يوميات الصحافي يونس الخراشي بروسيا. الحلقة (11)..اللسان الروسي.. اللغة فخر الوطن

يونس الخراشي

كنا نمضي نحو “فان زون”، التي تقابل ملعب لوجينيكي بموسكو، حين بادرني شاب روسي بالسلام. سألني:”هل أنتم من شمال إفريقيا؟”. قلت:”نحن من المغرب. مراكش”. ابتسم، وسأل مجددا:”وهل تتكلمون اللغة الفرنسية؟”. قلت:”هي لغتنا الثانية بعد العربية”. اقترب أكثر هذه المرة. قال بصوت أكثر وضوحا من ذي قبل:”أنا سعيد بلقائكم. كنت أتمنى أن ألتقي أشخاصا يتحدثون باللغة الفرنسية. وها قد التقيت بكم”.

كان في حدود الثلاثين. شعره أشقر. عيناه زرقاوان فيهما حمرة. يلبس سروالا مصنوعا من الثوب. وفوق القميص، المفتوح عقدته الأولى، عند العنق، بدلة عادية جدا. تظهر عليه علامات المدخنين. جزء من أسنانه مسه سواد السجائر. حائر متردد. يرغب في حديث مطول، بعد أن عثر على ضالته. ويخشى أن يكون ثقيل الظل، فنمضي لحاجتنا بسرعة ونتركه. تلوح من حركة يديه سعادة كبيرة جدا، تظهر عشقه للغة الفرنسية.

سأل مجددا:”أين تعلمت الفرنسية؟”. قلت له:”في المدرسة. فرنسا احتلت المغرب من سنة 1912 وحتى سنة 1956. وهكذا رسخت لغتها في بلدنا. وبعد ذلك بقيت لغة ثانية لكل المغاربة. وماذا عنك أنت؟”. فاجأه السؤال. لم يجد الكلمات بسرعة. تردد في الإجابة. ثم قال:”حاولت أن أتعلمها بنفسي في الجامعة. وكل يوم أتابع برامج في قنوات فرنسية. على الأقل ساعة كل يوم. لا أجيدها. ولكنني أحاول. إنها تعجبني كثيرا”.

ومع أننا كنا على عجلة من أمرنا. وقدرت أنه شعر بذلك، إذ انسحب زميلان من لقائنا، فإن الشاب الروسي تشبث بالأمل في إطالة عمر المقابلة. صافحته كي أذهب. لكنه استعمل تقنية اللامبالاة بالأمر. وقال مجددا:”الناس يعتقدون أننا في روسيا لا نعرف الفرنسية. وهذا ليس صحيحا”. وقلت له حتى ننهي لقاءنا وأذهب، وإن كنت أتمنى لو طال بنا حتى أفهم منه أمورا كثيرة تتصل به وبروسيا:”أنت ثاني روسي أصادفه في رحلتي يعرف الفرنسية. إنكم نادرون”. سارع إلى التساؤل:”هل هذا صحيح؟”. قلت:”نعم. كانت بائعة مكياج في كالينينغراد. من أرمينيا. ضاقت بنا السبل بين إنجليزيتي وروسيتها. وإذا بها تنطق بالفرنسية. وعرفت منها أنها تعلمت اللغة أثناء وجودها في الجيش، على سبيل التجنيد”. راق له ذلك. فقال لي:”Incroyable”. قلت:”Incroyable mais vraie”. سحره التعقيب بتلك الجملة، وكانت فرصتي كي أنسحب.

مع الأسف. الشاب لم يشبع من حديثنا. كان يرغب في المزيد من “إطلاق اللسان”. قال وهو يشد على يدي:”الناس؛ كثير من الناس، يعجبهم الوضع في روسيا. ولكن هؤلاء لا يفهمون الأمور على حقيقتها. فنحن؛ أي نعم دولة قوية وتتوفر على أشياء كثيرة. غير أننا نحتاج أشياء أخرى لها أهميتها”. لم يكن ممكنا، بحكم الوقت، وظروف السفر، أن أمضي معه وقتا أكثر. قلت له:”هذا يحدث في كل العالم. على الأقل أنتم لديكم دولة، وهي قوية. هناك من يحلمون بهذا فقط”. وانسحبت، وابتسامته تودعني. وكأني به يقول لي “لو بقيت معي هنا أكثر”.

بعدها، ونحن ندخل منطقة “فان زون”، حيث كانت جماهير البرازيل وكرواتيا تهدر مثل موجه البحر، تذكرت كل الروس الذين قابلتهم من بداية الرحلة. وتذكرت أيضا تلك الكلمات التي كتبت هنا وهناك في كل مكان، وحاولنا فك رموزها دون جدوى. قلت مع نفسي:”لماذا يعتمد هؤلاء لغة لا يفهمها إلا هم؟ لماذا يصرون على الإبقاء عليها وحدها للإشارة إلى الأماكن والأشياء، مع أنهم يدركون جيدا أن حروفها تخصهم وحدهم؟ لماذا لا يضيفون إليها، على الأقل، اللغة الإنجليزية، ليسهلوا مصاعب كثيرة على غيرهم؟”.

الجواب الوحيد الذي تلقيته كان في طيات الكلام مع الشاب الروسي نفسه. ألم يقل لي نحن دولة قوية؟ ألم يقل إنهم يتوفرون على أشياء كثيرة؟ نعم. وهذا بيت القصيد. فلهؤلاء حقهم في أن تكون لغتهم هي الوحيدة الأعلى، والتي لا يعلى عليها. ومن حقهم أن يتعلموا بها كل العلوم والآداب. ومن حقهم أن يفخروا بها، وهي محور الأدب العالمي العظيم. ومن حقهم أن يتعصبوا لها، وقد بلغوا بها عنان السماء علما وتقنية.

ولكن الشاب نفسه بدا متحمسا للفرنسية. كان أشبه بطاووس خرج من خم الدجاج لتوه، فإذا به يلتقي بطيور من صنفه. ما أن عرف بأنني من شمال إفريقيا، وزميلاي، حتى طرب فرحا. بالغ في الإحراج كي يطيل أمد اللقاء، ليحرك لسانه باللغة التي يحب. يعني ذلك أن هناك رغبة في تعلم اللغات العالمية الحية. ويؤكد أن هناك حاجة إلى التعرف على الناس بلسانهم. ويبين أن التعصب المغرق ليس جيدا. فاللغات مهمة جدا، وهي المفتاح على العالم. الفخر باللغة الأم أمر مطلوب، والتعلم بها ضرورة. غير أن الإبقاء عليها وحدها وسيلة وغاية ليس سليما. مهما كنت قويا، أنت تحتاج إلى الآخرين. ويتعين عليك أن تعرفهم.

سألت نفسي مرة أخرى، ونحن نمضي في اتجاه محطة الميترو:”لماذا كل هذه الأسئلة؟”. لا أعرف. ربما لأنني، ومن كانوا معي في رحلة المونديال، وجدنا في لغة القوم، بخطها المتفرد، مشكلة كبيرة في التواصل. ولأننا كنا، في كل مرة، نتلقى مساعدة من أحدهم، وقد بادر إليها مشكورا. يفعل ذلك بالإنجليزية، فنكتشف مدى إتقان هؤلاء للغة الأجنبية. وإذن، فالمسألة بسيطة جدا. خاصة أن روسيا فتحت ذراعيها للعالم كي يزورها ويشاهد كرة القدم، اللغة الأخرى العالمية. فلم يعد من داع للانغلاق اللغوي.

هل قلت إن الشاب الروسي تحدث عن بلده، وقال إن الغالبية لا يعرفون الحقيقة؟ نعم. وقال أيضا إن روسيا في الأصل حاضنة لجمهوريات كثيرة. وهذا أيضا يعني أن الدولة العظمى هي عظيمة بنفسها وبغيرها. وإذن، بلغات غيرها.

 

خراشو.. خراشو

تجعلك الحروف الروسية، وهي ترفع رأسها فخرا كونها الوحيدة المستعملة في تسمية الأشياء، أميا بامتياز. فكل شيء مكتوب بلغة واحدة؛ هي لغة القوم وفخرهم. وحتى محلات ماكدونالدز الأمريكية الأشهر من نار على علم، تكتب أسماءها باللغة نفسها. ولولا الهوية البصرية الشهيرة، ما عرف ارمء مثلنا طريقه إلى السمك، ليطعم من جوع.

تقرأ في موقع ويكيبيديا ما يلي: في اللغة الروسية 33 حرفا، اثنان منها لا ينطقان، ولثلاثين حرفا منها شكلان أحدهما كبير والآخر صغير. وتبدأ كل جملة وأسماء العلم والأسماء الجغرافية بحرف كبير. وتكتب الكلمات والجمل من اليسار إلى اليمين. وللحروف شكلان أحدهما مطبعي والآخر للكتابة.

وحين تكون بصدد السؤال، قلما تجد نفسك إزاء مخاطب يتحدث لغة أخرى غير الروسية. فالذين يستعملون الإنجليزية يفعلون ذلك تأدبا، ورغبة في المساعدة. البقية الباقية؛ وهي الأغلبية الغالبة، لا تستعمل غير الروسية لغة للحديث. وحين نقول الأغلبية، نقصد السائق، والبقال، والجابي، وغيرهم ممن تحتك بهم كل دقيقة. فهؤلاء لا مفر لك من الحديث مهم حتى تعرف إلى أين، وكيف. وهؤلاء لا تنفعك معهم غير لغة الإشارة. وغالبا ما يتدخل أحد العابرين؛ فالمساعدة عملة روسية بامتياز.

عندما ترى بعينيك اسم محل الأكلات الأشهر عبر العالم؛ ماكدونالدز، مكتوبا بالروسية فقط. لا تشعر بأي ضيم. وتفهم أن المسألة فخر وطني لا يناقش. فروسيا دولة عظمى، وبالتبعية لغتها عظمى. ومن يرغب في السياحة والدراسة أو العمل أو غير ذلك بهذه الدولة، فعليه أن يبدأ بإجادة لغتها. ولينطلق بعد ذلك، فلا عنصرية ولا ضيم. والمصعد الاجتماعي المتحرك بقوة خير دليل.

من محاسن الصدف، التي وضعها القدر في طريقي ونحن بروسيا، أن كلمة جيد، التي تستعمل حتى للتعبير عن القبول، هي خاراشو. وكم من مرة شكل اسمي العائلي، أثناء الحديث مع روسي أو روسية، مادة للبسط. فترى الناس يضحكون، وينطلقون إلى وجهة أخرى. نحو المزيد من المساعدة، وتذليل الصعاب. وأقول:”سباسيبا” (شكرا). ولا يمكن أن تنطلق دون أن تطرق أذنيك :”باجالستا” (على الرحب).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *