الدكتور عباس أرحيلة يضيف كتابا جديدا للخزانة العربية

 

كتاب بعنوان:

ملامح من السياق الحضاريّ للسيرة النَّبويّة عند الجاحظ، ضمن سلسلة روافد، الإصدار: 142 – ط1، يونيو 2017م/ شعبان 1438هـ – الكويت، وزارة الأوقاف والشئون الإسلاميّة.

(ومما ورد في مقدمة الكتاب).

… أمّا بعد؛

فهذه ملامحُ من السّياق الحضاري للسيرة النبويّة ، كما استقيتُها من آثار أبي عثمان عمرو بن بحر الجاح؛ كما دبَّجتْها يراعتُه؛ وجال فيها فهمه وذكاؤه، وأعربتْ عنها بلاغتُه وبيانُه؛ ضمن رؤيته الشمولية للوسط العربيّ، حين دخل معترك التاريخ؛ واستقبل آخر عهد للنبوَّات كانت البشريّة تترقَّبُه وتتطلَّعُ إليه…

فملامح السِّيرة هذه جاءت ضمن رؤية أحد أذكياء العالم، ومن شُهد له بالنبوغ في القديم والحديث، وممَّن خَبَروا  أوضاعَ المجتمع العربيّ، ورَصَدوا فيه انبعاث الدعوة المحمّدية في انسجام مع مرحلتها، بكل أبعادها الإنسانيّة والاجتماعيّة والدينيّة والثقافيّة، وممّن كانت لهم صولات وجولات في كثير من جوانب المعرفة، وممَّن كانت عيْنُه على مسار الإمامة السّياسيّة في الإسلام إلى زمانه.

ونتيجة لتكوينه العلميّ والمعرفيّ بالمجتمع العربيّ، ومتابعاته الدقيقة لكل ما يجري فيه؛ كان الجاحظ خير من رَصَدَ لحظةَ ترسيخ الهُوية الثقافيّة للأمة العربيّة، في فترة تفاعلها مع بقية ثقافات الشعوب الأخرى، ولحظةَ مواجهات للمدّ الشعوبيّ الذي جاء لإزاحة العنصر العربيّ عن موقعه الحضاريّ، والعملِ على نَسْفِ هُويَّته؛ إذ أصبحتْ له السِّيادة والقيادة آنذاك.

وكان الجاحظُ ذلك العقلَ الذي يراقب ما كان يجري في ساحة الفكر العربيّ علميّا وتاريخيّا واجتماعيّا وحضاريّاً وأدبيّا، مع ما يتناسب مع لحظة الانبثاق تلك من ضرورة تحديد المفاهيم في الثقافة العربيّة…

أكان بالإمكان أن لا تكون شخصية الرسول الأكرم حاضرة في عقل الجاحظ ووجدانه؟ ما كانت نباهتُه لتُحرَم من الانبهار بأرقى صورة للحياة البشريّة في تجلِّياتها الواقعيّة من خلال أقوالها وأفعالها ومواقفها؛ وهي تخوض معترك آخر مظهر للنبوَّة في التجربة البشريّة على الأرض، بعد حين من الدهر سادت فيه الوثنيّات، وتشوّهَ فيه ما بقي من الديانات؛ إلا بقايا عند أهل الكتاب.

وقد استجلى ملامح السيرة النبوية التي عرض لها، ضمن قراءته، لطبيعة الوسط الذي تمّ فيه استقبال الوحي، والذي انبثقت منه التجربة الإسلاميّة العربيّة في مسارها الحضاريّ العام إلى زمانه أواسط القرن الهجريّ الثالث…

في إطار إعجابه الشديد بالتجربة الحضاريّة للعرب؛ إذ العرب عنده أصل القيم الإنسانيّة في الوجود. ولا يرى أحداً يُدانيهم في هذه القيم بين شعوب الأرض؛ إذ « ليس في العرب للناس نظير»، كما يقول…

وجاءت محتويات السيرة النبويّة لديه ضمن محاولة لتعليل الظواهر والأحداث، ورصدها في سياقاتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والدينيّة؛ تبعاً لطبيعة تكوينه العلميّ، واطلاعه الواسع، وانفتاحه على بقية الثقافات… وبتأثير من نزعته العقليّة؛ سعى إلى تطهير السيرة من الروايات الخياليّة والقصص الواهية…

وهو في كل ذلك وغيره؛ يدعو إلى يقظة ضمير الأمة، يُذكِّرُها بمسؤوليتها التاريخيّة والمصيريّة في نصرة الدين الحق، والحفاظ على لغة الوحي في المسار البشريّ على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *