جعفر الكنسوسي : زهرية مراكش 2018 .. بماذا يحلم زهر الكتبيين ؟

 

لما اقتعدت مدينة مراكش السهل البسيط المديد قبل ألف عام اتخذت لمعاهدها  أسماء بعينها كالجنان و العرصة و الرياض و الروضة و تشبهت بالجنة فأدارها  مسوروها بثمانية أبواب بعدد أبواب الجنة، و نقشوا في أعلى الحيطان بباب أكناو، باب الغريب، الآية : أدخلوها بسلام آمنين. وكأن الوافد مدعو لدخول الجِنان، وحينما نلج الحمى العتيق، لننتبه لجامع الكتبيين بأبوابه الثمانية مجددا !

دخلت يوما صحن الكتبيين وفصل شتائنا يوشك على الانتهاء، فوجدت أشجار الزنبوع (النارنج) به تضوع نفح طيبها قبل الإبان. فتساءلت بماذا يحلم زهر الكتبيين؟ فالشجرة تحلم في عرف الغراسيين إن فاح شذاها قبل الوقت في عام ما، علما أنه ليس كل من يرقد يحلم بما يريد.. إلا أن عبق الزهور مدامة تغمر الكيان، والذي شم لا يدرك بالذوق ما يهتاج في صميمه إلا بالمعايشة، و قد
فاضت عليه النسائم البواكر من ربيع مراكش و ساقه سائق السعادة إلى المعاهد الفواحة و صادف المسالك الغامرة بالأرج المعترض.


أيام  الزهر بمراكش تتنزه عن أيام عادتنا . أيام سعود عادت و تعود  فاحْتْ زْهارْ البهجة ثاني ونسامْ العيدْ بالربيع الزاهي فْلْوانُ عادَتْ بعدْ البيْن.
و هي لازمة قصيدة الزهرية من نظم شاعر الملحون سي أحمد البدناوي، حكيتُ له قصتي،  ملحمة الزهر بمراكش قبل عامين فاهتز لها و نظمها في قصيدة باهرة وهذه لازمتها.

ما أسميه الزهرية أحببنا أن تنتبه إليه المدينة عند حلول كل فصل ربيع، لسنا مطالبين إلا بالإنتباه إلى مراسم جميلة عتيقة، كالموجود المعدوم، لا نرى منها إلا  نتاجها العطري فقط، مراسم نسوية  و هو  سر نجاحها، تمشي فوق رؤوس العصور و مضنون بها على غير الأهل . تلقنه الأم  لبنتها. طريقة عمل موصولة بعالم خصوص يحسن بمن تباشرنه أن تتكتم على طقوسه الجميلة والمسرارة . فتقطير ماء الزهر عالم خاص بالنساء بالأصالة .  و الفضل في مقاومته الاندراس  يعود للعقل النسوي الكيس الحكيم.  لديه الوقت و الإصطبار.


فهذه المراسم لم تقو مظاهر الحداثة البليدة على محقها ولو أنه حبيس سجنين: تحفض الكتمان و كراهية زماننا الزربان.

فأعيد التساؤل بماذا يحلم زهر الكتبيين ؟

قيل إن مراءي الكتبيين سِفر من المنامات باكمله وأميز من بينها ذلك العيد الذي تُرجِعه لازمة القصيدة .


لا شك أنها دعوة عريضة تلك التي تؤمل إنشاء عيد جديد اقتبالا لربيع مراكش بزهره الفواح ومنة أيامه.

نود في الحقيقة أن نحتفي برقة هذه الموسمية وبلطائفها حتى يقول المرء إني ذاهب إلى زهرية مراكش  و في خلده أنه يقصد التوجه إلى مراكش في تلك الأيام الفواحة التي تحل في ربوع مدينتنا كالضيف أو كالطيف.
يتمنى أن يقتني حظه من ماء الزهر وتخامره أرواحه. روح الزهر سلطانه لا يُجارى وكأنه أشد وقعا و أسعد مما يصنعه حاكي ليالي ألف ليلة وليلة بساحة الفناء.
إلا أن إنشاء الأعياد للأمم و المدائن ليس بالهين، ولا يقدم عليه اليوم إلا عقلاء المجانين.


فإرساء عيد جديد في حاضرتنا المتجددة يقتضي ما يقتضيه. فإنشاء الأعياد أختص به الأنبياء و الأبطال في الملاحم الأسطورية، وإني  لأعجب أن أسلافنا لم يقيموا عيدا للزهر! فهانحن في جمعيتنا لازلنا ندندن حول الحِمى و نقلِب أبصارنا بين الأرض و السما .

 فشؤون أهل مراكش مبنية على التحلي بالصبر و تجديد العمل فجعلوا أول أبطالهم و عين أكابرهم الرجل الصبور سيدي يوسف بن علي بل حتى الدقة المراكشية تلقنك الإصطبار بل و حتى الطنجية طهيها يقتضي قطع ليلة كاملة على الجمار في غيهب الرماد.  شأنها شأن ما نحن بصدده، تقطير الزهر بعد تصعيده على شاكلة جابر أو ما تبقى من آماله في أن يصير قصدير النفوس ذهبا خالصا.

فماذا قد يتبقى من زمننا هذا؟ لربما هذا العيد عيد الزهرية إن كان كتب في حسن طالعنا , فقاتل بسعد وإلا فدع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *