الحقاوي والتعتيم المتواصل !

0 94

صار مؤكدا لدى عديد المغاربة أنه لم يعد هناك من جدوى لا في ممارسة العمل السياسي ولا الانخراط في الاستحقاقات الانتخابية، لاسيما في ظل مسلسل التعتيم وازدواجية الخطاب المتلاحقة حلقاته، التي يلعب فيها دور البطولة خلال سنوات ما بعد “الربيع العربي” قياديو ووزراء الحزب الحاكم “العدالة والتنمية”، سواء في الحكومة السابقة بقيادة عبد الإله ابن كيران أو الحالية تحت رئاسة أمينه العام الجديد سعد الدين العثماني.

فقد أثبتوا أنهم غير جديرين بثقة المواطنين من حيث إخلالهم بوعودهم الانتخابية وافتقارهم لأبسط مقومات التسيير، وأنهم ليسوا قادرين عدا على إثارة الفضائح وإشعال فتائل الاحتجاجات الشعبية، جراء اختياراتهم اللاشعبية الفاشلة وتدبيرهم السيء. ناهيكم عن التضليل والارتباك وضرب القدرة الشرائية للمواطنين والإجهاز على أهم مكتسباتهم، عوض اجتراح الحلول الملائمة لإصلاح منظومتي التعليم والصحة والحد من معدلات الفقر والأمية والبطالة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وابتكار أساليب حديثة تساهم في خلق الثروة وضمان العيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية…

ويأتي في إطار استفزازاتهم، ما ورد على لسان وزيرة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية بسيمة الحقاوي، خلال الجلسة الأسبوعية لمجلس النواب المنعقدة في 14 يناير 2019، حيث قالت ردا عن سؤال لفريق حزبها حول وضعية المشردين ببلادنا، أن عددهم بلغ 3830 منهم 241 طفلا  في عام 2018. معتبرة أن الظاهرة مقلقة ومحرجة للجميع، وأنه لا يمكن القبول بمثل هذا الوضع حتى لو تعلق الأمر بطفل واحد فقط. وكعادتها استرسلت في الحديث عن الحالة المؤلمة، التي دفعت بوزارتها إلى وضع سياسة عمومية مندمجة، تهدف إلى تأهيل البنيات والمؤسسات المستقبلة لإنقاذ هؤلاء الأطفال وحسن رعايتهم. ناسية أنها تتولى الحقيبة الوزارية ذاتها لولايتين متتاليتين وعلى مدى سبع سنوات، فماذا أعدت وزارتها لحماية أطفال الشوارع وانتشالهم من غياهب الضياع؟ ألا تعلم أن كل طفل مشرد هو مشروع قنبلة موقوته سواء في الإجرام أو التطرف؟

ولأن المغاربة يحتفظون للوزيرة بصورة سيئة عن تصريحاتها “الرعناء”، سواء تعلق الأمر بما سبق لها قوله عن كون كرة القدم أحد أبرز أسباب تشرد الأطفال، أو نفيها لوجود الفقر بالمغرب مدعية أن كل من يحصل على 20 درهما في اليوم، لا يمكن تصنيفه في خانة الفقر. أو ادعاؤها بأن “اللهطة” وغياب “ثقافة الطابور”هما من كانا خلف كارثة سيدي بولعلام التي أودت بحياة 15 امرأة وليس الفقر. فإن عددا كبيرا منهم تمنى لو تكون هذه المرة صادقة في ما أعلنت عنه من أرقام، خاصة أنهم شبه متأكدين من أن عدد المشردين بجهة الدار البيضاء- سطات مثلا قد يفوق بكثير العدد المذكور. فلم يصر “الباجدة” على محاولة طمس الحقائق، التي يكاد شعاعها يفقأ عيونهم؟

ثم أي رسالة تسعى إلى تمريرها عبر أرقامها “المفبركة”؟ هل تريد القول بأن ثمار برامجها نضجت، وأنها تسير في اتجاه ترجمة وعودها بإخلاء المدن من أطفال الشوارع إلى حقيقة ملموسة، وأنها مازالت عازمة على محاربة الظاهرة التي أمست تؤرق المضاجع وتجتاح الشوارع؟ فغياب أرقام رسمية حول العدد الحقيقي لهؤلاء الأطفال، الذي يتصاعد بوتيرة سريعة دون التمكن من التكفل بإيوائهم وإدماجهم في حياة جديدة، وتقديم ما يلزم من مساعدات حسب أوضاعهم الصحية والنفسية والاجتماعية، لن يعمل سوى على فسح المجال أمام تضارب الأرقام الخاطئة وتناسل الإشاعات.

وما فائدة وجود إحصائيات تفيد بأن عدد أطفال الشوارع يتراوح ما بين 30 و50 ألف طفل، ودراسات مشتركة بين جمعيات وطنية وأخرى أجنبية، تشير إلى أن عددهم تزايد خلال السنوات الأخيرة، وأن العاصمة الاقتصادية بمفردها تضم حوالي 8 آلاف طفل، وأن عدد الولادات التي تسجل يوميا خارج إطار الزواج يصل قرابة 150 طفلا يوميا، وأن عدد الأطفال المتخلى عنهم يبلغ 24 طفلا، أي ما يزيد عن 8 آلاف طفل في السنة يكونون عرضة للتشرد؟

فأطفال الشوارع هم أطفال دون سن 18، يعيشون بدون مأوى ولا يتمتعون بأبسط الحقوق. وهي ظاهرة اجتماعية متفشية ببلادنا، نجد من ينظر إليها كمصدر إزعاج، كما نجد من يرى في هؤلاء الأطفال ضحايا سياسات فاشلة ومجتمع قاس. يمارسون حرفا هامشية لضمان قوت يومهم، كتلميع الأحذية ومسح زجاج السيارات، التسول… يترددون على محطات القطار والمباني المهجورة والمحطات الطرقية وأمام إشارات المرور ومواقف السيارات والمساجد والمقابر. وكثيرا ما يتعرضون لاعتداءات جنسية فظيعة خاصة بالنسبة للفتيات.

وإذا كانت اليونيسكو تعزو الظاهرة إلى العنف الأسري والإدمان على المخدرات والكحول أو وفاة أحد الأبوين أو الطلاق وغيره، وأن بعض الدراسات تشير إلى أن ارتفاع نسب الفقر والهدر والمدرسي وتفكك الأسرة وغياب الدعم الحكومي من أهم عوامل انتشارها، فإن ملاحظين كثر يرون أنها تعود إلى فشل السياسات الاقتصادية، وما ترتب عنها من  ظلم وتهميش وبطالة وأمية وهجرة قروية، ساعدت في إهمال الأطفال وتعرضهم للعنف المستمر، فضلا عن غياب الموارد المالية والبشرية اللازمة لمكافحة الأزمة وانعدام الرؤية الاستشرافية، التي تقوم على آليات التنفيذ والمتابعة والتقييم لمحاصرتها.

إن وضعية أطفال الشوارع في تدهور متواصل، حتى وإن تعددت الآليات والهيئات الحكومية وغير الحكومية والمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الطفل. ولن تستطيع لا تصريحات الحقاوي ولا العثماني أن تحجب الحقيقة عن المواطنين، إذ بات واضحا أن السياسة المنتهجة في مجال الطفولة جد مرتبكة وبدون بوصلة، مما أدى إلى تفاقم أوضاعها رغم المصادقة على اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الملحقة بها، واحتضان المغرب لعدد من التظاهرات ذات الصلة بحقوق الطفل. مما يستلزم تظافر الجهود لتعزيز حماية الطفولة وجعلها في صلب السياسات العامة، تفاديا لهدر المزيد من هذه الثروة اللامادية.

اسماعيل الحلوتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.