المستشار ابراهيم بوحنش يكتب عن السؤال التنظيمي ومستقبل حزب العدالة والتنمية

 

إن التطور الجماهيري الذي عرفه الحزب خلال العقد الأخير، وتبوأه صدارة المشهد الحزبي بالمغرب، لم يوازيه بنفس القدر تطور تنظيمي ومؤسساتي لتحديث الحزب وجعله قادرا على استيعاب طاقات جديدة نشأت خارج محاضن الحركة الإسلامية وتأهيلها تنظيميا وسياسيا، فنفس الفلسفة التي حكمت نشأة التجربة الحركية للحزب، لا زالت هي التي تحدد العلاقات ببن الأفراد والمؤسسات على مستويات التكوين والتنخيب وتحمل المسؤولية. إن حزباً جماهيريا يطمح ليصبح حزبا عصريا، كما نصت على ذلك ورقة توجهات وأولويات المرحلة المصادق عليها في المؤتمر الوطني الثامن، يقتضي عصرنة المنظومة التنظيمية للحزب بشكل يتماشى مع تطوره وتغير موقعه السياسي.

1. من أجل حزب عصري بهوية واضحة:

فإذا كان من الجلي أن حزب العدالة والتنمية محافظ مجتمعيا، فعلى المستوى الاقتصادي نجده تارة يتبنى الليبرالية وتارة يدعو إلى سياسات اجتماعية وتارات أخرى يستعصي تصنيف برامجه بشكل واضح. فالبرامج الانتخابية للحزب حكوميا أو محليا افتقدت دوما لهوية سياسية واضحة، وكثير من الحالات كنا نجد الشيء ونقيضه.

إن حزب العدالة والتنمية بلغ من النضج ما يجعله مطالباً بتوضيح هويته المجتمعية والسياسية والاقتصادية مما يجعله مستقبلا قادرا على بناء وصياغة برامج منسجمة يستطيع أن يبني على أساسها تحالفاته المستقبلية سواء على مستوى الحكومة أو البرلمان أو الجهات والجماعات.

أ. العدالة والتنمية حزب وطني، محافظ، ذو مرجعية إسلامية تتمثل في الدفاع عن القيم الإسلامية المغربية في الدين والثقافة والأسرة، والحفاظ على الوحدة الوطنية السياسية والترابية في إطار ملكية برلمانية ديمقراطية.

ب. العدالة والتنمية حزب الوسط الديمقراطي الإصلاحي يتبنى الحرية في إطار الوحدة، والمساواة في إطار التنوع؛ ويعمل من أجل الإصلاح المستمر للدولة والمجتمع في تدافع مع قوى الفساد والإستبداد؛ ويناضل من أجل بناء ديمقراطية تعددية ومتوازنة من داخل المؤسسات الدستورية.

ج. العدالة والتنمية حزب ليبرالي إجتماعي، يعمل من أجل بلوغ دولة الحق والقانون؛ ومن أجل الرقي بالأفراد وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ عبر تشجيع المبادرة الحرة والملكية الفردية؛ وتوفير الوسائل والإمكانيات لكل أفراد المجتمع من أجل التأقلم المستمر مع متغيرات السوق وذلك عبر التوفر على نظام تربية وتعليم وتكوين مهني فعال؛ نظام صحي يمكن كل أفراد المجتمع من الولوج للتطبيب والرعاية الصحية؛ وسوق شغل مرن مع ضمان رعاية وحماية إجتماعية؛ في بناء مؤسساتي يعتمد الجهوية واللاتمركز؛

2. من أجل حزب لاممركز يواكب الجهوية المتقدمة:

منذ ولادته الثانية اعتمد حزب العدالة والتنمية اختيار الحزب المركزي الذي تحدد قيادته الوطنية اختياراته الكبرى ومرشحيه للبرلمان وطبيعة تحالفاته في الحكومة والجهات والمدن الكبرى. وباعتماد الدولة المغربية خيار الجهوية المتقدمة واللامركزية واللاتمركز الإداري كمبدإ دستوري، أصبح الحزب اليوم مدعوا لحقيق التوازن بين المركز والجهات والفروع في توزيع الصلاحيات التنظيمية، وذلك بنقل عدد من صلاحيات الأمانة العامة والمجلس الوطني والإدارة العامة للكتابات والمجالس والإدارات الجهوية للحزب ولاسيما في ما يخص التزكية في اللوائح المحلية في الإنتخابات البرلمانية والإنتخابات الجهوية، وللكتابات والمجالس والإدارات الإقليمية للحزب في الإنتخابات الجماعية والإقليمية. بالإضافة لتحديد طبيعة التحالفات على مستوى مجالس المدن والعمالات والأقاليم والجهات.

3. من أجل تعزيز الديموقراطية الداخلية تنافس جدي على المسؤوليات التنظيمية والسياسية:

جل أدبيات وأعراف العمل التنظيمي للحركة الإسلامية، تم صقلها ونحتها وصياغتها في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وهي نفسها التي انتقلت إلى العمل السياسي ذي المرجعية الإسلامية.

نحن الان على مشارف نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، وأظن أننا في حاجة إلى مراجعة عميقة لتلك الأدبيات والأعراف التنظيمية، ليس فقط بسبب مضي الزمن، ولكن لأن التحولات الجيلية والقيمية تسارعت بشكل كبير جدا منذ مطلع هذا القرن، هي دعوة إذن بمناسبة الحوار الداخلي إلى تدشين هذه المراجعة في مجال العمل السياسي وبالخصوص في القوانين وآليات التدبير التنظيمي.

فمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى الحزبي تنظيميا وسياسيا يصبح صعب التحقق باعتبار الأشخاص المعنيين يتواجدون في تلك المسؤوليات بترشيح الجماعة، ويتنافى والمبدأ الدستوري التي يكفل للفرد حق الترشح. بالتالي أصبح الحزب مطالبا بضرورة تجديد هذه المنظومة.

فمن جهة أولى أقترح تطوير المسطرة الجديدة التي تم اعتمادها في عملية انتخاب الأمين العام خلال المؤتمر الأخير. في مرحلة أولى بإلزام المرشحين غير المعتذرين من أخد الكلمة قبل بداية التداول لبسط مشروعهم؛ وفي مرحلة ثانية منح الأعضاء المؤهلين، بناء على حصولهم على حد أدنى من توقيعات أعضاء الحزب، من حق الترشح والدعاية لمشروعهم وبرنامجهم قبل المؤتمرات والجموع العام للجان الترشيح؛ مع الحفاظ على حق الأعضاء في التداول حول مشاريع المرشحين وقدراتهم وكفاءتهم في تنزيلها.

ومن جهة ثانية، فدخول الحزب لمعترك التدبير من الموقع الحكومي والبرلماني والجماعي، جعل الحزب مرتهنا في كثير من المواقف لاكراهات التدبير خاصة في ظل الأفضلية التي يتمتع بها منتخبو الحزب ووزراءه، بصفتهم هذه، في المؤسسات والهيئات الحزبية. مما يستلزم تغييرا في اتجاه العدالة في الولوج لهذه المؤسسات والهيئات بين جميع أعضاء الحزب عبر الانتخاب مع إلغاء حالات التنافي التنافي التي تمنع المسؤول السياسي من تقلد مسؤولية تنظيمية. ومن حصر العضوية بالصفة في هيئات وهياكل الحزب للمسؤولين التنظيميين دون المسؤولين السياسيين. وأقصد هنا بالمسؤولين التنظيميين الكتاب المجالين أو أعضاء الكتابات المجالية ورؤساء المجالس المجالية ورؤساء هيئات التحكيم ورؤساء فرق المنتخبين.

4. من أجل تأهيل النخب السياسية والتنظيمية

الحزب بعد تطوره في ولوج المسؤوليات التدبيرية، اعتمد أجهزة إدارية، وخلق هذه الوظائف جعل أغلب العمل التكويني منصبا على الوظائف الإدارية والمالية بينما عرفت الجوانب المتعلقة بالتأطير السياسي وتأهيل نخب الحزب وإعدادها لتدبير الشأن العام، تراجعا كبيرا. هذا ما يستوجب خلق توازن بين الوظيفتين السياسية والإدارية عبر تأهيل النخب السياسية وخلق فضاءات مخصصة لهذا الغرض، على هذا المستوى أقترح تأسيس موسسة عبد الكريم الخطيب للعدالة والديمقراطية كمؤسسة للتفكير وانتاج السياسات، وأكاديمية عبد الله باها للتأهيل السياسي كمركز لتكوين النخب الحزبية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعزيز كفاءاتهم القيادية لإعدادهم للتدبير العمومي المحلي والجهوي والوطني.

هذه بعض من القضايا التي أعتبرها ضرورية للحزب في هذه المرحلة الدقيقة للنهوض بالأداء التنظيمي واستعادة المبادرة.

التعليقات

أضف تعليقك

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *