بمناسبة الذكرى ال 40 لرحيل امحمد بوستة.. عبد الاله التهاني ينبش في ذاكرة الزعيم التاريخي لحزب الاستقلال

في مبادر إنسانية وإعلامية مشكورة، أقدم عبد الاله التهاني مدير الاتصال والعلاقات العامة بوزارة الاتصال، على النبش في ذاكرته الثقافية والإعلامية الغنية ليعود بالقراء إلى ثلاثة عقود من الزمن، لاسترجاع ذكريات الزمن الجميل واستحضار لحظات شيقة من حوار صحفي سبق له أن أجراءه التهاني مع الزعيم التاريخي لحزب الاستقلال الراحل محمد بوستة في سنة 1987، حيث حرص مدير الاتصال والعلاقات العامة على اعادة نشر هذا الحوار بالتفصيل مع أحد الرموز التاريخيين على صفحات جريدة. “العلم'” الناطقة باسم حزب الاستقلال ، وذلك إسهاما  من التهاني في احياء الذكرى الأربعينية لوفاة الراحل بوستة التي تم تخليدها بمسرح محمد الخامس بالرباط يوم الجمعة الماضية.

أول الكلام:

محمد بوستة..اسم كبير، وإنسان متواضع، ونبتة في أرض معطاء. لم ينشأ من فراغ ولا في الفراغ. شخصيته البارزة، لم تصنعها الصدفة أو الوصولية السياسية المتهافتة، بل هي خلاصة تاريخ وبيئة ومجد قديم. فالرجل سليل بيت أصيل في مراكش.

وسيفتح محمد بوستة عينيه على هذه البيئة، التي تدفعه تلقائيا إلى التعلق بالعلم، وحب الناس، والانخراط في خلايا الحركة الوطنية.

ألحت علي كثيرا فكرة هذا الحوار، إذ كنت مهتما بالحديث إليه في أمور وقضايا ومواقف، تخرج به ولو قليلا عن ضغط الاهتمامات السياسية، وجو اللقاءات الصحفية التي تستحضر فيه الرجل السياسي، أكثر مما تقرب من جانب الإنسان.

أما أنا، وإن كنت لا أقلل من أهمية التصريحات السياسية التي يدلي بها القياديون أو الزعماء، إلا أن الذي بات يهمني هو الإقتراب من محمد بوستة الإنسان، أو بوستة المثقف الذي تغيبه الاستجوابات المذكورة، في زحمة الانشغال بالمواقف السياسية وقضايا الساعة.

قال لي صبيحة ذلك اليوم الممطر، “أفضل أن يكون الحوار عفويا، دون سابق تحضير أو اتفاق على نقاط”. ثم أضاف مازحا: “هل تعرف جيدا أزقة المدينة القديمة؟”.

كنت على مشارف حومة “قاعة بناهيض”، التي تلتقي مع الأسواق والتجمعات الحرفية القائمة في “الطالعة”، وبيت السي امحمد يبدو مواجها لحمام السوق. على خطوات من الدار الكبيرة، ينتصب جامع ابن يوسف العظيم، الذي تخرج منه العلماء والأدباء والوطنيون.

الباب مفتوحة. نجتاز الرواق الذي يغطيه سقف مرتفع، يقوم على أعمدة عالية، وندخل إلى القبة الفسيحة. الأثاث والديكور مغربيان خالصان من الأرض إلى السقف، والأستاذ يقوم من جلسته، ويتقدم لاستقبالنا بتواضع كبير وبشاشة ظاهرة. يطلب إحضار الصينية وملحقاتها، ويدعو لمراكش أن تنعم بغيث غزير، يحول اليابس إلى خضرة، وتسترعي انتباهي ثلاثة كتب كان يطالعها الأستاذ، أو بالأحرى كان يعيد قراءتها، وهي لثلاثة من الرجال المهمين: الحسن اليوسي، عبد الحق فاضل، أمين معلوف. ننهي حديثنا الودي الذي لا تلتقطه آلة التسجيل، وبالتالي لا يدخل حروف المطبعة، ونبدأ حديثنا الصحفي الذي يطالعه القارئ بعد الفراغ من هذه السطور.

في غمرة هذا الحوار، لم يظهر على الأستاذ محمد بوستة أي تلكؤ أو تملص، أو شعور بالحرج. حين يتحدث عن الماضي، يسبح في أجوائه يتذكر الوجوه والأسماء والأمكنة. وحين يتحدث عن الشباب، تتوهج عيناه، وتشعر أن دفء الحياة يغمره بقوة.

أما حين يستحضر المرحوم علال، فإنك تحس بالوفاء والحنين يرتسمان على محياه.

وبعد،

فهل أنا فعلا أقدم امحمد بوستة، الشخصية السياسية البارزة. المحامي النقيب، العضو في منظمات وطنية وعربية ودولية، وزير العدل والوظيفة العمومية والشؤون الخارجية؟ وهل يحتاج شخص من مستواه إلى تقديم؟

رجل اجتاز عقود الزمن، اخترق ما حملته من أعاصير وعواصف، ونعم بما ساقته من لحظات الاطمئنان والراحة. وكما عاش تجربة المعارضة، عرف تجربة المشاركة في الحكم، والمساهمة في القرار والمسؤولية، معتقدا أن الحياة هي معركة متواصلة في أكثر من موقع، وعلى أكثر من واجهة.

وإذ يتقدم في السن، ما زال السي امحمد يقرأ كثيرا، ويعتني بنفسه، ويحرص على أناقته. والذين يعرفونه عن قرب، يجمعون على أن الرجل شعبي للغاية، اجتماعي بطبعه، يزور الأهل، ويسأل عن الأصدقاء. يعود المرضى منهم، ويشارك المحتفلين منهم فرحتهم. أصيل يحافظ على العادات، ويندمج في الطقوس الاجتماعية، ويبتهج لإطلالة العيد، ولا أزيد شيئا. هذه جلستنا، وما كل حديث في السياسة.

عبدالاله التهاني

– سيدي الأستاذ ، يغرينا التعرف على بدايات العمر، وبالتحديد على امحمد بوستة الطفل

* قضيت فترة الطفولة بمدينة مراكش، هنا داخل هذا البيت الذي نحن فيه الآن. ولادتي كانت عام 1923، وهذا سر أذكره لأول مرة، إذ أن بطاقتي الرسمية تؤرخ لميلادي بسنة 1925. وقد اضطررت إلى مغادرة مراكش في وقت مبكّر، بمجرد ما اتممت الدراسة الابتدائية. وأذكر إنني كنت هنا مع فئة من الأطفال المراكشيين، نذهب إلى ” المسيد” الذي نعرفه في مراكش باسم ” الحضار”، ونذهب أيضا إلى الحلقات الدراسية، وبعض أنشطة الخلايا الوطنية. كما كانت لنا ميول رياضية، وبصفة خاصة نحو لعبة كرة القدم.

من الذكريات التي استحضرها عن طفولتي أو بداية شبابي، أن وراء جدران هذا البيت، وبالضبط في المكان المسمى ” سوق الشعرية”، حضرت أول مهرجان خطابي انتهى بمظاهرة. كان ذلك سنة 1937، وبالضبط في شهر شتنبر، حيث انعقد تجمع كبير ترأسه الأخ عبد القادر حسن العاصمي، ومنه انتقلنا لنتظاهر بساحة “جامع الفناء”، فواجهنا المخازنية وحاشية الباشا الكلاوي، وفي مقدمتهم ” البياز”، وتناولونا بالعصي، وتلك كانت هي المظاهرة العظيمة القوية التي شهدتها مدينة مراكش عام 1937، إذ على إثرها انتهى إخوان عديدون في المنفى. أما أنا فكان من حظي أن جِلْبابي تمزق، فاضطررت إلى الالتجاء لدى طبيبة إيطالية اسمها ” كوابيزا” كان لها اتصال بالبيت وببعض أفراد العائلة. وقد تركتني في محلها، إلى أن تيسر لي أن أعود إلى بيتنا. هذه بعض الذكريات وغيرها كثير.

– سيدي امحمد، هذه الصورة المختصرة عن امحمد بوستة الطفل، لا تصرفنا عن محاولة التعرف على الوسط العائلي الذي شب فيه. حبذا لو ندخل الآن إلى البيئة الأسروية للطفل بوستة ؟

* عائلة بوستة، عائلة مغربية قديمة، كان أفرادها يتعاطون للدراسة والعلم، مثل حالة الوالد رحمه الله، أو للفلاحة كمورد للرزق، أو لبعض الأعمال الحرفية. ولكن الملاحظ أن جلهم كان له جانب مشترك، هو التشبت بالدين. وكما يقول أديب صديق لي يعرف الأسرة وتاريخها، فإنه “على كثرة أفراد أسرة بوستة، كنت لا تجد فيهم تاجرا، وإنما فلاحا أو حرفيا أو عالما”. أعرف عددا من أعمام والدي رحمهم الله، كانوا إما مفسرين للقرآن أو ” لكتاب الشفا ” للقاضي عياض، وذلك في الجوامع المحيطة ببيتنا، إما في مسجد ” قاعة بناهيض”، أو “بمسجد الصحراوي”، أو في جامع بن يوسف، وهو الأقرب إلينا. وكانوا دائما على هذه الحال، سواء في رمضان أو في غير رمضان.

وكما قلت لكم خارج هذا الحوار، كان جدي مولعا بقراءة ” دليل الخيرات” للشيخ سليمان الجزولي، إلى درجة أنه حبس أحد جنانه ليقرأ الدليل في المدينة المنورة، بعد صلاة العصر من كل يوم. ومازال الأمر مستمرا إلى الآن، منذ ما يزيد عن مئة وعشرين سنة.

– عرف والدكم باهتماماته الأدبية والعلمية. هل نقف معكم لحظة عند التراث الذي خلفه؟

* والدي، وأنتم تعلمون ذلك قبل أن أذكره لكم، كان معروفا بميوله ومواهبه الشعرية، إلى درجة أن بعض الأصدقاء الذين كان يتناول معهم هذا الجانب، سموه “شاعر الجنوب”، وقد ترك ديوانا متفرقا، أتمنى أن يتم إعداده ليقوم شقيقي الحاج عمر بطبعه، وآمل أن يتيسر ذلك قريبا.

ورغم أن ميول الوالد للشعر ظلت كبيرة، إلا أنه كانت له صلات بمثقفي الوقت الذي عاش فيه رحمه الله. كما كان له اهتمام بالعلوم المتداولة في عصره. ولكن المهم كذلك، أنه لم يكن يخلو من روح صوفية. وللأسف الشديد لم يتيسر لي التعرف كثيرا على الوالد، حيث إننا غادرنا إلى فاس ونحن في سن مبكرة، بعد ذلك رحلت مع أخي عمر لإتمام دراستنا بباريس. وبعد عودتنا من فرنسا، لم نبق معه باستمرار إلا لبعض السنوات، حيث كان هو يقطن بمراكش، في حين كنّا نحن في الرباط، نظرا للواجبات الملقاة على عاتقنا منذ ذلك الوقت. ولغاية الأسف أنه توفي، قبل أن نتعرف عليه كما نريد، وبالحجم الذي نريد، أي أن نتعرف عليه كشاعر وكأديب، ولم لا أيضا كإنسان، رغم أننا عشنا معه في البيت، قبل أن تختطفنا منه دراستنا ثم مسؤولياتنا بعد ذلك.

– مع ذلك يقول شقيقكم الأستاذ عمر بوستة، أنه كان يقرأ بعض قصائد الوالد في الإذاعة نيابة عنه.

* هذا صحيح، وأنا أيضا قرأت البعض منها في مناسبات معينة، وخاصة في عيد العرش، وكنا نتهافت على قراءة ” العرشيات ”، سواء كانت للوالد أو لغيره، لأن الاحتفال بعيد العرش كان من مظاهر التعبير عن سيادة الأمة، بل أنه بات وقتئذ تحديا للاستعمار. وكانت المشاركة في هذه المناسبة تتسم بالشجاعة، ونحن كنّا دائما نرجو أن نكون في طليعة المحتفلين بعيد العرش. وكان الوالد بمناسبة كل عيد، ينظم قصيدة أقرأها أنا أحيانا، أو أخي الحاج عمر غالبا، من منبر الإذاعة في ذلك الوقت.

– يشوقنا سيدي الأستاذ أن نبقى في فترة شبابكم. فهل كانت لكم هوايات فنية أو ميول إبداعية ؟

* الحقيقة أنني لفترة طويلة كنت أحاول الشعر، ولكنني لم أستمر في ذلك. فقد كانت الهواية الكبيرة التي شغلت بعضا من وقتي هي الرياضة، بحيث كنت أساهم في عدة فرق لكرة القدم، بدءا من فرقة الحومة، ثم بعد ذلك تعاطيت لكرة السلة.

أما القراءات فكانت بصفة منتظمة، منذ أن دخلت إلى الخلايا الحزبية. كما أنها كانت متعددة ومتنوعة، وإن تركزت بالأساس حول تاريخ المغرب بصفة خاصة، وتاريخ العرب والإسلام عامة، وهذا ما نميته أثناء الدراسة العليا التي كتب لي أن أتلقاها.

– دراستكم العليا قانونية، ولكنني أعلم أنه كانت لكم اهتمامات بالفلسفة. فمن هم الفلاسفة الذين كانت لكم معهم وقفات فكرية خاصة ؟

* أنا درست الفلسفة في ” السوربون ” بباريس، وكان الفيلسوف ” برغسون” هو الذي أخذ من اهتمامي، وأعتبر أنه فيما يتعلق بعلم النفس، كان لبرغسون تأثير في تكويني وإطلاعي، على بعض جوانب الفلسفة. ولما تيسر لي أن أطلع على نظريات وآراء بعض الفلاسفة المسلمين، تمت لي مقارنات بين ” برغسون ” و ” المحاسبي “، و بصفة خاصة في علم النفس، فكان لذلك بعض التأثير، فيما أظن، على ما تعلمته في هذا اللون من المعرفة.

– أنتم الآن شخصية قيادية بارزة، لها حضور ومكانة وتأثير. والزعماء والقادة تصنعهم الحياة والأحداث والتجربة والمعارك، ولكن تصنعهم القراءات والأفكار أيضا، فمن هم المفكرون الذين يعتقد الأستاذ أنهم صنعوا وعيه، أو أثروا فيه بقوة؟

– ذكرت لكم “برغسون” فيما يتعلق بالفلسفة، ولكنني لا أقول بأنه هو أو غيره أثروا في، بشكل مباشر أو بدرجة قوية. ولا أقول أيضا بأن واحدا من الفلاسفة أثر في شخصيتي بحجم كبير. قراءاتي كانت مركزة على التاريخ، أو بالأحرى على فلسفة التاريخ، ولكنني تأثرت على وجه الخصوص بما كتبه المرحوم علال الفاسي عن تاريخ المغرب، سواء كتحليل أو كتأريخ. ومن ذلك تمت لي بعض المقارنات مع بقية المؤرخين، كابن خلدون، أو بعض المشرقيين الذين كتبوا في هذا الباب. وما عدا هذا، لا يمكن أن أقول بان كاتبا أو مفكرا، أو مؤرخا، استحوذ على وعيي.

– سيدي الأستاذ، عالم الغناء دنيا جميلة فيها الأصوات والأنغام والمقامات. فما هي الأصوات والأغاني التي كان يهواها الشاب محمد بوستة ؟

* في طفولتنا، وكذا في شبابنا، كانت الأغاني الذائعة هي أغاني محمد عبد الوهاب وبعده أم كلثوم، خصوصا في قصائدها التي كتبها أحمد شوقي. بالنسبة للخصوصية المغربية، كان أثر الملحون بصفة أدق، وخاصة بعض القطع التي استمعت إليها، وأنا طفل صغير وإن لم أكن أفهمها آنذاك، بالشكل الذي فهمته بها لاحقا، إلا أنها أثرت في.

– حديثكم هذا عن الملحون، ذكرني بإسم أحد كبار شعراء هذا اللون الأدبي الشعبي. إنه عباس بوستة الذي خلف شعرا رفيعا، وقيل إنه كان شاعرا مجيدا ومكثرا. إذن فن الملحون جزء من تراث العائلة؟

* عباس بوستة هو إبن عم والدي، وهو كما ذكرتم واحد من شعراء الملحون، وبخاصة في الجانب الوطني، والجانب الإلهي والنبوي. وكان الشاعر عباس بوستة رحمه الله، يعيش في مراكش، ويفرغ ما يحس به من مشاعر في قالب فني وأدبي، من خلال نظم قصائد الملحون التي عرفت جانبا منها، وسمعته يلقي بعضها الآخر. ورغم حداثة سني آنذاك، فإنني تأثرت بها تأثرا كبيرا، وكان هذا الرجل من العوامل التي جعلتني أتأثر بقصائد الملحون، سواء كانت لشاعرنا بوستة أو لغيره، حيث قادني هذا التأثر إلى محبة الملحون والاهتمام به . ولغاية الأسف فإنني لم أتمكن من الوقت الكافي، الذي كنت أرغب في توفيره للتعمق في تذوق هذا الفن، ولكن بصفة مجملة، أقول بأن للشاعر عباس بوستة ابن عم والدي، الدور الرئيسي في تحبيب فن الملحون إلى نفسي.

– لا داعي للأسف سيدي، لأن الأستاذ محمد الفاسي ينوب عن الجميع، في الاهتمام بالملحون، والغوص في أعماق بحره.

* صدقتم، فقد قرأت للسيد الاستاذ محمد الفاسي كتابه الرائد ” معلمة الملحون ”، واستمعت إلى بعض المحاضرات التي ألقاها، واطلعت على بعض البحوث التي قام بها ونشرت له، وخصوصا تلك تكلم فيها عن شعراء الملحون بمدينة سلا، فهذه من المحاضرات التي نشرت له، والتي كان لها أثر في نفسي.

– هل يمكن أن نعرف من تطربون لهم من رجال الملحون المعاصرين ؟

* كنت عرفت في مراكش أحد الأشياخ هو المرحوم بن حسن، والآن يعجبني من السادة الذين يصلنا الملحون بأصواتهم، المنشد التولالي من مكناس، والمرحومين التهامي الهاروشي ومحمد بوزبع الأب من فاس.

– ومن يستهويكم من شعراء الملحون ؟

* التهامي المدغري بالدرجة الأولى

– وخارج الملحون، من يعجبكم من أصوات الغناء المغربي العصري ؟

* من الرجال يعجبني صوت، عبد الهادي بلخياط، ومن السيدات عزيزة جلال، وأجد في صوتها شيئا من الرقة والحنان، وبمقارنتها مع أصوات أخرى، تظل عزيزة جلال صوتا مغربيا قويا. ولا أخفي أنني أحب كثيرا الموسيقى الأندلسية، سواء كانت بعزف جوق السيد عبد الكريم الرايس، أو جوق السيد مولاي أحمد البوكيلي، أو جوق السيد مولاي عبد الله الوزاني.

– هل من أسماء لشعراء معاصرين، يقع شعرهم في نفسكم موقعا طيبا؟

* من المغاربة أحب شعر الحلوي، وأتأثر عند قراءته، كلما نشر منه الجديد. وهناك شاعر آخر لا يعرف شعره لغاية الأسف، هو صديقي الأديب مولاي الصديق العلوي، الذي يجهل الكثيرون قصائده. وهي غير منشورة رغم كثرتها وقيمتها. أما المشارقة فلا أقرأ الآن من شعرهم كثيرا، ولكن مازلت أعجب بصفة خاصة بشعر أحمد شوقي.

– سيدي الأستاذ، يهمنا أن نعرف شيئا عن قراءتكم الحالية. طبعا خارج المطالعة الصحفية اليومية، التي يقتضيها اهتمامكم وموقعكم السياسي.

* للأسف أن هذه المطالعة الصحفية التي ذكرتموها، سواء تعلق الأمر بالجرائد أو بالمجلات، تأخذ جزءا مهما من وقتي. وأنا مضطر لقراءتها، من جهة لمتابعة الأحداث، ومن جهة ثانية لكوني لا أقتصر على قراءة المقالات التي تتعلق بالأحداث السياسية أو بيوميات الأخبار، بل تهمني كذلك بعض الدراسات التي تجذبني، فأصرف بعض الوقت في قراءتها. لذلك لا يتبقى لي كثير من الوقت لمطالعة الكتب. ومع ذلك أحاول باستمرار وأقرأ، إذ لابد من الإطلاع على ما ينشر في عدة مجالات. وأنا مضطر للقراءة باللغتين العربية والفرنسية.

وما قرأته في الأسابيع الأخيرة، كتاب لأحد فطاحل الكتاب والأدباء، يعيش منذ فترة بمدينة مراكش، هو الأستاذ الكبير عبد الحق فاضل من العراق الشقيق.

قرأت الملحمة المهمة التي حققها وأبرزها إلى الوجود، بكتابه عنها، وتقديمه لها، وهي ملحمة «كلكاميش»، والطريقة التي كتب بها المؤلف هذه الملحمة، وأخرجها من أصلها التاريخي السومري القديم، ليجعلها عملا حيا طريقة مهمة، أظهرت أنه في طليعة الكتاب المعاصرين. وبغاية الأسف لا يتحدث عنه الوسط الأدبي كثيرا في بلادنا، مع أنه مقيم في مراكش، وقد تحدثتم عنه في حوار إذاعي سابق منذ سنوات. وأرجو أن تعيدوا الحديث عنه في مناسبة أخرى، لتمكين عدد كبير من المغاربة للتعرف عليه، لأن إنتاجه وإبداعه يجب أن يقرأه المثقفون، والشباب بصفة خاصة. ومن حظنا أنه يعيش بالمغرب وبمراكش في هذا الوقت، رجل من هذا المستوى الكبير، سواء من حيث قيمة الكتاب أو من حيث التعمق في الفلسفة والأفكار والثقافة.

من جهة أخرى، كنت أقرأ باللغة الفرنسية كتاب «ليون الإفريقي» للكاتب اللبناني أمين معلوف، الذي يتحدث، كما تعلمون، عن حسن بن محمد الوزان الملقب «بليون الإفريقي». وكتاب أمين المعلوف مستلهم من روح كتاب الوزان، «وصف إفريقيا»، وهو من أهم ما كتب عن هذا المؤلف الأخير.

من الأمور التي تميز كتاب «ليون الإفريقي» لأمين معلوف، أنه ليس بالكتاب التاريخي، ولا بالكتاب القصصي، ولا بالكتاب الروائي، وإنما هو كل هذا في آن واحد، وهو بذلك كتابة جيدة. وقد راقني أن أقرأه وأعيد قراءته، تماما كما فعلت بملحمة «كلكاميش» التي أخرجها الأستاذ عبد الحق فاضل، تحت عنوان «هو الذي رأى». ولا حاجة لذكر القصة أو التعليق عليها هنا، لأن ذلك لن يغني عن مطالعتها.

طبعا في نفس الوقت، لابد من الرجوع إلى ما ينشر من تراثنا المغربي، وإلى التحقيقات التي تتم في حقله، ولذلك أقرأ هذه الأيام الكتاب المهم الذي حققه الأخوان الأستاذان: محمد حجي وأحمد إقبال الشرقاوي. وهو كتاب «المحاضرات»، للعالم المغربي الكبير الحسن اليوسي. وأعتقد أن التحقيق الذي قام به السيدان الباحثان، هو عمل مفيد ودقيق.

– سيدي الأستاذ، اجتزنا محطات الطفولة والشعر والفلسفة والتاريخ، ولا تزال هناك محطات أخرى تستدعينا للتوقف عندها أو فيها. ننتقل بكم الآن إلى عالم السينما، ونسألكم عن الأشرطة التي تحبون مشاهدتها.

* لا أزعم أنني من هواة السينما، ولكني كنت أقبل بصفة خاصة على مشاهدة الأشرطة الثقافية.

– أشرطة أعجبتكم، وبقيت حية في ذاكرتكم؟

* شريط «الحرب والسلام»، المستوحى من قصة الكاتب الروسي العظيم تولستوي. هناك شريط مهم للغاية بعنوان «تحليق فوق عش الكوكو» ، وقد شاهدته في إحدى دور العرض السينمائية بباريس قبل مدة. ويتناول هذا الشريط العميق أطروحة السلطة وطغيانها، وجبروتها في الحياة، أعجبني كثيرا في هذا الفيلم أسلوب إخراجه، ومضمونه الفكري. أما غير هذين الفيلمين، فتوجد أشرطة أخرى أجنبية راقتني.

– سيدي الأستاذ، تشغل الجماليات في نفسكم موقعا، فما هي نماذج الرسم التي تتجاوب مع ذوقكم؟

* ليست لي اختيارات كثيرة في هذا الميدان، يعجبني الرسم الوصفي، أو لنقل الرسم التعبيري الذي يصور الملامح والمعالم، أكثر مما أميل إلى اللوحات الجامدة. أختار وأفضل أن أكون أمام لوحة معبرة (أو تعبيرية بمصطلح أهل الميدان) لإنسان أو لمشهد من البيئة. وربما كان هذا من تأثير أستاذي في مادة الرسم، السيد “بونطوا” الذي كان يعمل في ثانوية مولاي إدريس بفاس، ويميل أكثر إلى هذا النوع من الرسم.

وتعجبني أعمال بعض الفنانين المغاربة الشباب مثل ما يبدعه الجواي، وبلكاهية وآخرون. هناك أيضا رسام شاب هو السيد الشرايبي من مراكش، أثارتني موهبته. فقد أنجز لوحة جميلة عن الزعيم المرحوم علال الفاسي، هي الآن في بيتي بالرباط.

– ما دمنا في هذا المحور الأدبي والفني، نسألكم عن شقيقكم الحاج عمر، ليس بوصفه طبيبا، ولا بصفته سفيرا ووزيرا سابقا، ولكن بوصفه رجلا صارت له اهتمامات شعرية، وأصدر ديوانا. كيف تتحدثون عن هذا الجانب؟

* هذا ما كان سروري به كبيرا. أعرف أخي الحاج عمر، وخصوصا الجانب الذي أبرزه ديوانه، وهو يتعلق بالدين واهتمامه الصوفي، وسبحاته الروحية الطاهرة. وقد كنت مسرورا جدا أن أقرأ ديوانه، وأن أقف كذلك على المجهود الذي بذله، عندما تفرغ لكتابة بعض قطع الديوان المذكور (سوانح الوجدان)، ثم لنسخ المصحف الكريم بخط يده. وهذا كله يبعث على اطمئناني وفرحي.

– الأستاذ امحمد بوستة، الآثار الأدبية والفنية، ومذكرات الزعماء والأعلام، هي أيضا جزء مهم من التأريخ. الملاحظ أن صغار السياسيين في الشرق يكتبون مذكراتهم، بينما كبار رجال السياسة الوطنية والفكر في المغرب لا يفعلون إما تواضعا أو تقصيرا. هل يخترق الأستاذ امحمد بوستة هذه العادة، ويدون مذكرات ؟

* لا. وأقولها لكم بأسف شديد. وهذا الموضوع تحدثنا فيه كثيرا مع عدة إخوة، فتأسفنا كثيرا لكون جل الإخوة الذين تعرفنا عليهم في الوطنية، من قادتنا ومن إخواننا الذين سبقونا في العمل الوطني لم يكتبوا، اللهم استثناءات قليلة يمثلها أشخاص يعدون على رؤوس الأصابع، وبذلك يضيع تراث مع نهاية حياة أولئك الرجال، الذين ساهموا بجهادهم وعقولهم، في صنع تاريخنا الوطني الحديث، ونرجو للأحياء منهم عمرا مديدا. أما في ما يتعلق بي شخصيا، لدى بعض المذكرات، ولكن كمادة خام. أرجو أن أتمكن من التفرغ، في وقت من الأوقات لتحريرها، أو على الأقل لتحرير بعض جوانبها التي تغطي فترات معينة. وسأكون سعيدا جدا عندما أخرجه، لأنني أشعر يوما بعد آخر، بضرورة أن تجد الأجيال التي ستأتي بعدنا، بعض دقائق هذه الأوقات تماما مثلما استفدنا نحن مما كتبه القلائل في هذا الباب.

ولغاية الأسف فإن بعض الظروف ، وبعض الاعتبارات، وحتى بعض الممارسات، تجعل جانبا من الحقائق يمسخ. وهذا ما يتم الآن بالنسبة لتاريخ المغرب الحديث في جوانب معينة، وبالتحديد تاريخ الحركة الوطنية. بعض الناس يقومون بتشويه ما عاشوه، نظرا لاعتبارات مختلفة. فلذلك أهيب بالأخوة الذين لهم مذكرات أن يخرجوها، وبالذين تسعفهم ذاكرتهم أن يستعيدوا الأحداث، ويحرروا عنها ما يمكن تحريره ويخرجوه، لتستفيد منه الأجيال الشابة، التي أجد أنها متعطشة لمعرفة التاريخ المغربي الحديث، تاريخ ما بعد الحماية وإنشاءها، وحتى ما تم في بداية الاستقلال من أحداث ومواقف وتجارب.

– ألا يمكن القول، سيدي الأستاذ محمد بوستة، أنكم ورفاقكم تساهمون في صياغة هذا التاريخ، من خلال توجيهاتكم للدارسين وللباحثين المغاربة الشباب، الذين يحضرون رسائلهم وأبحاثهم الجامعية، حين يفدون عليكم. وعلى بقية القادة لأخذ معلومات حول الفترة المذكورة؟

* هذا صحيح نسبيا، فكثيرا ما أعقد لقاءات مع الذين يكتبون عن تاريخ المغرب الحديث، وتكون مناسبة للتذكر وتهيئ بعض الوثائق.إنه حقا شيء جميل، أن يكتب طلبتنا وباحثونا الشباب عن تاريخ بلادهم. وأنا طبعا على أتم الاستعداد دائما لمساعدتهم.

– هل أنتم راضون عما يتم من أبحاث، حول تاريخ المغرب أثناء الحماية الفرنسية؟

* منها ما هو قيم، بل قيم جدا. خاصة ما كتب عن الحدود المغربية. بعض الأطروحات التي وضعت في هذا الجانب، أطلعت عليها، ولمست أهميتها وعمقها. وهذا شيء مهم أن يصدر عن عقولنا وطاقاتنا الشابة.

– سيدي الأستاذ أنتم تشكلون الامتداد الفكري، والشخصي والاجتماعي، والسياسي، للزعيم العلامة المرحوم علال الفاسي. كيف تنظرون لموقعكم في اللحظة الراهنة؟

* أنتم وضعتموني في مكانة شريفة بهذا الوصف، وبهذه الدقة في الوصف. كنت من الذين أسعدهم الحظ، بل كان لهم ما يكفي لإنسان لكي يصير سعيدا، أنني رافقت علال الفاسي. ولم أعرفه كزعيم سياسي فحسب، إذ أنا أنتمي للهيأة التي كان يرأسها، وكان هو منظرها وقائدها. ولكن عرفته أيضا كإنسان وكمثقف، وكرجل دين. كان لي أن رافقته في أسفار، مثلما رافقته في أوقات متنوعة ومتعددة. في أوقات شفائه وفترات مرضه. في حزنه وقلقه، وفرحه. وكان لي أن لمست فيه الشخص الفذ، والإنسان القوي الإرادة. الإنسان الذي لم تعرف عدة جوانب من شخصيته، بل إن بعض ما عرف عنه أحيانا، هو عكس ما فيه تماما. مثلا، كنت من الذين يرون في علال، الرجل المهيب بشخصه الوقور بطبيعته. وقد يتهيأ للبعض أن هذه الصفة تعني التكبر. وهذا غير صحيح مطلقا، لأنه ما أحلى معاشرة علال كإنسان. فوقاره لا يلغي خفة روحه، وعنصر المرح في طبعه. تم إن سعة صدره، تجعله رجلا متقبلا في كل وقت للملاحظة والنقد، الذي كان يتقبله أحيانا بفرح، وليس فقط بتفهم. كما أن تواضعه كان كبيرا.

لي معه ذكريات في هذا الباب ، خلال أسفار إلى الخارج ورأيت فيه الرجل الذي يحب الخير لكل الناس بصفة مطلقة. كما كان لديه اعتزاز بالمغرب وكرامة أهله، بل إنه كان يعتز بانتسابه للمغرب. وهذا ما يشعر به الإنسان، عندما يكون مع السي علال خارج البلاد، حيث نلمس فيه اعتزازه بمغربيته ووطنه، وافتخاره بذلك أيما افتخار. وهذه خصال ، أعترف أنها طبعت عدة جوانب من حياتي، جعلتني أتأثر كثيرا بالمرحوم علال الفاسي.

– هذا يثير في نفسي سؤالا، عن أجمل ذكرى تحتفظون بها عن سيدي علال.

* سفري الأخير معه إلى “شيراز” للحضور في المؤتمر الألفي لميلاد “سبويه ”، وذلك بطلب منه رحمه الله. وكم كنت سعيدا أن يلح علي في مرافقته. وقد رأيت منه شيئا مدهشا خلال هذه الرحلة. فقد تقدم إلى مؤتمر شيراز بدراسة، عرض فيها أمام كل العلماء العرب والمسلمين الحاضرين، رؤيته للمدرسة النحوية في المغرب والأندلس. وكان هو من جملة ثلاث شخصيات بارزة، حضرت إلى هذا الملتقى الفكري، إذ قدم الفيلسوف والمفكر المصري الكبير الدكتور عبد الرحمن بدوي، الذي يتقن عدة لغات منها الإغريقية، وجاء المرحوم علال الفاسي برأيه في المدرسة النحوية عند أهل المغرب و الأندلس، حيث أبرز خصائصها ومميزاتها. وكان إعجاب الناس الحاضرين به كبيرا.

ومما وقع معه في هذا السفر، وأنا أسعد بمرافقته، والحضور إلى جانبه في جلسات ذلك المؤتمر اللغوي، شيء اعتبره أنه من خوارق العادة. فقد تقدم عالم فارسي وتناول الكلمة، فتحدث عن رأيه في أمور وقضايا تخص فقه اللغة العربية. واستمرت كلمته نصف ساعة باللغة الفارسية، ولم يرد في كلامه بالعربية إلا بعض الاستشهاد والاستدلالات، اجتزأها من القرآن والحديث، وماعدا ذلك كان كله بالفارسية، ولما انتهى العالم الفارسي من إلقاء عرضه المذكور، كانت العادة تفرض أن تتم الترجمة إلى العربية، ولكن المرحوم علال لم ينتظر، بل طلب الكلمة على الفور، وقام إلى المنصة ليدلي ببعض الملاحظات، كان حضرها بسرعة حول العرض الذي ألقي قبل لحظات بالفارسية، والتي ليس لعلال الفاسي بها سابق معرفة على الإطلاق. فالذي حدث أن الزعيم علال الفاسي، استطاع أن يهيئ ملاحظاته على العرض الفارسي المذكور، فقط من خلال الاستشهادات التي ساقها العالم الفارسي باللسان العربي، وهي مأخوذة من القرآن والحديث. فمن خلال استيعاب دلالات تلك الاستدلالات وحدها، استطاع المرحوم علال أن يفطن، بحضور بديهته إلى أين ذهب الرجل، وماذا كان يريد أن يقول، فصارت ملاحظات علال هي محط النقاش، وليس العرض الذي كان باعثا عليها. وهذا ما يجعلنا نقول، بأنه كانت تحصل لعلال إشراقات روحانية وفكرية، أكبر من الذكاء، تسعفه بإمكانيات استثنائية في إدراك الأمور.

أنا شخصيا من الذين يتحفظون في تصديق أمور ومواقف من هذا النوع، ولكن ما شاهدته بعيني، في حالة المرحوم علال، أثر في كثيرا، لأنه كان حقيقة ماثلة.

وهناك حدث آخر في هذا الباب، فقد تعرض الزعيم لحادث بالسيارة. وحين حضرت، وجدته في حالة غيبوبة، ممددا على سرير متحرك باتجاه غرفة العمليات، فاستفاق فجأة، لبعض الثواني فقط، ولما رآني وتعرف علي، قال لي :” ليست هذه المرة التي سأفارق فيها الحياة، الموت لن تأتي إلا بغتة،” ثم عاد إلى غيبوبته. وفعلا شافاه الله بعد هذا الحادث الأليم، واشتغل لفترة طويلة. وكنا نضغط عليه حتى لايجهد نفسه كثيرا، خاصة وأنه كان قد أصيب بضعف في القلب، فكنا نقول له دائما : ” لا ينبغي أن تجهد نفسك. نحن نريدك لمدة أطول ولكل الأيام”. فكان رحمه الله يرد علينا بقولته الشهيرة:” اتركوني. فلا أريد أن أموت قبل أن أموت”.

– سيدي الأستاذ، قبل لحظة كنت أسألكم عن مذكراتكم، ثم عن ذكرياتكم مع سيدي علال. وأنا أحب أن أظفر منكم بأكبر عدد ممكن من السطور عما مر بكم من أحداث، وما عشتم من ذكريات ومواقف، أعود بكم لو سمحتم بعيدا إلى الوراء، وبالضبط إلى حقبة الأربعينيات والخمسينيات. ماذا كان جيلكم يقرأ من مطبوعات صحفية، باعتبار أن الصحافة الأدبية والسياسية، سواء في المشرق العربي أو في المغرب ، كان لها الدور الرئيسي في الترويج لدعوات النهوض، وأفكار الإصلاح والتجديد، ثم الثورة فيها بعد على الاستعمار والتأخر؟

* كنا نقرأ كل ما يأتي من المشرق بصفة منتظمة، مع الإخوان في الحلقات الدراسية أو في خلايا الحزب، سواء في مراكش أو فاس. كنا نقرأ مختطفات من جريدة الأهرام” ، وكانت وقتئد في غاية من الأهمية سواء من الناحية السياسية أو الأدبية كما كنا نطالع مجلة الرسالة لصاحبها حسن الزيات ، ومجلة ” رسالة المغرب ” التي كانت تصدر عندنا في المغرب. هذا فضلا عن أننا كنا بطبيعة الحال، نحرص على قراءة ما يأتينا من فرنسا خلال تلك الوقت، كالصحف والمجلات، ومنها مجلة “مغرب” التي أصدرتها كتلة العمل الوطني، ولم تظهر منها إلا بعض الأعداد. لكن بعد الحرب العالمية الثانية، كنت أقرأ كثيرا، وبصفة خاصة ما يصدر في فرنسا، لأن هذا هو القطاع الذي كلفنا للإهتمام به كتنظيم حزبي. وكنت أشارك – لا أقول في تحرير- ولكن في وضع بعض المقالات، التي غالبا ما كانت تهتم بمناهضة الاستعمار، وتنشر بجريدة “الأوبسرفاتور”، التي صارت فيما بعد “أوبسرفاتور دوباري” ثم” فرانس أوبسرفاتور” ، قبل أن تأخد تسميتها الحالية” لونوفيل أوبسرفاتور”. وكانت الجريدة التي ينشرها السيد جان روس، والمسماة “فران تيرو” تستقطب بعض جهودنا ومساهماتنا، بحيث كنا نساعد في موادها ، كما كنا نساهم في الصحيفة التي تعرف الآن باسم ” لوموند”، وذلك من خلال بعض أصدقائنا الفرنسيين. وعموما فقد كنا نساهم في عدة منابر صحفية، للتعريف بالقضية الوطنية. وكنت قد اخترت ، فيما كان متاحًا أمامي من اختيارات ضمن دراساتي القانونية، قانون بلدان ما وراء البحار. في هذا الوقت كنت أهتم بوضع بعض المقالات المهتمة بهذا الموضوع، ولا أقول كتابتها. فهذه إذن بعض قراءاتي الشخصية ، في الفترة التي أشار إليها سؤالكم. ولكن إلى جانبها كانت لي قراءات متنوعة. مثلا بالنسبة للفلسفة ، كنت أتعاون مع “إيمانويل مونييه” في مجلة ” إسبري”، وأنا طالب وكانت هذه المجلة تصدر في فرنسا، وتتطرق إلى المسائل الفلسفية ، بحيث شكلت الأساس الذي بني عليه مذهب الفلسفة الشخصانية. وكل ذلك بفضل “إيمانويل مونييه”. وقد كنا كذلك بجانب جان بول سارتر، ونحن نقاسمه العيش في ” الحي اللاتيني” بباريس. وكانت مجلة “إسبري” لا تنشر فقط ما يتعلق بالمذهب الشخصاني، بل “أيضا مقالات عن الفيلسوف ” كيردجارد”، أب الفلسفة الوجودية ، وكان “جان بول سارتر” في هذا الوقت ، هو المهتم بالترويج للفكر الوجودي، وإعادة صياغته أدبيا في مسرحياته ورواياته ومقالاته. هذه بعض انشغالاتي وقراءاتي، في الفترة التي تسالون عنها.

– سيدي الأستاذ ، لا أخفيكم سروري لأني أوفق في استدراجكم لاستعراض ذكريات ومواقف، تعرفها عامة الناس عن شخصكم لأول مرة في هذا الحوار.ولعل تنوع اهتماماتكم وميولكم خلال فترة الشباب والدراسة الجامعية، كما تفضلتم وأوضحتم ، كل ذلك يجعل هذا السؤال يتبادر إلى ذهني : لو لم يكن الأستاذ محمد بوستة شخصية سياسية- بالمعنى الوطني طبعا – ماذا كان يحب أن يصير في الحياة ؟

* كان يحب أولا أن يكون إنسانا مغربيا، ومعتزا بهذا الانتساب. وثانيا أن أعمل على تربية الأجيال، بمعنى أن أكون أستاذا في مدرسة أو كلية، لأن الاتصال بالأجيال، وبالشباب على وجه الخصوص أمر يعجبني، بل أرى فيه فوائد جمة، ومنه أولا فوائد البقاء والحيوية والتجدد. وثانيا أداء رسالة وهي تكوين الناشئة. وهذا ماتيسر لي – والحمد لله – في العمل الذي أقوم له كمسئول سياسي من جهة، وكرجل له باستمرار اتصالات ولقاءات مختلفة . كذلك جزء من هذا يتحقق في مهنة المحاماة التي أزاولها. أيضا حين أكون خارج المغرب، أجدني ميالا إلى الاتصال بالشباب، والحوار معهم.

– سيدي، أنتم رجل مطلوب منكم دائما أن تتصرفوا بالحكمة والتروي والتعقل. ماهي الحكمة التي تتذكرونها باستمرار؟

* حكمتي المفضلة مأخوذة من حديث نبوي شريف : “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا”.

اعتبر أن الإنسان، حين يؤول إليه أمر مسؤولية ما، أو حين يريد القيام بعمل ما عليه أن يشتغل بجد وتفان وإتقان مستمر، كأنه مدعو على الدوام للقيام بتلك المهمة. ولكن في نفس الوقت، يستحضر أنه مخلوق وسيموت لا محالة ، فعليه أن يعي عواقب عمله في الآخرة، وليس فقط في الدنيا. وأظن أنني بهذه الحكمة أتصرف ، وأفهم كل الأمور التي أقوم بها شخصيا.

– سيدي الأستاذ، هل يمكن أن نتوقف عند أبرز لحظة مثيرة في حياتكم؟ يوم لا ينساه السي امحمد، كيف كان؟ وكيف مر عليكم ؟

* اليوم الذي علمت فيه بقرار رجوع محمد الخامس طيب الله ثراه إلى فرنسا، قادما من مكان نفيه. فقد كانت لي مسؤولية مع الأخ عبد الرحيم بوعبيد ونحن في باريس آنذاك، في خلايا الحزب، وقمنا بمجهودات كبيرة جدا ، وكان لنا أن نحضر في مؤتمر “أيكس ليبان”. كما كانت لنا اتصالات مع رئيس الحكومة آنذاك، السيد “ادكارفور”. وكنا أول من أخبرهما هذا الأخير بالقرار الذي اتخذ، لبداية مسلسل استقلال المغرب، كما عبر عن ذلك بنفسه، بحيث أبلغنا أنه بعد أيام سيعود محمد الخامس، فاستكتمنا الأمر طبعا – مازلت أذكر ذلك اليوم، وأذكر أن فرحي به كان عظيما وكبيرا، لعلها فرحة العمر.

– سيدي الأستاذ، كنتم وزيرا للخارجية لفترة غير قليلة، وهذا ما أتاح لكم الاتصال بشخصيات مهمة، والتوغل في جغرافية العالم. ما هي ذكرياتكم عن تلك الفترة ؟

* ذكريات متعددة ومتنوعة ولكن الوقت الذي جئت فيه لكي أمارس المسؤولية إلى جانب جلالة الملك الحسن الثاني كانت هناك – كما تعلمون – مسالة أساسية موضوعة أمامنا، وهي قضية الصحراء . ولكن في نفس الآن ، كانت هناك مشاكل أخرى مطروحة على صعيد العالم العربي ، وهي لازالت كذلك للأسف الشديد.كما كانت مسألة توطيد الروابط في العالم الإسلامي من الأهمية بمكان .هذه ثلاثة محاور مهمة، كانت مطروحة حين تسلمت مسؤوليتي كوزير للخارجية . وقد سبق لي أن كنت بالخارجية إلى جانب المجاهد الحاج أحمد بلا فريج شفاه الله، في السنوات الأولى للاستقلال. ثم كان لي في بداية الستينات، حين كنت وزيرًا للوظيفة العمومية، بل حتى و أنا وزير للعدل كنت أقوم مقام وزير الخارجية آنذاك، فترأست وفد المغرب في الأمم المتحدة سنة 60 – 61 . وكانت من السنوات التي طرحت فيها قضية استقلال الجزائر، كقضية رئيسية.

أما ذكرياتي كوزير للشؤون الخارجية، والتي أعتز بها دائما هو أنني كنت بجانب جلالة الملك عندما كان لابد من تهيئ القمة العربية ، التي خرجت منها مقررات فاس حول القضية الفلسطينية خصوصا، والقضية العربية عموما، لأن تهيئ هذا المؤتمر – وقد كان للملك الدور الرئيسي في ذلك – وردود الفعل التي رافقت مسلسل الإعداد، والصادرة عن بعض العرب، كل هذا يشكل تجربة فريدة، من المهم أن يعيشها المرء. وقد كنت مسرورا عندما تم تعليق مؤتمر فاس لأول مرة ، بإشراقة أتت للملك، لأن المؤتمر كان حقيقة سيؤول للفشل لو اجتمع. وستترتب عن ذلك خسارة كبيرة للقضية العربية ككل. فكان قرار جلالة الملك بتعليق المؤتمر، قرارا حكيما ومهما. وهذه من اللحظات التي سأروي لكم جانبا منها على الشكل التالي باختصار. فقد كنت مكلفا صبيحة يوم المؤتمر – برئاسة لجنة لوزراء الخارجية ، تهييئا لافتتاح القمة في نفس اليوم. وكان اجتماعنا، نحن الوزراء، مقررا في الثامنة صباحا. لكن في الساعة السابعة كلمني وزير الخارجية السوري آنذاك السيد عبد الحليم خدام، وأخبرني أن الرئيس الأسد لن يتمكن من حضور القمة، في حين كنا نحن ننتظر وصوله بين التاسعة أو العاشرة صباحا. بعد ذلك بساعة تقريبا، طلبني جلالة الملك بالهاتف، وسألني عن الأخبار العامة، وعن الوفود التي وصلت إلى غير ذلك، فأحطت جلالته علما بأن وزير خارجية سوريا، أبلغني باستحالة حضور الرئيس السوري الأسد.مباشرة بعد أن أتممت الجملة قال لي : “لم تبق هناك فائدة لجمع القمة، لأنه لابد أن يحضر كل من له مسؤولية مباشرة في القضية العربية”. ثم أشار على أن ألتحق بجلالته، حالما أنتهى من رئاسة عمل لجنة وزراء الخارجية ، الذي يجب ألا يتعدى ساعة على أقصى تقدير.فقد كان جلالته موقنا من ضرورة تعليق مؤتمر القمة. وذهبت إليه لأعرف من جلالته توجيهات أوضح، فبادرني بأن لا مناص من إيقاف المؤتمر، لأن الفائدة لن تحصل . وقد تفهم كل الملوك والرؤساء والمسؤولين العرب، أنه من مصلحة الأمة العربية التجاوب مع مبادرة جلالة الملك.

هناك ذكريات أخرى، أحتفظ بها عن الفترة التي كنا نهيئ فيها للمرحلة الثانية من مؤتمر فاس، وخصوصا مقابلتي للرئيس الأسد، بصفتي موفدا من جلالة الملك لإقناعه بضرورة حضوره لقمة فاس، وضرورة تسجيل النقاط التي ينبغي أن تسجل في جدول الأعمال. وقد دامت مقابلتي مع الرئيس حافظ الأسد خمس ساعات.

ويمكنني أن أقول لكم الآن أنه من بين الشخصيات البارزة في العالم العربي، المحللة بدقة لكل الأوضاع، يوجد الرئيس حافظ الأسد. يمكن أن نختلف معه في الرأي ، أو في بعض ما يقوم به خلال حالات معينة، ولكن دقته في معرفة الأمور والأوضاع ، شيء مثير في الحقيقة.

هذه إذن بعض الذكريات، تضاف إليها ما كانت تجتازه قضية الصحراء، وما أتاح لي ذلك من التعرف على الإخوة الأفارقة والعرب، المسؤولين عن دبلوماسية بلدانهم، والعمل معهم لتوطيد علاقاتنا المشتركة، وإقناعهم بأحقية موقفنا في قضيتنا الوطنية . هذا وغيره يثير ذكريات طويلة لا يسع الوقت للحديث عنها.

– هذه ذكريات تتعلق بالأحداث، فماذا عن الجغرافيا ؟ أقصد البلدان والمعالم التي بقيت خالدة في خيالكم.

* هناك بلدان كثيرة في آسيا، باكستان، إسلام أباد بصفة خاصة لأن الجو الإسلامي فيها بارز بشكل قوي. هناك “لاهور” كذلك. أما في البلاد الإفريقية ، فهناك مدينة صغيرة في السينغال تسمى «كولخ»، إستوقفني فيها جوها الإسلامي، طبعا من البلاد الأخرى التي يسر المرء بزيارتها ، توجد بعض الجزر، كجزر «هواي» ، التي لم أزرها في مهمة سياسية، بل في عطلة رفقة العائلة.

– سيدي الأستاذ، من المهم جدا أن نستمع إلى تعليقكم بخصوص قضية حساسة بل وخطيرة. فالملاحظ أن بعض شبابنا تنتابهم صرعات ناتجة عن الغزو الغربي، فينساقون وراء موضات ، وتقليعات تافهة وأحيانا منسلخة عن القيم . فما هي كلمتكم التنويرية لهذا النموذج من الشباب الذي يكاد يضيع، إن لم يكن قد ضاع، خاصة وأن موقعكم السياسي، ومركزكم الاجتماعي، وثقلكم الفكري، كلها اعتبارات قد تعطي لكلمتكم معنى وقيمة؟

* كلمتي التنويرية في هذا الشأن، ألخصها في أن هذا الجيل، لابد أن يعيش عصره، والتطور الذي وقع، وهو تطور يفرض ألا يبقى شباب المغرب منعزلا، منكمشا على نفسه. هذا أمر مسلم به دونما شك. ولكن لا ينبغي أن يعبر بشبابنا إلى المتاهات، وإلى التفكك الأخلاقي ، ينبغي لشبابنا، عندما يعيش عصره، نظرا لكثرة وسائل الاتصالات والإعلام، ونظرا للتطور الحاصل في العلوم والتيارات والأفكار والنظريات، أن يتمسك بثوابت أساسية، أخلاقية بالدرجة الأولى، سواء في مظهره ولباسه، أو في تفكيره وسلوكه. كما عليه أن يحذر من بعض التيارات التي تجرفه، ولن تؤدي به إلى الخير. فلابد من فرز الطيب من الخبيث، في مضمار الموضات والتقليعات الجديدة. ولي اليقين أن الشبان، برجوعهم إلى الأخلاق الإسلامية السمحة سيجدون كل المعطيات التي تشفي الغليل، فيما يتعلق بحياتهم وعصرهم، وأيضا فيما يتصل بالوسائل المادية، التي تمكنهم من الحفاظ على ماهو ضروري الحفاظ عليه.

– كيف تتصورون دور الإعلام في هذه القضية؟

* لغاية الأسف نلاحظ أن الأسرة تفككت، لأسباب متعددة. والمدرسة صارت عاجزة، بسبب الكثرة والاكتظاظ ، وبقية الظروف والملابسات المحيطة بها. كذلك غياب الخلايا الوطنية، التي كان لها دور التوجيه والإصلاح. أيضا الإعلام دوره أساسي هنا، لكنه لا يقوم به. ونحن لا نقول فقط أنه مقصر، بل إنه يساهم في بعض الأحيان، بطريقة أو بأخرى، في عملية الانحراف، ويفتح للناس الأبواب في متاهات لا ينبغي أن تكون. ولذلك يجب على الإعلام أن يعي المسؤولية التي عليه في تكوين الأجيال الصاعدة. وهي مسؤولية من الخطورة بما كان، إذ لا أظن أنه يوجد شبان في البادية والحاضرة، لا يشملهم تأثير الإذاعة، وتأثير التلفزة بصفة خاصة. ولا أشك أنهم سيكونون، كما سيتكونون عبر هذه القنوات.

– إذا سمحتم، لدي ثلاثة أسئلة لشخصكم في صياغة مباشرة بعض الشيء، ماهو القرار أو الموقف الذي اتخذه الأستاذ محمد بوستة في حياته، ثم ندم عليه فيما بعد؟

* حاولت أن أتذكر شيئا قمت به وندمت عليه لاحقا، فلم أجد شيئا. وهذا يعني، أن ما تسألون عنه لم يحدث إطلاقا.

– أقرب صديق لكم بعد رفاقكم في النشاط السياسي؟

* صديقي الأديب مولاي الصديق العلوي في مراكش.

– شيء كنتم تشعرون به دائما ، ولم تعبروا عنه سابقا، ونريد أن نعرفه الآن، ويكون بمثابة البوح الذي يسجل لأول مرة في هذا الحوار.

* هو حالة غريبة من الاطمئنان، ظلت دائما تسكنني، حتى في لحظات الحرج أو الشدة. بمعنى أن العمل الذي أقوم به يخلف في نفسي شعورا رائعا بالاطمئنان، ويجعلني أنظر إلى الأحداث والمواقف التي أنخرط فيها برؤية ونظرة الإنسان الواثق، المطمئن، وليس الإنسان القلق المرتبك، وهذا يوفر للمرء الإحساس ، بأنه يسير فعلا في الطريق التي كان يجب أن يسلكها في الحياة، وأنه يقوم بعمل صالح ومفيد.

– سيدي الأستاذ، تربطكم صلات شخصية وفكرية ببعض أعلامنا البارزين. ونحب أن نسمع منكم كلمة عن ثلاثة أسماء مهمة.

– عبد الله كنون؟؟

* عالم كبير، وأستاذ الجيل من دون شك. له الفضل في إبراز جوانب مهمة، كانت مجهولة قبله في تاريخ الثقافة بالمغرب، وبصفة خاصة في تاريخ الأدب المغربي. وهذا ما يجعله من الرواد السابقين إلى إزالة الغطاء عن ماضينا وتاريخنا. له أسلوب رقيق، وفضلا عن كل هذا يقوم بعمله التربوي والتاريخي، بروح المناضل الملتزم، المغربي الحقيقي، السلفي المتطلع الذي يحب أن يظهر وجه المغرب مضيئا.

– محمد عزيز الحبابي؟

ج: هو صديق الدراسة. كان أول من قادني إلى التمثيل المسرحي بكوليج “مولاي إدريس” في فاس، وأوقفني على الخشبة. ثم مثلت بعد ذلك في باريس أيام الدراسة. وطبعا في فاس حين كنت طالبا فيها. كما كنا نترافق أيام اللقاء بإيمانويل مونييه، صاحب مجلة «إسبري». وأنا أعتبر أن الأستاذ الحبابي، من الشخصيات المغربية التي برزت في ميدان الفلسفة. وهو يعتمد على جوانب في الفلسفة الشعبية المغربية. لذلك أنا معجب بعمله ودوره التربوي في المجتمع المغربي، من موقع الفلسفة.

– عبد الله كنون؟؟

* عالم كبير، وأستاذ الجيل من دون شك. له الفضل في إبراز جوانب مهمة، كانت مجهولة قبله في تاريخ الثقافة بالمغرب، وبصفة خاصة في تاريخ الأدب المغربي. وهذا ما يجعله من الرواد السابقين إلى إزالة الغطاء عن ماضينا وتاريخنا. له أسلوب رقيق، وفضلا عن كل هذا يقوم بعمله التربوي والتاريخي، بروح المناضل الملتزم، المغربي الحقيقي، السلفي المتطلع الذي يحب أن يظهر وجه المغرب مضيئا.

– محمد عزيز الحبابي؟

ج: هو صديق الدراسة. كان أول من قادني إلى التمثيل المسرحي بكوليج “مولاي إدريس” في فاس، وأوقفني على الخشبة. ثم مثلت بعد ذلك في باريس أيام الدراسة. وطبعا في فاس حين كنت طالبا فيها. كما كنا نترافق أيام اللقاء بإيمانويل مونييه، صاحب مجلة «إسبري». وأنا أعتبر أن الأستاذ الحبابي، من الشخصيات المغربية التي برزت في ميدان الفلسفة. وهو يعتمد على جوانب في الفلسفة الشعبية المغربية. لذلك أنا معجب بعمله ودوره التربوي في المجتمع المغربي، من موقع الفلسفة.

– عبد الكريم غلاب؟

* أعتبر أخي الأستاذ عبد الكريم غلاب، اسما مهما في الجماعة التي تضم أيضا المرحومين عبد المجيد بن جلون وعبد الكريم بن ثابت، فبعد عودة هذا الجيل من القاهرة، كان عمل الأسماء الثلاثة مهما، بالنسبة لتعميق القيم الوطنية، وتأصيل الثقافة المغربية، ورفع راية المغرب بين الأمم في مضمار الكلمة.

ولكن الأخ عبد الكريم غلاب أكثرهم إنتاجا، وبخاصة عطاؤه في الناحية الأدبية، وفي تعميق الوعي ببعض قضايا المجتمع المغربي. كذلك اكتسبت كتاباته عن تاريخ الحركة الوطنية قيمة ومكانة. ونتمنى أن يتابعها ، لأن هذا الجانب له أهمية في التعريف بحقبة تاريخنا.

هذا إضافة إلى معاشرتي اليومية له على صفحات «العلم» سواء تعلق الأمر بالافتتاحيات، أو بنقطته اليومية، أو ما كان من دراسته ومذكراته.

– سيدي الأستاذ، أنتم من مواليد مراكش، كما قضيتم فترة من حياتكم الدراسية بفاس. وكلاهما مدينة أصيلة زاخرة بتراث شعبي غني، يخشى الكثيرون عليه من الضياع.

* مراكش في هذا الباب لا ينبغي أن تحيي تراثها الشعبي فقط، وقد تكلمنا سابقا عن الملحون كجزء منه، ولكن أيضا تقاليدها وفنونها وموروثها الشعبي الحقيقي ككل، حتى تدخل إلى روح العصر وإلى قالب العصر. لقد ذكرتموني الآن بالدقة المراكشية، إنها خصوصية مراكشية، وأعتبر أنها من الأمور التي ينبغي ألا تضيع ، بل يجب الحفاظ عليها ولو مع تهذيبها شيئا ما. فهي أساسا مبنية على أذكار صوفية، بحيث كانت هناك جماعات تنشد هذه الأذكار. ثم تأسست الأجواق والفرق، وانحرفت شيئا ما، في بعض القطع التي صار يؤديها من نسميهم «بالدقايقية». الخلاصة أن أصلها شيء مهم للغاية، وهو أصل صوفي. ولا يزال ممكنا الاستشهاد على ذلك من بيئة مراكش، عندما نتحدث مثلا عن «أولاد سيدي بونو» أو عن بعض الزوايا التي مازالت تتلى فيها القصائد والأذكار والقطع الصوفية.

هذه أمور كانت تؤدي مهمة التربية الشعبية، والتثقيف الديني، والعلاج النفسي، والنوعية الدينية للالتصاق بالدين، ثم لتنمية معرفة الدين على الطريقة الصوفية النظيفة.

كما كانت هناك مسألة مهمة في مراكش، وحتى في فاس، افتقدناها للأسف الشديد أو هي قلت كثيرا، رغم أنها من التراثيات المغربية الأصيلة، أقصد الدروس التي كان يستفيد منها الحرفيون وعامة الناس، بعد صلاة العصر أو صلاة المغرب. يعطيها علماء يبسطون القول للشعب في أمور الدين، ويظهرون لهم المعاملات والعبادات، ويعلمونهم كثيرا من الأمور المفيدة. أنا أعتبر أن هذا هو التراث الحقيقي ، الذي يجب أن يبقى في مراكش وفي غيرها، وأن تتم تنميته. إننا لم نرفع الأمية رغم إقبال الناس على التعليم. وفي نفس الوقت ضيعنا شكلا آخر من التثقيف، كان يتم بأسلوب تقليدي أصيل.

ولكننا الآن افتقدنا هذا التراث المضيء، سواء من حيث تلك الجماعات والأجواق والفرق الصوفية النظيفة، التي كانت تربط الناس بالأذكار، وتحملهم إلى جو الروحانية الطاهرة، أو من حيث التثقيف الذي كان يقوم به العلماء لفائدة عامة الناس كما أشرنا.

– هذا يقودنا في آخر سؤال إلى ظاهرة المواسم التي يتستر بعضها بالدين، بينما هو في الحقيقة يمارس الدجل ويكرس التضليل.

* هذه أمور يجب مقاومتها، كما تمت مقاومة أساليب مسخ الدين، في وقت من الأوقات خلال بداية عهد الحماية، حيث قام الناس لمحاربة الطرق التي تنهج أسلوب الدجل، وفي المقابل كانوا يدعون إلى الرجوع للسنة، وللسلفية الحقيقية، وتطهير الدين من هذه الخزعبلات. هذا ما يجب أن يتم الآن إزاء بعض المواسم. فالاحتفال بشخصية علمية، أو دينية، أو حضارية كالأعلام البارزين، لأنهم رجال المغرب وصلحاؤه الحقيقيون، من أمثال عبد الله بن ياسين، وأبي العباس السبتي، وعبد العزيز التباع وغيرهم، أقول أن التذكير بهؤلاء، والتعريف بمواقفهم وجليل أعمالهم، هو شيء جميل يجب أن يبقى، وأن يستمر وأن يكون. أما استخدام هذا لخدمة بعض المظاهر التزويقية الفلكلورية، فهو أمر أستنكره. ونرجو من الله أن يوفقنا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *