هل انتهى زمن تسريب المخدرات للسجون؟ !

 

حسنا فعلت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بإصرارها على إغلاق ما ظلت تعتبره منفذا تتسرب منه مختلف الشرور إلى السجون المغربية، عبر إقدامها دون تردد يوم 30 أكتوبر 2017 على إصدار قرار المنع النهائي ل”قفة السجين”، في سياق استراتيجية وطنية تروم إعادة تدبير شؤون المؤسسات السجنية، بعد أن عمدت في مرحلة أولى إلى حصر التجربة في عدد محدود من السجون فوق التراب الوطني، متخذة كافة الإجراءات الكفيلة بضمان حاجيات النزلاء ومراعاة ما تشكله قفة المؤونة من بعد إنساني ورمزي في المناسبات الدينية بوجه خاص.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن هذا القرار ليس هو الأول من نوعه، إذ سبق اتخاذ قرارات مماثلة في تسعينيات القرن، بغرض منع إدخال المواد المتوفرة في المتاجر المحدثة داخل السجون إلى جانب مطاعم خاصة بإعداد السجناء وجباتهم الغذائية، تفاديا لاندلاع الحرائق بالزنازين. لذلك فلا غرو أن يخلف ردود أفعال متباينة لدى العائلات المعنية، إذ بقدر ما لقي صدى طيبا في أوساط الفئات الفقيرة والهشة، لما تكلفها الزيارات الأسبوعية من أعباء وتكاليف مالية، بالكاد تستطيع توفيرها. بقدر ما استنكرته عائلات أخرى معتبرة أن منع قفة المؤن يراد به قطع حبل التواصل بين السجين وأهله، فضلا عما أثاره من احتقان شديد واحتجاجات صاخبة في عدة سجون من طرف الرافضين، بدعوى أن المتاجر الموجودة لا تتوفر على عدة مواد ضرورية، ورداءة وجبات الشركات الخاصة وقلة الكميات الممنوحة، مما اضطرت معه إدارات مجموعة من السجون إلى مواجهتها بصرامة وعقوبات جماعية وفردية. والقفة رغم أنها غير منصوص عليها في قانون السجون، كانت هذه الأخيرة تتساهل في إدخالها شريطة ألا تشمل أشياء محظورة، ولا تتعدى الملابس والأغطية والوجبات الغذائية والفواكه والصحف والكتب…
وحسب المسؤولين، فإن قرار منع القفة جاء في إطار السعي إلى تحقيق جملة من الأهداف النبيلة، وفي طليعتها الحيلولة دون تسرب الممنوعات من مخدرات وهواتف نقالة وآلات حلاقة إلى قلب السجون. بعدما تبين انزياح القفة عن بعدها الإنساني، من خلال ضبط مصالح المندوبية في عدة مناسبات هواتف موضوعة في مواد التغذية، وحشو المخدرات في الفواكه والخضر والبيض وعلب السردين… والتخفيف عن عائلات المساجين الفقيرة من عبء التنقل بين المدن والكلفة المالية الباهظة، بالإضافة إلى ترشيد الموارد البشرية وتوجيه الجهود نحو ما هو أهم، عوض تصريفها في تفتيش القفف عند الدخول ومراقبتها أثناء الخروج، لاسيما أن المؤونة تتكفل بها الإدارة السجنية. حيث قامت المندوبية العامة بتفويت مسؤولية إطعام النزلاء إلى شركات خاصة، وفرت تجهيزات لوجستيكية وموارد بشرية، قصد تحسين مستوى الكم وجودة الوجبات، طبقا لما تنص عليه المواثيق الدولية في هذا الاتجاه.
وبدورنا لا يسعنا إلا أن نثمن عاليا هذه الخطوة الجريئة في انتظار أن تليها خطوات أخرى، ونشدد على ضرورة تعزيزها والتصدي لكل المحاولات الرامية إلى إفشالها، ليتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ونرى إن كان مشكل اجتياح المخدرات للسجون يعود فعلا إلى “القفة”، أم هناك ما وراء الأكمة. إذ كيف لا نشجعها ونحن يهمنا النهوض بشؤون المؤسسات السجنية، في ظل ما بات يصلنا من أصداء مقلقة وما تصدره لنا من كوارث بشرية تنشر الرعب بيننا في أحيائنا وشوارعنا؟ فرغم كل ما بذل من جهود وإصلاحات، مازالت التقارير ترسم صورة قاتمة عما يجري خلف أسوار سجوننا، ويؤكد على أن سياسة إعادة إدماج السجناء لم تؤت بعد أكلها، ليس فقط على مستوى الاكتظاظ الحاصل وضعف الموارد البشرية، والفراغ القاتل في غياب الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية، وسوء التغذية والمعاملات، والاعتداءات الجنسية ومحاولات الانتحار، وتفشي الرشوة والمحسوبية… بل إن الأخطر من ذلك كله، هو ما تشهده من انتعاش تجارة المخدرات بشتى أنواعها والمشروبات الكحولية وترويجها على نطاق واسع بين السجناء، وما يترتب عنها من مخاطر، لاسيما أن هناك شبكات منظمة تعمل من خارج السجون بتنسيق وتواطؤ مع أسر النزلاء ورفاقهم وبعض الموظفين…
فالكثير من المواد المحظورة تعبر بسلام ونادرا ما يتم إحباط بعضها والقبض على المتورطين، حيث برع الزوار في استغلال القفة لتمريرها، كما يعمد الموظفون إلى أساليب دنيئة في القيام بذلك، تحت إغراءات ما يدره ترويج المخدرات من أرباح خيالية، خاصة عند اشتداد المراقبة والتفتيش، حيث تكاد عمليات التسريب لا تتوقف كلما حلت مواعيد الزيارات. فهل يعقل أن نجد موظفا بسيطا يمتلك شقة وسيارة ويدرس أبناءه بمدارس خاصة، ناهيكم عن المسؤولين الكبار؟ وهل من المقبول أن يبادر السجين الفقير والعاطل فور نهاية مدة عقوبته السجنية إلى اقتناء دراجة نارية أو سيارة جديدة، ويصبح من أبرز المزودين والمروجين للمخدرات؟ فمن أين لهم بكل هذه الأموال؟ ألا تؤثر هذه المظاهر من الترف على الشباب العاطل، الذين يقضون يومهم في التسكع بحثا عن ثمن سيجارة؟
ترى إلى أي حد يمكن لقرار منع “قفة السجين” أن يساهم في تطهير المؤسسات السجنية، وتحسين ظروف السجناء؟ فبالعودة إلى القانون 23/98، يتضح أن السجن مكان لتنفيذ الأحكام والقرارات السالبة للحرية، يستقبل أشخاصا اقترفوا أفعالا يجرمها القانون، ويخضعون بداخله لإعادة تأهيلهم وإدماجهم، وفق الإعلانات العالمية والاتفاقات الحقوقية المرتبطة بالسجين وإضفاء الهيبة على المؤسسة السجنية، باعتبارها مؤسسة اجتماعية عقابية وإصلاحية، وليست فضاء لتكريس الانحراف وإفساد النزلاء…
اسماعيل الحلوتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *