يوميات الصحافي يونس الخراشي بروسيا/ الحلقة (05)..سان بتيرسبورغ لا تنام

0 98

يونس الخراشي

أظن أن عنوان رواية “الوليمة المتنقلة”، للكاتب الأمريكي هيرنيست همنغواي، يصلح لسان بتيرسبورغ أكثر من غيرها. نعم باريس باذخة الجمال. لكن مدينة القياصرة هي الجمال نفسه. فهي فوق أنها تحفة معمارية تصدع رأسك بما تعرضه عليك في كل حين، فهي فوارة بالحياة. باريس تتحدث، وسان بتيرسبورغ تطرب.

توجد سان بتيرسبورغ على طرفي النهر والبحر. في أقصى الشمال. قريبة من ثلوج الدول الاسكندنافية، ومن قرص الشمس. حتى إن ليلها لا يعرف إلا بأضواء الشوارع، أما سماؤها فتظل وتمسي مبتسمة. ولولا أنك تغلق النوافذ بالستر، لما تملكك النوم. ومن ينام في مدن كهذه في زمن كهذا، أحمق.

هي أصغر من العاصمة موسكو. لكنها أكثر حرارة إنسانيا. فالفصل البارد الطويل يفعل فعلته في الوجوه والعيون. الناس يدركون أن فرصتهم لا ينبغي أن تضيع هباء. يلبسون الثياب الخفيفة، ويتحررون من منازلهم، ليملأوا شوارع المدينة. يمشون لمسافات طويلة. ينسوا مطبخ البيت، ويقبلون على المطاعم.

لا يتركون شعاعا للشمس إلا وتصدوا له بابتسامة. عيونهم لا شزر فيها. كلها أفق مفتوح للحياة. وكم تظهر عليهم آثار النعم التي تحيط بهم. فيملأونك بالطاقة الإيجابية. وتشعر، معهم، بأن في الإمكان المزيد من السير، حتى وإن علمت بأن الشارع قد يكون الأطول في العالم؛ بمسافة 34 كيلومترا.

لا تتعب نفسك، وأنت في سان بتيرسبورغ، بالبحث عن حفرة في الأسفلت. ولا تضنيها بالبحث عن أزبال أو أوساخ. ولا تعييها بترقب مزامير السيارات، أو صراخ السائقين. فهنا كل شيء يسير وفق نظام تواضع عليه الناس. ولك أن تتخيل أي مدينة هذه التي تستقبل جماهير العالم، وهي تنظم المونديال، دون أن يظهر أمنها بارزا مميزا. فهناك أمن خفي. وهناك أمن صنعته العادة، وصار يمشي على قدميه، حتى لتشعر به يسير معك، مثل ظل جميل.

كنا نسير في شارع طويل جدا، بحثا عن شيء آخر. وحين عبرنا إذا بنا إزاء مدخل قديم، لحي قديم. البيوتات مغطاة بالقرميد الأحمر. وهناك بنايات غير مطلية ، من طوابق. ثم اكتشفنا أننا في سوق شعبي. أو لنقل دور حولها شباب خلاق إلى سوق، حيث تباع كل الأشياء بأثمان أقل مما هي عليه في الخارج.

التقينا مغربي مع زوجته الروسية. وفي كل مكان مغربي جميل وذكي. نصحنا بالصعود إلى سطح عمارة، بجانبنا، من خمسة طوابق. قال إن سطحها عبارة عن حديقة معلقة للراغبين في حمام شمس. ومنها يمكن رؤية المدينة كلها. ومن جاء إلى سان بتيرسبورغ ولم يصعد إلى هذه العمارة، ضاع سفره. ضحنا. وصعدنا.

ويا للمفاجأة. فالعمارة الخربة، بجدرانها المأكولة الأطراف، وأدراجها المسلوخة الخشب، وسقوفها المنهوشة، حولت إلى “مول صغير”. بل إلى مزار عجيب. فهناك مثلا مقهى في مترين. عبارة عن عصارة وأنواع منوعة من القهوة التي تحمص في الحين. وهناك محلات للملابس. وهناك سطح يتعين على من يرغب الوصول إليه دفع مبلغ بسيط. فالأمر يتعلق ببرج غريب. تحفة تشكيلية شبابية تتوسط قلب المدينة التحفة.

وجدنا أنفسنا، ونحن نصعد الأدراج الأخيرة، في سطح معلق على سطح. فقد صنع الشباب، الذين استقبلونا بالابتسامة والخدمة، إلى رفع قوائم من الخشب. ثم سمروا عليها أخشاب “حمالات الصناديق”. لتصبح معبرا خشبيا يمتص الطاقة السلبية، ويقفز بالمكان من الخرسانة إلى ما هو أعلى وأجمل، ويستحق الدفع لرؤيته، والرؤية به.

الله على جمال المدينة من فوق، وهي تستحم بالشمس. في كل اتجاه لقطة مثيرة. هناك بحر ونهر. وهناك كنائس بقباب مذهبة تجعل سان بتيرسبورغ سماء مقلوبة، بنجوم تغار منها الشمس. وهناك شوارع فسيحة. وهناك واجهات كلها تفتن بنقوشها وتماثيلها الصغيرة والكبيرة. وهناك ألوان لشدة تباعدها فهي متناسقة. وهناك الناس الذين صنعوا المدينة وهي تصنعهم، وتتصنع لأجلهم.

حين كنا في الفندق ليلا، ويقودك إليه زقاق ضيق قياسا إلى الشوارع الأخرى، وحاولت التقاط بعض الأنفاس من النافذة، وجدتني إزاء عالم حالم في الأسفل. الناس هم الناس، ما زالوا يمشون الهوينى، ويتسامرون، وينصتون إلى مطربي الرصيف. ومع ذلك، وفي غياب رجال الأمن، لا سباب ولا شجار، ولا قيء، ولا أصوات تزعج. وكأنك إزاء حلم فقط. حلم لا غير. وكا تبقى تفاصيل شوهدت نهارا، واسترجعها الدماغ ليلا.

وسرعان ما أشرقت الشمس بعنفوانها. خلت الشوارع لبعض الوقت. فيما كانت العاملة الوحيدة في الفندق العجيب، وهو عبارة عن شقة حولت غرفها الصغيرة إلى بونسيون، تتحرك مثل نحلة من هنا إلى هناك. لا تتوقف. وتوزع الابتسامات. أما وقد عرفت، وهي الطاتجيكية، أننا مسلمون، فقد زاد ترحيبها بنا. فرحت كثيرا. بدا فرحها في أسارير الوجه. وفي اليدين الممدودتين أكثر.

مغادرة سان بتيرسبورغ بسرعة أمر سيء وحسن في آن. مثل هذه المدن تستحق رحلة طويلة ومرشد جيد. يصعب أن تتعرف عليها بعبور طارئ. لاشك أن خباياها مثيرة. أليست هي العاصمة الثقافية لأوروبا؟ وعاصمة القيصر؟ ومدينة لينين؟ ومهد الثورة البولشفية؟

الواقع يقول إن غادرتها بسرعة أفضل، لأنها تفتن الزائر. وكم منهم غير رأيه في آخر لحظة، ومدد الإقامة. الإغراء كبير جدا.

يتبع عن أخبار اليوم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.