الاستراتيجية الفرنسية بالمغرب، وبناء النخب: لمحة تاريخة.. الجزء الثاني

 

*حسن إدوعزيز

منذ وصوله إلى المغرب، بدأ ليوطي في تنزيل توصيات المبعوثين الفرنسيين ممن سبقوه إلى الامبراطورية الشريفة. فأبدى اهتمامه بالشباب الصاعد من أبناء النخب والأعيان الذين كانوا مستعدين للانخراط في السياسة العامة للحماية الفرنسية. وكان توجهه واضحا، وهو العمل على تفكيك بنيات المجتمع المغربي عبر سياسته الجديدة في مجال التعليم. كما يستشف من نشراته وقراراته الرسمية بهذا الخصوص، ويتماشى ونزعته الارستقراطية التي ظل وفيا لها، كأول مقيم عام، اختار مبدأ الاحتلال السلس بالتقرب من الشعب، واحترام نظامه وقيمه وعاداته، بدل استراتيجية الاقصاء والابادة.
لقد نحت سياسة الادارة الاستعمارية بالمغرب هذا الاتجاه على كافة المستويات. ومضت في إعطاء الانطباع بضرورة وأهمية التعاون معها من أجل انجاح الاصلاحات. وفي هذا السياق، عمل ليوطي على إنشاء أول مجلس أعلى للتعليم بالمغرب في يوليوز سنة 1916، سماه “المجلس الأعلى للتعليم الاسلامي”، وضم إليه أغلب الشخصيات المغربية. والتي كانت منخرطة في مسلسل التحديث منذ بداية القرن العشرين.. كالحاج التهامي اعبابو، وعبد الرحمان بنيس، ومحمد الحجوي، وعبد الرحمان برگاش، ومحمد بن عبد الهادي التازي، والحاج عمر التازي وغيرهم. رغم أنه مجلس نخب ظل دون صلاحيات واضحة في ظل التردد الذي لازم البدايات الأولى لادارة الحماية الفرنسية بخصوص فتح مصالح الاقامة أمام خريجي الثانويات الاسلامية.
وبحلول عام 1920، سيحسم الجنرال ليوطي في العلاقة بين إدارته الاستعمارية، ومؤسسة المخزن، وباقي فئات المجتمع المغربي. وسيصدر، في 18 نونبر من هذه السنة، مذكرته الشهيرة المعروفة ب”مذكرة الانعطاف” (coup de barre). وسيتعاطف من خلالها مع الشباب المغربي، مؤكدا بأنهم شباب “سيحسون مستقبلا بقيمتهم وقوتهم أكثر فأكثر، وبأنهم ليسوا برابرة أو جامدين، بل راغبين في الاطلاع على ما يجري في العالم”.. لأنهم طيعون ومتعطشون للتعليم، ويتسمون بكثير من الحيوية، وراغبون في الحركة وإدارة الأعمال. ويسترسل ليوطي في استمالة نخب الشباب المغربي للانخراط في المشروع الفرنسي، مبينا بأنها “إن تعلمت كيف تشتغل مع الفرنسيين، وتعتمد عليهم، فإن هؤلاء الفرنسيين سيستجيبون بدورهم لتطلعاتها وطموحاتها المشروعة، عبر توفير مناصب شغل جديرة بتاريخها وتقاليدها وقدراتها وأدوارها، وبرغبتها في بناء مستقبلها بعيدا عن التيارات العنيفة والثورية.”
ولعل هذا هو ما جعل النخبة التجارية التقليدية، من أعيان العاصمة فاس، تتأثر بهذا الخطاب الجديد. وتطالب سلطات الحماية بخلق قسم تجاري بثانوية مولاي إدريس. كمطلب استجابت له الادارة الفرنسية على الفور، بالشروع في التلقين التطبيقي لآليات التعامل التجاري مع أوربا لرواد هذه الشعبة من أبناء تلك النخبة. والهدف كان واضحا منذ البداية، وهو تحديث طرق العمل مع كبار التجار الفاسيين، وإدماجهم في نمط الانتاج الرأسمالي الأوربي، وتمتين ارتباطهم بشركات التصدير والاستيراد الاستعمارية.. وهو ما مهد لخلق فئة برجوازية كومبرادورية، استوحت مناهج تعليم أبنائها من التعليم الفرنسي، قبل توجيههم نحو الشعب التجارية لمعهد الدراسات العليا الذي سيتم إحداثه لاحقا.

*أستاذ، وباحث في التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *