال روحي وفني…

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *