رسالة إلى صديقي المتعصب

رشيد لزرق

اسمح لي أن أناديك اليوم صديقي، أحاول أن تشاركني في ما أفكر فيه الآن، أعيش أرقا فكريا في عالم تتسارع فيه الأحداث، تخالجني أسئلة شقية، أحاول الهروب منها، لكي لا أسأل الذات، لكنها تفرض علي نفسها، وتجدني الآن أبحث في سبيل التحرر، (العقول والنفوس).
أحاول تفكيك ماهية التعصب، كبنية مركبة ترتبط بطبيعة التنشئة الاجتماعية للفرد، أكثر من ارتباطها بتوجه سياسي أو إيديولوجي، وما يكشفه التعصب عن الذات المهزومة، فالشخص المتعصب يا صديقي، لا يعترف إلاّ برأيه أو برأي من يظنهم من عصبته أو من يحبه أو من يجاريه، ويعتبره حقيقة وصواباً لا يقبل الخطأ، ورأي غيره خطأ، يجافي الحقيقية ولا يقبل الصواب، تصلني بعد الأخبار يا صديقي،
من البعض الذين أظنهم وشاة، أن بعض المتعصبين ــ “ولا أظنك منهم ــ في جلستهم الخاصة، يلجؤون لاتهام الآخر عوض أن يسألوا الذات بعيوبها يلجؤون لأسلوب السب والشتم؟ واتهام المخالفين بالعمالة وخدمة أجندة الشياطين وما شئت من تعابير…، التي تصب كلها في التعبير عن حالة نفسية قوامها، عجز الأنا، في لحظة وقتية متحركة، تعبر عن تيه الذات العاجزة عن استيعاب اللحظة، ومحاولة إيهام الآخرين أننا نعرف ونحن الذين نوهم أنفسنا أننا أكبر من الكل، هي على كل حال يا صديقي طبيعة الذات البشرية التي جوهرها اللذة وتجنب الألم، التي تجعلنا نقول الرأي والرأي المخالف، وتنسينا أن هناك عقلا يدرك، متابعا لما يقال، حتى إنّ الفكرة الواحدة إذا طرحت ممن يتعصبون ضده يرفضونها، وإذا طرحت بعد ذلك ممن يتعصبون لهم يقبلونها، وقد يكيلون لهم المدح والثناء وينوه بهم ولما كتابة مقال.
لكن بموجب الصداقة التي افترض أنها تجمعنا، أدعوك للتحرر وعدم اختزال الأحداث في بؤرة ضيقة، ويسقطك في الثالوث الخطر (التعصب ــ الاستبداد ـ العنف)، فكل واحد يتغذى من الآخر؛ فالاستبداد يهيئ الأرضية والظروف لممارسة العنف والتعصب، والعنف والتعصب يؤكدان خيار الاستبداد ويعمقانه على مستويات الحياة كافة. خطر هذا الثالوث الجهنمي، هو في ممارسة الحريات السياسية والثقافية والاجتماعية، بحيث إنه كلما توسعت دائرة الحرية في المجتمع، تقلصت فعالية الاستبداد والعنف والتعصب.
والتعصب ليس حصرا على فئة اجتماعية لكونه حاضرا حتى ممن يقدمون أنفسهم كدعاة لحرية الرأي والاختلاف وهذا أمر نعيشه في واقعنا المعاش للأسف الشديد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *