تنظيم المجال بالمغرب: من الانقسامية الكولونيالية إلى الجهوية المتقدمة.

 

الجزء الثاني:
…لم يكن في الحقيقة مستغربا أن نجد “ميشو بلير” قد دعا طلبته الضباط في سلك الشؤون الأهلية بمعهد الدراسات العليا بالرباط سنة 1923 إلى ضرورة الاعتماد على الجهوية والاقليمية في دراساتهم حول المغرب. فنجده يقول، كما جاء على لسان “جورج دراك” (Georges Drague): “…يجب أن نصل عبر تعاون منهجي إلى عمل مثل ذلك الذي أنجز في الجزائر من طرف الكومندان ران، ودي بون وكوبولاني، والكولونيل تومولي، وآخرين..وفي السودان من طرف القبطان المترجم مارتي، ولن يتم ذلك في بضعة أسابيع، ولكن إذا درس كل واحد منا بدقة وعناية منطقته فسيمكننا مجموع هذه الدراسات الخاصة من بناء عمل جماعي ذي مردودية أكبر ونفع عظيم للسياسة الأهلية…”
وبالفعل، فقد تمكن هؤلاء الضباط، فيما بعد، من تحقيق رغبة أستاذهم، واستطاعوا دراسة المجال المغربي، عبر دراسة مناطقه العميقة التي عينوا بها، دراسة دقيقة، فجمعوا ودونوا معطيات ثمينة حول أصول القبائل، وطرق عيشها، ومعتقداتها، وطرقها الصوفية؛ وحول المؤسسات الدينية والاجتماعية والعلمية والتعليمية، وحول الأسواق والحصون…والتي نجد جزءا قليلا منها محفوظا بمؤسسة أرشيف المغرب بالرباط؛ في الوقت الذي لا يزال الجزء الأكبر حبيس مؤسسات الأرشيف الفرنسي خصوصا مصلحة الأرشيف التاريخي العسكري بــ”فانسين”، ومصلحة الأرشيف الديبلوماسي بــ”نانت”.
ولعل ما يمكن استنتاجه مما حاولنا الاطلاع عليه من أعمال هؤلاء الباحثين الضباط، هو أن وضع تصور واضح حول تنظيم المجال بالمغرب لن يتأتى، إبان تلك الفترة، إلا بفهم المعالم الكبرى للدولة المغربية؛ من خلال العلاقة التي كانت تربط بين السلطة المركزية للمخزن المغربي، بمجال الحواضر الكبرى وحدودها القريبة، وبين السلطة المحلية للقبائل بالمناطق النائية بالهامش. فالمخزن المغربي، وكما يشير “جاك بيرك”، يُعتبر قوة “تيوقراطية” تنبني على وسائل سلطة “مطلقة” من حيث المبدأ، ومحدودة من حيث الوسائل”. فالنسب الشريف، وإن كان مصدرا رمزيا يؤدي بسهولة الى السلطة في البلاد؛ فإن تلك السلطة لم تكن لتتوفر لها المقومات المادية الكافية لبسط السيطرة على مجموع المجال. وبهذا بات المجال المغربي، لفترات طويلة، رهانا بين السلطة المركزية للمخزن، والسلطة المحلية للاتحادات القبلية بأغلب المناطق، مما قسم معه السلطة الإدارية والسياسية، بالتالي، إلى مجالين أساسيين، كما يؤكد الأستاذ “محمد حنداين”، وهما: “مجال النفوذ”، و”مجال الولاء” أو “البيعة”.
…يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *