ربيع أم خريف لمراكش العتيقة؟

بقلم : محاسن راسخ.
ترجمة: محمد ايت لعميم / تصوير : أحمد بن اسماعيل
أصبحت المدينة العتيقة لمراكش اليوم محط كل تساؤلات الخبراء ، و الساكنة على الخصوص ، وأيضا تساؤلات المتهممين مستقبلها و استمرارية موروثها. إنها بلا منازع ، المكان العالي للإكتشاف السياحي لأهل البلد و الزوار القادمين من بقاع الأرض وأطرافها ، فعلاوة على سحرها العجيب و الظرافة الجذابة لأهلها ، فإن جاذبيتها تدين  لتراثها  الثري ، المتراكم على أرضها عبر العصور. فتخطيطها المتشعب، المحير للبعض ، يدعو العابر من أزقتها الصغيرة لاكتشاف عالمها الذي ينسج في تلاؤم و تناغم بين الجمال و الزهد والبساطة برباط وثيق . فالمظهر الهندسي لأبنيتها المتلاحمة حيث الواجهات المشتركة تصون جمالها وحميميتها ، هو الشاهد  على العمارة الأصيلة الروحية بلا منازع . 
 
يخفي مركز المدينة العتيق لمراكش بين الأسوار موروثا حضاريا واسعا ومتنوعا، بصروحه الدينية و الروحية ، وقصوره العديدة ، ورياضاته الجميلة ، و حتى بمجموع الابنية المتواضعة ، كل هذا يمثل شاهدا ثمينا على تاريخها. أما اليوم، فهشاشة كنوزها العمرانية محزنة للغاية ، إذ معظم الأمكنة التي كانت من وراء شهرة هذه المدينة  الألفية تأثرت بصروف الدهر ونكباته وتلاشت ضحية سنوات طويلة من التهميش و الإهمال .
  فضلا عن ذلك،فمواد البناء و إجراءاته المتوارثة عن الأسلاف ، تبدو بعيدة كل البعد ، إذ لا يتم تبنيها في ترميم و إصلاح الأبنية القديمة ، فاجتياح البناء بالخرسانة شوه المدينة بطريقة ما ، و اعدم جمالها الحقيقي و أصالتها .أضف إلى ذلك ، أن تجديد الواجهات لا يعبأ بتاتا بتناغم المشهد العمراني. فالمظهر اللوني للمدينة اتخذ سبيلا  عجبا وتحول تحولا فيه نظر ، فاللون الأمغر المشهور الفارق الذي حافظ على الهوية الخاصة  بالمدينة منذ تشييدها ، اختلط في أيامنا هذه بفروق لونية مختلفة حد التناقض ، أصبح في الحقيقة ، متعذرا العثور عليه ، فلا أحد من الفرقاء الذين يشتغلون على المدينة  اليوم نجح في إعادة إخراجه و اكتشافه . إنها مأساة جمالية حقيقية!
 هناك سمة أخرى ذات دلالة لها صلة بحساسية تراث مراكش ، وهي ساحة جامع الفناء ، فبالنظر إلى اختفاء التظاهرات الشفهية من بهجتها اليومية ، نرى الساحة ضدا عن إرادتها ، عاجزة عن أداء رسالتها ، وقد بدأت تشكك اليوم في مدى  مصداقية  السمة التي اعطيت لها: ” تراث ثقافي ولامادي للإنسانية “.
مرة أخرى ، فمظاهر ازدهار التراث الشفهي تلاشت ولم تعد موجودة ، ورب قائل يقول بأن إعلان اليونيسكو سنة 2001 كان نذير شؤم. و كان بداية النهاية ، كان  اختفاء لتلك الأصالة التي كان  يتمتع بهاالحلايقية ،ولقدرتهم على إدهاش الجمهور في الساحة ، اختفت ألف ليلة و ليلة ، واختفت معها ملاحم العنترية و الأزلية …. إلخ .
 واليوم ، فإعادة الإعتباروتثمين النسيج العمراني القديم ونفائسه التي تتلاشى بالتدريج أضحى أمرا استعجاليا . فالأماكن  ذات الأهمية الكبرى في المدينة ، منسية ، متآكلة ،مهددة بالخطر ، تستدعي عملية مسؤولة للإصلاح. بالمقابل فالطرق المعتمدة في ترميم تراث المدينة لا ترقى إلى مستوى تطلعات الساكنة المحلية ولا تشبع انتظاراتها . فهل الترميم بالمماثلة الواجب اتباعه باعتباره معيارا لا يمس  ولا يخرق ، يتم التحقق منه في العمليات الملتزم بها في مختلف البرامج التي تعنى بمركز المدينة العتيقة ؟
من مثل هذه التساؤلات يتسرب الشك حول المردود النهائي، و بذلك يتوجب إحياء النقاش حول العراقيل التي مازالت تعاكس عملية صيانة تراث المدينة و طابعها التاريخي الذي ينحو اليوم نحو أفوله.
                                                 محاسن راسخ
إن تراث مراكش ، المادي واللامادي ، هو قاسم مشترك . و مسؤولية تعهده و الحفاظ عليه ، تلزم بالأساس  مختلف الجهات المعنية به ، وعلى وجه التحديد ،  الجهات الرسمية و المنتخبون و المتخصصون ، و خاصة الفاعلون في المجتمع المدني الذين كانوا من أوائل المنافحين عن قضية المدينة. إن الاستعانة بخبرة المتخصصين في تراث المدينة والجامعيين و الباحثين و الفاعلين الجمعويين، إضافة إلى المؤسسات بالطبع ، ستكون في مستوى إيجاد حلول ملائمة  للأسئلة  المختلفة المرتبطة بإشكالية إنقاذ التراث، و ذلك بمقتضى توصية اختتام الذكرى 30 لإعلان مراكش ” تراثا عالميا للإنسانية ” التي حبذت تأسيس هيئة من أجل المدينة القديمة .
لا ينبغي أن يغيب عن الرهانات الحقيقية و الرمزية التي تحمل هذه القضية ، قضية تراث المدينة القديمة : أولا ، الهوية الثقافية ، لأنه إذا لم نكن مسلحين بما فيه الكفاية و معززين بمعرفة عميقة بالتراثات ، فإننا سنعرضه لأضرار و شرور العولمة ، وإلى خطر الإجتثات والإستئصال.  ثم إن نظرة مندمجة لهذا التراث ستمكنه من تأمين استمراريته و جعله في خدمة أهل مراكش إذ ينبغي للتراث أن يؤمن لهم رضى وإشباعا ، و بحثا عن المعنى وتنمية ثقافية و اقتصادية تعود عليهم بالغنى المادي و الرمزي .   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *