اعتماد سلام تكتب عن واقعة مراكش : لماذا نحارب الجمال؟

 

لوحة رائعة جدا تلك التي تطالع المسافرين عندما يصلون إلى مراكش عبر محطة القطار، عجوز شاحب مغضن الجبين، نظرة عينيه العميقة والمحيرة تلخص أشياء كثيرة.. اهتدى التفكير التجاري المبتكر إلى تغطيتها بإعلان مبتذل حال دون أن يرى المراكشيون وزوار مدينتهم وجه العجوز الذي أبدع فنان موهوب في تصوير تفاصيله، وهو الإبداع الذي خلت منه الأفكار الربحية وهي تعرض تفاصيل الخدمة المروج لها عبر اللافتة التي تم سحبها بعد استشعار غضب الناس.
في مدينة أخرى هي الدار البيضاء، وعوض أن ينشغل عمدتها بمطاردة المشاكل التي يتخبط فيها البيضاويون، فإنه منهمك في عز هذا الصيف القائظ بمطاردة حمام النافورة التاريخية بعدما أصبحت هذه الأخيرة في خبر كان، وتهمة الحمام هي أنه يتسبب في اتساخ النافورة العصرية والحديثة.
وللعلم فإن جهود السيد العمدة لم تتوقف هنا، بل استنجد بإدارة المياه والغابات كما أوردت “هسبريس” من أجل إنجاز تقرير حول الأضرار الصحية والبيئية التي يتسبب فيها الحمام البغيض، قبل أن تشرف شركة إسبانية على عملية إعدام جماعي تنال من كل حمامة زائغة أو متمردة خولت لها نفسها أن تطير فوق النافورة الجديدة أو تجرأت على التحليق في الداون تاون الأنيق كله.


أليس ضروريا أن توفر هذه الجهود لمطاردة مشاكل النقل التي يعانيها قاطنو أكبر مدن المغرب وزوارها، في وقت يوفر فيه مسؤولو مدن أصغر بكثير من البيضاء شبكات نقل متعددة تكفي وتزيد عن الحاجة، وهناك من أبدع ووفر نقلا مجانيا لسكان مدينته من البيت إلى العمل ومن العمل إلى البيت وذاك مطمح بعيد عن كل عمدائنا، الذين منهم من التقط القشرة وترك اللب فاستورد Wecasablanca على غرار YourSingapore أو I’am Amsterdam رغم الفرق الصارخ بين حدائق أمستردام وحدائق البيضاء على قلتها، وبين شوارع سنغافورة الشبيهة في نظافتها بصالون البيت المحظي للضيوف وبين شوارع الدار البيضاء وقبة زيفاكو التي تحولت إلى مطرح للنفايات ومأوى للمشردين، وتلك مشكلة أخرى أجدر بالمطاردة.
أليس من الضروري أن تتم مطاردة السكن اللاإنساني وغير اللائق الذي تقطنه أسر كثيرة في كاريانات الرحامنة وطوما في قلب المدينة، لا ترى غرفهم/ صناديقهم الشمس ومع ذلك يكبر بداخلها أطفال لديهم كل المبررات ليكونوا جيلا ناقما في المستقبل.
أليس من الضروري أن توفر جهود إدارة المياه والغابات لمعرفة أسباب حرائق الغابات وتجنبها ومحاربة الاجتثاث والتصحر الذي يهددها ويكلف ميزانية الدولة الملايير سنويا، الحمام الذي يخدش الجمال أولى، رغم أن هناك بلديات عبر العالم توفر الطعام للحمام الذي يستوطن ساحاتها وتتعهد كل أنواع الحيوانات بالرعاية إلى درجة أن واحدة من هذه البلديات وفرت معاطف دافئة لكلاب الشوارع خلال موسم تساقط الثلوج.
قد لا يملك كثير من المسؤولين رؤية متبصرة فعلا أو أفكارا لتجميل حياة البلد وأناسها، لكن بلادنا بالتحديد تملك الكثير من الجمال “من عند الله” والمطلوب من هؤلاء أن يحافظوا عليه على الأقل إن لم يستطيعوا استحداث مكامن جمال أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *