الطنجية المراكشية العملاقة الحكاية التي لم تنته بعد !!

 

محمد تكناوي :
تجاوزا يمكن تقسيم تاريخ الطبخ المغربي إلى فترتين فترة ما قبل الحماية أو الاستعمار الفرنسي ويطلق عليها بعض الباحثين والمهتمين بفترة المطبخ التراثي وفترة الاستقلال حيث دخلت المواد المصنعة عليه كالزيوت الغذائية التي حلت محل السمن البلدي والأصباغ الكيماوية مكان الزعفران والخل الاصطناعي بدل المصير وغيرها.
وقد اشتهر التراث الغذائي المغربي بالتنوع فهو مزيج من المطبخ الامازيغي والعربي والإفريقي والروماني والوندالي والموريسكي وغيره، ويتميز باستخدام التوابل على نطاق واسع في الأكلات ومن أشهر هذه الأصناف الكسكس والحريرة والطاجين والبسطيلة وقمامة والمحنشة والبريوات والخليع وقد استطاعت هذه الوصفات اقتحام مطابخ أرقى المطاعم في العالم غير أن الطنجية المراكشية أيقونة المطبخ المغربي تظل من بين الأكلات الأكثر تميزا بسبب عراقتها ورمزيتها سواء على مستوى طقوس إعدادها وكيفية طهيها وطريقة تقديمها.
وقد تتبع القراء عبر الجرائد الالكترونية والورقية حدث تهيئ أكبر طنجية في العالم والتي دخلت كتاب غينيس للأرقام القياسية العالمية بعد أن حطمت الرقم الذي حققته طنجية سنة 2009 التي لم يكن يتجاوز طولها متران وللتذكير فالطنجية العملاقة الجديدة يبلغ طولها ل3 أمتار وعرضها متر واحد محشوة بحوالي 300 كلغ من اللحم فضلا عن كيلوغرامين من الثوم ومن الكمون البلدي وخمس لترات من زيت الزيتون وكليوغرام من خرقوم وكيلوغرامين من المصير و 100 غرام الزعفران الحر.
وهذا الحدث الذي أشرف على تنظيمه أرباب المطاعم المتنقلة بساحة جامع الفناء يتجاوز في خصوصيته وطبيعته تنظيم أضخم قصعة كسكس بمدينة اكادير وأكبر طاجين بأسفي فهو يشكل احتفاء بفنون الحلقة وبالطابع الإبداعي للطبخ وهو أيضا صرخة استغاثة للتراث غير المادي الشفهي المراكشي الذي بدا في التواري مفسحا المجال للمشاريع الإسمنتية التي بدأت بالزحف على المدينة العتيقة على حساب القيم الأصيلة التي بنت عليها حاضرة مراكش أمجادها وشهرتها ووظفت فيها ذاكرتها عبر امتداد عميق في التاريخ جسد قيم التسامح والتعايش بين الثقافات والأديان، هو كذلك تعبير عن الشوق إلى أيام النزهات والبساتين الفيحاء التي كانت تحيط بالمدينة ، والحنين إلى زمن البساطة والبهجة وزمن مراكش البهية ومتعة التجوال بين حلقات التي تؤثث ساحة جامع الفناء حيث تشخيص لوحات التمثيل وسحر حكايات العنترية وألف ليلة وليلة والحمزاوية وقصص سيف بن ذي يزن والعوالم الخارقة والعجائبية، وقفشات الصاروخ و أنظام مول الحمام والفلكيين والعرافين و…….في هذا الزمن الجميل حيث كانت الطنجية تزهو بلذتها كوجبة تحظر من قبل الرجال في الدكاكين والحارات والأسواق .
وحدث الطنجية العملاقة كان منتظرا أن يشكل تقليدا سنويا منذ تقديم نسخة 2009، يروم التحسيس والتذكير بما فقدته مراكش من خصوصياتها الثقافية والتاريخية ومناسبة لبسط تصورات وحلول وبدائل لوقف التردي والتقهقر الذي تشهده ساحة جامع الفناء منذ عقود والتي تحولت من جرائه إلى مطعم كبير وساحة لاستعراض نسخ فلكلورية مشوهة وعروض ضحلة للقرادين ومروضي الأفاعي والثعابين والشوافات ومخضبات الحناء والمتسولين وأشباه الحكواتيين ، كان المراكشيون ينتظرون ويحبذون أن يشكل هذا الحدث ايجا بات عن كيفية صون هوية مدينة مراكش وموروثها الثقافي وسبل عودة الروح لساحة جامع الفناء باعتبارها مرآة عاكسة لغنى وتنوع وعمق الثقافة المغربية، ومدينة مراكش بغير هذه الساحة لا أهمية لها كما قال الكاتب الاسباني المراكشي الراحل خوان غويتوصولو ، وحافز للتفكير الجماعي في كيفية إعادة نكهة ورونق وتميز الطنجية باعتبارها جزءا من الذاكرة الشعبية وصورة عن الاختلاف الحضاري الراقي الذي تمثله مدينة مراكش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *