يوميات الصحافي يونس الخراشي بروسيا. الحلقة(10)..لوجينيكي في “كازابلانكا”..

موسكو :يونس الخراشي

 

ظل الإعلاميون المغاربة ينتظرون بحماس ما سوف يفعله الجمهور المغربي في ملعب لوجينيكي بالعاصمة موسكو. كان الشوق كبيرا للمباراة. فقد أعطى الحضور نفسه، أثناء المباراة الأولى بملعب سان بتيرسبورغ، انطباعا قويا بأن ما سيأتي سيكون أجمل. والمونديال، على كل حال، هو الجمهور. ولهذا فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم يعتبر دورة لكأس العالم ناجحة إن كان الحضور قويا في كل المباريات على السواء؛ وبخاصة إن كان ذلك الحضور فاعلا.

وقبل حتى أن يدخل اللاعبون المغاربة، وطاقمهم الفني، إلى أرضية الملعب من أجل التسخينات، فقد رفعت الجماهير المغربية حرارة المكان بأهازيجها وهتافاتها ومرحها. كانت تتفق بديهة على أهزوجة ما أو لازمة. ثم تبدأ الأصوات في التعالي شيئا فشيئا، إلى أن تملأ المكان، وسط إعجاب شديد من الباقين، وبخاصة من رجال ونساء الإعلام العالمي، الذين كانوا يلتفتون نحونا ليستفسروا عما يردده المهور المغربي، لينقلوه إلى القارئ والمستمع والمشاهد في بلدانهم.

أما لحظات عزف النشيد الوطني فكانت فارقة. عندها بكى كثيرون، خاصة في الطاقم التقني للاسود. أما الناخب الوطني هيرفي رونار فاهتزت مشاعره، حسبما قال في ندوة ما بعد المباراة ضد البرتغال. ذلك أن الصوت الواحد كان قويا جدا. وراح يتصاعد شيئا فشيئا كلما تقدم العزف، حتى إن الجمهور سبق التسجيل الصوتي إلى الخاتمة، مرددا بكل قواه “الله. الوطن. الملك”. وأتبع ذلك بالتصفيق الذي شد إليه الأنظار.

وطيلة تلك المباراة فعل الجمهور المغربي فعلته. كأنما هو في ملعب مجمع محمد الخامس بالدار البيضاء. بالطريقة نفسها، والروح ذاتها. ما أن يلمس لاعب مغربي الكرة حتى يدفعه بصوته كي يتقدم إلى الأمام، ولا يعبأ باللاعبين البرتغاليين، ولا بزعيمهم الكبير كريستيانو رونالدو. هذا الأخير الذي كان، لسوء حظه ذلك اليوم، يفاجأ بصفير قوي كلما لمس الكرة. فإذا به يقدم واحدة من مبارياته الهزيلة أداء، وإن كان فعالا ومنح منتخبه نقط الفوز من ضربة معلم واحدة لا غير.

 

 

اللاعبون يردون التحية..

جاءت شهادات اللاعبين المغاربة، وهم يمرون من المنطقة المختلطة للملاعب الثلاثة التي حلوا بها، لتؤكد أنهم تفاعلوا بقوة مع الجمهور المغربي، وأن الأخير أعطاهم شحنة كبيرة كي يخرجوا ما لديهم من طاقات إيجابية، ويظهروا بذلك المظهر الطيب في مبارياتهم. كلهم، ودون استثناء، أكدوا بأن الجمهور كان لهم سندا قويا. وكلهم قالوا إنه لا يسعهم إلا أن يعتذروا لهذا الحضور الكريم على الإقصاء المبكر. ومن أجهش منهم عقب الخسارة الثانية، بكى لأنه تأثر للجمهور وتأثر به.

المهدي بنعطية، وهو يتحدث مع الإعلام المغربي والعالمي، قال، في مناسبتين، بأنه فخور جدا بانتمائه، وزاد:”لقد قلت هذا الكلام لمرات. ولكن اسمحوا لي اليوم كي أؤكده. هذا الجمهور يستحق منا كل الإشادة. ونأسف له، لأننا لم نتمكن من منحه ما جاء يطلبه. فقط نكرر بأننا فخورين به، وأنه جمهور مثالي”. وهو الكلام نفسه تقريبا الذي قاله الفرنسي هيرفي رونار في مناسبتين أيضا. قال:”شعرت أننا نلعب في الدار البيضاء وليس في موسكو. لا أظن، ورغم قساوة الإقصاء، أن هذه اللحظات بمشاعرها ستنسى يوما ما”.

بعد المباراة الأخيرة، التي انتهت بالتعادل بين المنتخبين المغربي والإسباني، برز اللاعب الدولي فيصل فجر وهو يجول في ملعب كالينينغراد محييا الجمهور المغربي، وملوحا بالعلم الوطني. تحرك في كل اتجاه. انحنى احتراما. اتجه نحو المكان الذي ضم أغلبية مغربية، ثم راح يصافح الناس هناك. وحين كان يغادر، إذا به يقرر الرجوع. أهدى العلم الوطني لأحد من طلبوه. ولم يكن يدرك أن الإعلام العالمي يتابعه في تلك الأثناء، وأن صوره تملأ المساحات في الشاشات عبر العالم.

وفي المنطقة المختطة للملعب نفسه، توالى اللاعبون على الميكروفونات. أجمعوا كلهم على أنهم، إن كانوا يشعرون بالأسى بفعل الإقصاء، وبخاصة بفعل تحيز الحكام، فإنهم في مقابل ذلك يشعرون بالفخر. فإن كان أداؤهم أطرب الجمهور المغربي، بل العالمي، فلأن المغاربة الذين آزروهم من عزف اللحن لهذا الطرب.

 

السفير الحقيقي..

بعضهم بات ليلة أو ليلتين أو ليال في مكان عام أو حديقة. والبعض ضيع رحلة بالطائرة. والبعض منع من السفر إلى كالينينغراد بالقطار لغياب تأشيرة شينغن. والبعض خاب ظنه وقد جاء يحسب أن الروسيات الجميلات سيقعن في حبه من النظرة قبل الأولى. وغيره نال مطلوبه، وربط علاقة ود أو صداقة. أما الأغلبية الساحقة فكانت مثيرة جدا بانضباطها وامتثالها للقانون، وحضورها الأنيق.

لقد كان الجمهور المغربي سفيرا جيدا للبلد. أبرز علم المغرب في كل الأمكنة التي حل بها. أقنع، بطريقته الخاصة، ودون إرغام، الكثيرين كي يلبسوا القميص المغربي ويشجعوا الأسود. رسم الابتسامة على وجوه الروس وغيرهم. نال الاستحسان من الكثيرين، وبخاصة من الإعلام العالمي. خصصت له قنوات كبرى أكثر من دقيقة للحديث عن حضوره المثير. سوق اسم البلد. بعث رسالة إلى العالم مفادها أنه عاشق كبير للكرة، ويحب كل الناس الجميلين.

أثناء الحديث مع الكثير من الشباب المغربي، لمسنا أن الحضور الجماهيري الأنيق جعلهم يشعرون بالفخر كون تلك الصورة النمطية المحمولة عنهم في أذهان الناس هوت أرضا. قالوا إنهم الآن مستعدون ليسافروا إلى أي مكان يكون فيه منتخبهم، ويشجعوه بافتخار. أكدوا أن هذا المونديال سيحكون عنه لأهاليهم. والذين جاؤوا ومعهم أهاليهم قالوا إنهم سيحكون للغير، وسينصحون من جاؤوا معهم كي يفعلوا الشيء نفسه.

صورة المغاربة الذين جاؤوا إلى روسيا لكي يشجعوا المنتخب الوطني كانت تسافر في لمح البصر إلى كل أنحاء العالم. كان المواطن المغربي المقيم في أوروبا وأمريكا وآسيا وأستراليا أيضا يوثق اللحظات الطازجة، ويبعث بها عبر فيسبوك وتويتر وأنستغرام وسناب شات وغيرها، فتصل إلى المرسول إليه، لينشرها بدوره، وهكذا دواليك تلف صورة المغرب العالم. بفضل سفراء يحبون بلدهم ولا ينتظرون مقابلا لذلك.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *