الأستاذ الحسين الراجي يكتب عن ” الحراك، و الخيارات الممكنة”

 

الحراك الشعبي الذي يعرفه المغرب حاليا لا يختلف عن حراكه سنة 2011، فكلاهما تعبير شعبي عفوي عن الإستياء من السياسات العمومية للحكومات المتعاقبة، وإعلان عن موت الأحزاب السياسية بغيابها تماما عن دائرة الحراك و البعيدة كل البعد عن روحه و نبضه.
و الحراكين معا، هما امتداد طبيعي لمسار تطور الوعي السياسي الشعبي بالمغرب و الذي يؤكد الهوة الواسعة و المهولة بين اهتمامات الفاعل السياسي و بين تطلعات الجماهير الشعبية التي لم تعد تحتمل أساليب التسويف و الإستنزاف التي ينتهجها “التحالف الإستراتيجي المشؤوم” غير المعلن بين الأحزاب و المخزن على امتداد زمن سياسي لم تكن من اولوياته تحقيق الإنصاف، بعدما غنم بالمصالحة ضمان الإستمرار لمؤسساته التقليدية مهترئة و منخورة و التي تجاوزها الوعي الاجتماعي المغربي الذي أصبح ينهال من ثقافة كونية لا تؤمن بالإنغلاق و الإنطواء تحت دريعة “الخصوصية”
حراكين، هما بمثابة استمرار لحركة المطالب الإجتماعية للمواطن، التي تنكر لها العمل الحزبي بشكل جرد هذا الأخير من أية مصداقية، و هو ما تشهد به نسب العزوف عن العمل السياسي الحزبي، حتى لا أقول العزوف السياسي، و هما كذلك بمثابة متابعة شعبية و عفوية لمضامين توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة التي اعتقد هذا “التحالف الإستراتيجي” أنها ستظل درا للرماد في العيون أو مجرد حبر على ورق شأنها شأن مضامين دستور 2011.
إن ورش الإنصاف و المصالحة، و كذلك دستور 2011، هما تعاقدين اجتماعيين بين الدولة و المواطن من أجل تحقيق أمرين لا ثالث لهما يمكن اختزالهما في الإستقرار و التنمية:
الإستقرار الذي يرغب فيه “التحالف” بضمان استمرار هياكل النظام التقليدية المهترئة بعد ترميمها و تلميع واجهتها الزجاجية بجرعات حداثية ـ ديمقراطية، و التنمية، التي يطالب بها المواطن بضمان تنفيذ الدولة لالتزاماتها و تنزيل توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة و مضامين الدستور تنزيلا جيدا يحقق الأمن الإجتماعي بكل مكوناته المتفرعة من ضمان الحقوق الإجتماعية و الإقتصادية و الثقافية و السياسية و المدنية.
فالمتمعن في مطالب الحراكين معا، سيجد أنها هي نفسها التوصيات الصادرة عن هيئة الإنصاف و المصالحة، وإن صح التعبير، فالحراكين بمثابة تذكير شعبي عفوي بالتزامات التعاقد الإجتماعي قبل فوت الأوان، و قبل أن تصل الأوضاع الإجتماعية و الإقتصادية إلى درجة من السوء يتجاوز المواطن و الدولة معا وتصبح بالثالي مطية لمخططات في ظل مناخ إقليمي لا يهمه سوى تأمين “موطئ قدم”.
هل يستقيم تخوين المرحوم ادريس بنزكري و رفاقه الذين جهروا بتوصيات يرددها أهالينا بالريف و بباقي المواقع الحراكية بالمغرب؟
هل تسمح الدولة بنعث ادريس بنزكري و معه كل فريق عمله بأنه انفصالي عميل و ناشر للفتنة؟
ألم ينص التقرير الختامي لهيئة الإنصاف و المصالحة الصادر سنة 2006 حول منطقة الريف مثلا على ما يلي:
” حرصت الهيئة على إشراك المجتمع المدني بالمنطقة في بلورة مشاريع جبر الضرر الجماعي، وحضر ممثلون عنها جل الأنشطة التي نظمتها شبكة الأمل ولجنة إعلان الريف وفرع المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف حول الموضوع. كما قامت الهيئة بزيارات للمنطقة للتداول مع فاعلين جمعويين وممثلي السكان والسلطات المحلية حول مشاريع محددة.
كما استقبلت بمقرها سعيد الخطابي نجل عبد الكريم الخطابي وتم التداول أثناء ذلك اللقاء حول أحداث الريف، وقضايا جبر الضرر بما فيها عودة رفاة والده إلى المغرب.”
ألم تعتبر هيئة الإنصاف أن الإستجابة لمطالب ساكنة الريف تشكل مدخلا أساسيا للمصالحة، و لجبر الضرر و أوصت ببرمجة مشاريع تنموية خاصة بـ :
ـ إنشاء مركز الأبحاث عبد الكريم الخطابي
– اعتبار منزل عبد الكريم الخطابي معلمة تاريخية (ترميم منزل عبد الكريم الخطابي واستعماله كمركز تاريخي للتعريف بشخصية عبد الكريم وكمركز سوسيو ثقافي)
– إنشاء مؤسسة جامعية بمدينة الحسيمة
ــ إنشاء وحدات صناعية و فلاحية لامتصاص البطالة
– خلق برامج لفائدة نساء المنطقة (محاربة الأمية، إنجاز مشاريع سوسيو ثقافية ومشاريع اقتصادية لفائدة النساء، دعم تمدرس الفتيات، خلق مراكز لتوجيه وتكوين النساء على المستوى القانوني وعلى المستوى الصحي)
ــ إنشاء وحدات استشفائية
ــ فك العزلة عن المنطقة بتعبيد الطرق”
و ما قيل عن منطقة الريف، يقال كذلك عن باقي مناطق المغرب التي تعاني بدورها من الإقصاء و التهميش، بدرعة و تافلالت و بجبال الأطلس و سهول الشاوية و عبدة و دكالة و سوس و الصحراء، و هو نفسه ما يشهد به تقرير هيئة الإنصاف و المصالحة.
و الأكيد أن الباحث في طبيعة الحراك الذي يشهده المجتمع المغربي عبر مساره منذ الإستقلال، سيجد أن هذا الحراك داخلي محض، لا يتأثر في عمقه بالمعطيات الإقليمية أو الدولية، و إن كان يتغدى بأفكارها دون أن ينغمس أسيرا في أبعادها.
فحراك 2011 لا يمكن نسبته لأحداث “الربيع العربي” و إن كان متفاعلا معها، كما أن الحراك الحالي لم يكن اعتباره من إملاءات أجندة أجنبية، و إلا فإننا نبخس الوعي السياسي للمغاربة ملكا و حكومة و شعبا، و نعتبر هذا الوعي خارجا عن منطق صراع داخلي من أجل السيطرة و تحديد معالم الثروة و الثورة معا. فالأمر يتجاوز حد التحليل البسيط المحكوم بنظرية المؤامرة، ويجد تفسيره في الصراع الدائر حول السلطة منذ الإستقلال بين القصر و الأحزاب “الوطنية”، و الذي أصبح بعد المصالحة، صراعا بين القصر و الأحزاب من جهة و بين الطبقات المسحوقة من الشعب المغربي من جهة أخرى.
لذلك لم تتمكن حركة 20 فبراير من بناء تصور سياسي محكم، يكون بمثابة سياج إيديولوجي للحراك، فتوقفت عند حدود مطلب “الملكية البرلمانية” الذي لن يتحقق، مادامت الأحزاب المتواجدة في البرلمان نتيجة “التحالف” تضع رجلا تحث قبة البرلمان و رجلا أخرى في بهو القصر، وهو ما يمنع من بناء ملكية برلمانية بهذا الفكر السياسي الهولامي ـ الإنتهازي الذي تميل موازينه حيث توجد مصالح حفنة من القيمين على مراكز هذه المصالح
اليوم، ينبغي علينا أن نعي أن الأنظمة السياسية ليست منزلة من السماء، إنما هي من صنع البشر بناء على تعاقدات، و علينا أن نقتنع بأن الشعوب هي التي تصنع الأنظمة و تسلم أمر تدبيرها للبعض من أفرادها، و أن بإمكان هذه الشعوب أن تراجع ما صنعته أو تعدله أو تلغيه إذا فقد صلاحيته و لم يعد صالحا، و هذا ما يعبر عنه لسان حال أي حراك.
فالمغاربة تجاوز تطورهم جبة النظام السياسي الذي يعيشون تحت ضله، و أصبح بإمكانهم و من حقهم التفكير في بدائل، وهذا أمر لا جدال فيه، يبقى فقط أي الخيارات أسلم: أن يطور النظام نفسه، مستعينا بزخم هذا الحراك الإجتماعي، و يقيم دعائم دولة ديمقراطية حداثية ، أو يجد نفسه في مأزق أزمة قد يطول أمدها أو يقصر، و تكون عصية،
فهل تتسع جبة النظام لتستوعب التطور الحاصل في الوعي الإجتماعي المغربي، و تمتلك القدرة على تطوير ذاتها بالاستجابة لمطالب أوسع الفئات الإجتماعية، أم تضيق هذه الجبة و تبقى حبيسة مصالح حفنة تستأثر بالقرار السياسي و الإقتصادي، و تعيد إنتاج نفس أسباب الحراك و تغديها بما يحعل المشهد السياسي بالمغرب مفتوحا على احتمالات قد تلعب فيه الأجندة الخارجية دورها الحاسم.

الراجي الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *