تنظيم المجال بالمغرب: من “الانقسامية الكولونيالية” إلى الجهوية المتقدمة (1

 

إن الحديث عن تنظيم المجال المغربي، عبر التاريخ، لا يستقيم دون الاشارة إلى بعض الأعمال الرصينة لبعض الباحثين والدارسين الأوربيين كـ”ميشو بيلير” و”روبير مونطان” و”جاك بيرك” وغيرهم. والذين ألهموا جل الباحثين المغاربة ليعالجوا مثل هذه الظواهر المجالية أو الجهوية (إن صح التعبير) في مؤلفاتهم وبحوثهم ومونوغرافياتهم خلال فترات لاحقة.
فأغلب الدارسين المشار اليهم أعلاه، ومن يدور في فلكهم، قد توصلوا إلى أن المغرب لم يكن يخرج في تنظيمه السياسي والاجتماعي، وعبر تاريخه الطويل، عن مجالين أساسيين أو منطقتين: منطقة نفوذ المخزن، ومنطقة نفوذ القبائل أو ما اصطلحوا عليه (مجمعين) ببلاد السيبة. ذلك أن نتائج دراساتهم تصر على تقسيم المجال المغربي إلى مجالين متعارضين، الأول تابع للمخزن وتحت سلطته “الشرعية” الفعلية، والثاني خارج عن نفوذه، وأبدع لنفسه قوانين خاصة وأعراف محلية تنظم علاقات أفراده وجماعاته. ولعل هذا النهج “الانقسامي” هو ما نجده عند “ميشو بيلير” حول بعض الجوانب من تاريخ المغرب عموما، أو فيما تناوله “روبير مونطان” في أطاريحه حول الأطلس الكبير والجنوب المغربي، أو “لو شاتوليي” حول بعض قبائل الشمال والجنوب؛ أو ما خلفه “جاك بيرك” عن قبائل “سكساوة”، سيرا على نفس النسق، في محاولة لإبراز ضعف السلطة المركزية أمام سلطة المجتمعات القبلية الأمازيغية بالهوامش والجبل تحديدا. فأغلب هذه الدراسات وغيرها طرحت أسئلة جوهرية عميقة حول مدى قدرة المجتمعات القبلية المغربية، بالمجالات المنفلتة، على تدبير أمورها، وتسيير نفسها، وجوانب حياتها بعيدا عن مراقبة وسيطرة السلطة المركزية، أو غيابها في بعض الأحيان؟؟
وربما مثل هذه الأسئلة هي التي قادت تلك الدراسات (الكولونيالية) إلى عدد من الاستنتاجات والأحكام التي لطالما لخصها الدارسون في تلك العلاقة الثنائية الشهيرة المرتبطة بالمجال المغربي: “بلاد المخزن وبلاد السيبة”؛ والتي ظلت لسنوات طويلة، وإلى حدود اليوم، تتخذ تمظهرات مختلفة: إثنية (عرب/ أمازيغ)، أو إيكولوجية (سهل/ جبل)، أو قانونية (شرع إسلامي/ عرف محلي) أو غيرها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *