ما مآل متحف التراث اللامادي لساحة جامع الفناء !؟

د.محمد ايت لعميم

 

في مراكش تم التنظير لمفهوم التراث اللامادي وممارسته، والتنبيه عليه وعلى قيمته منذ زمان، قبل أن يظهر المفهوم و يرسم ويتم تداوله اليوم بشكل مفرط. قد يرجع ذلك إلى أن مراكش تعيش على وقع التراث اللامادي في يومياتها. حيث حباها الله بساحة مدهشة و عجيبة، ساحة جامع الفنا التي ظلت شاخصة تتحدى التحولات و التطورات و التغييرات التي عرفتها المدنية. وظلت تستقطب العالم، وتحولت من فضاء للفرجة و المتعة و التثقيف، إلى موضوع استهوى كبار الكتاب في العالم. بورخيس، خوان غويتسيلو، كارلوس فوينتس، الياس كانيتي، جورج اورويل، كلود اوليي، جمال الغيطاني، جاك ماجوريل، وينستون تشرشل، وقبلهم بكثير استهوت لسان الدين ابن الخطيب و الحسن اليوسي و اخرون. فكل من زار المدنية يفتتن بساحتها الخالدة، وكما قال اليمني بوعشرين ” وكل الناس لهم اليها محبة و اشتياق “. كتاب، فنانون، رسامون، مسرحيون، سينمائيون و عامة الناس.

هذه القيمة التي اكتسبتها الساحة، أولا، من روادها المبدعين الذين حافظو على التراث اللامادي المغربي المتنوع و أبدعوا فيه، وثانيا، من خلال الكتابات الرصينة حول الساحة، تفرض اليوم على مسيري شأن المدينة، إن يعووا جيدا درس الساحة، فالقيمة السياحية للمدينة هي هبة الساحة، أما الاعتراف الدولي بها فقد كان نتيجة لمسار قام به بعض مثقفي المدينة الذين أدركوا منذ زمان قيمة هذا التراث وصيانته و الحفاظ عليه.

فما أنجزته جمعية ديوان الأدب منذ بداية التسعينات و طورته في جمعيات أخرى كان يصب في مجرى التراث اللامادي و العناية به و صيانته و إشاعته بين الناس حتى أضحى نموذجا يحتذى في جمعيات أخرى اهتمت بهذا التراث.

لقد كان جمع المثقفين الذين تحلقوا حول الراحل خوان غويتسيلو من اجل الدفاع عن ساحة جامع الفنا لحظة فارقة في تطورات ملف التراث اللامادي، حيث كانت مساعي خوان الحاسمة بمعية أصدقائه المثقفين بمراكش قد أتت أكلها و توجت هذه المساعي بان اعترفت اليونيسكو بساحة جامع الفنا تراثا إنسانيا لا ماديا. ومنذ ذلك الحين سيصبح للساحة إطار اعتباري دولي وعالمي، لكن جرت تحت الجسر مياه كثيرة ولم تحقق الساحة حلمها، بل عرفت تقهقرا ونكوصا، وكادت تنمحي هويتها التي اكتسبتها عبر السنين، حيث تحولت إلى فضاء للبيع و الشراء، و أشياء أخرى، وتقلصت الحلقات، وخلت الديار:

أما الديار فإنها كديارهم           وأما نساء الحي فغير نسائها.

فاضت المائدة الزائدة ،وطردت الحكاية و السرود و الملاحم و التغريبات، و الأزلية، وألف ليلة وليلة، لم يخلق الرواد خلفا، ذهب  الإسلاف وكانت الأزمة في الخلف . تحولت الساحة الى ذكرى، ذكرى عهد قريب. فحين يتحدث المرء اليوم عن الساحة لا يجد ما يقوله ،فقط يشرع في التذكر : باقشيش، الصاروخ، فليفلة، طبيب الحشرات، الأزلية، الشرقاوي وبن فايدة لفطين واخرون، اصبحت الساحة فارغة الا من اشباحها . تحول هؤلاء الرواد الى اشباح ،ومع مرور الوقت  ومع هذا الفراغ، سيتحول هؤلاء المبدعون الفانون الذين عايشناهم  وحضرنا حلقاتهم الى تاريخ للساحة، نحن لا نريد أن تصير الساحة متحفا للأشباح، بل نود ان تتعافى و تعود الى سابق عهدها ونهضتها، نحن ندرك ان عقارب الساعة لا تذهب يسارا، فالزمن يجري ويجرنا معه، ومع ذلك لابد من حلول استعجالية، ينهض بها المثقفون و العرفاء بمعية المسؤولين على الشأن العام، و تدبير المدنية. وان تتضافر الجهود من اجل انقاد الساحة وتفعيل ديناميتها، و إزالة وجعها و إرجاع وهجها كما كانت في السابق. من المعلوم إن الساحة تشكلت منذ القديم بتلقائية الإبداع الشعبي، ومن الممكن  شطبها بقرار رسمي، وقد كانت هناك محاولات لازالتها عقب الاستقلال. والى عهد قريب كانت هناك محاولات بئيسة للتشويش عليها بمحاولة بنائها وتحويلها إلى سوق تجاري. كل هذه المحاولات باءت بالفشل وخسئت، لان الساحة تحمل مناعتها في ذاتها، قد تضعف هذه المناعة لكنها لا تزول، قد يصيبها الوهن لكنها لا تموت، ساحة جامع الفنا  طائر اسطوري، عنقاء مغرب، وهي طائر سمندل تزيده النار توهجا، كلما احترقت نمت وتجددت.

تحتاج ساحة جامع الفنا باعتبارها تراثا شفويا لاماديا، إلى مؤسسة متحفية ،تحمي ذاكراتها من التشوه و النسيان، وتعمل على إنشاء مرافق لخلق دينامية و استمرارية وتجدد، و اكتشاف المواهب صناع الفرجة  و الفرح، وضمان العيش  الكريم للفاعلين في الساحة، إذ قلة ذات اليد كانت من أسباب تراجع فعالية الساحة لفائدة مول الشكارة ،فالساحة على ما هي عليه الآن قد تضطر اليونيسكو إلى سحب اعترافها بعالمية الساحة، لان الأسباب التي دفعت اليونيسكو إلى تصنيف الساحة تراثا شفويا عالميا تقهقرت و انحسرت  إن لم نقل هي في طريقها الى الانقراض، فالمسؤولون على تدبير شأن المدينة مطالبون بجعل الساحة وتراثها أولوية،  ولذلك فان المكان الملائم، و المرتقب ليكون متحفا للساحة، هو بناية بنك المغرب تلك البناية الرائعة، بمعمارها الجميل،و الحارسة للساحة. محظوظة هي الساحة، إذ تخلى بنك المغرب عن هذه البناية لفائدتها كي تكون متحفا  عالميا يحرس ذاكرتها، وأتساءل  باستغراب عن الأسباب التي أبطأت في إخراج هذا المتحف إلي الوجود، علما ان هذا المتحف يندرج ضمن مشروع مراكش الحاضرة المتجددة ،بالفعل نريد لهذا المشروع ان يرى النور، أن  يجدد المدينة  لا نريده أن يتحول إلى مراكش الحاضرة المتعثرة ،فهذا البطء و  والتلكؤ مريب.

وكما لا يخفي على المتتبعين لهذا المشروع انه كان من وراء إعفاء مسؤولين لم يرقوا إلى التطلعات المطلوبة، ولذلك نهيب بالمسؤولين ان يسرعوا من وثيرة العمل لإخراج المتحف الذي كان فكرة من الأفكار التي دافعنا عنها منذ مدة، و ظلت الفكرة تنضج  حتى جاء مشروع مراكش الحاضرة  المتجددة .  ونتمنى  ان لا تنضج  الفكرة أكثر من اللازم حتى يصيبها العفن وتسقط كما تسقط تفاحة نخرها السوس، و تعلمون قصة التفاحة التي أخرجت آدم من الجنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *