الدكتورة فاطمة الغالية الليلي تحلل الدبلوماسية البرلمانية والسياسة الخارجية في المغرب

 

 

سيصدر قريبا كتاب للدكتورة فاطمة الغالية الليلي يحمل عنوان ( الدبلوماسية البرلمانية و السياسة الخارجية ) ترصد من خلاله دور الدبلوماسية البرلمانية في صناعة السياسة الخارجية في المغرب انطلاقا من تجربتها البرلمانية.

الدبلوماسية البرلمانية، كما تشير الكاتبة، هي مجموع الممارسات البرلمانية التي تتجاوز المهام التقليدية المتمثلة في التشريع ومراقبة الحكومة ومساءلتها عن أسلوب أدائها والدفاع عن الحريات العامة وحماية مقدسات الأمة ومقوماتها ، وهو ما أهلها لتصبح أحد أهم أشكال العلاقات الدولية، وإحدى أقوى الآليات المؤثرة في صناعة الرأي العام الدولي خصوصا ما تعلق منها بالمشاكل والقضايا ذات البعد العالمي، ويبدو أن تكتل الدبلوماسية البرلمانية في إطار اتحادات وتنظيمات دولية، ساعد على تقوية العلاقات ودَعَّمَ وشائج أواصر الصداقة بين البرلمانيين، وعزز التعاون بين الشعوب التي يمثلونها .

يشير الكتاب إلى أن دور الدبلـوماسية البرلمانية في صناعة السياسة الخارجية المغربية، عرف تطورا مضطردا في العقود الأخيرة في ظل التحولات والمتغيرات الداخلية والخارجية، لكن هذا لا يعني أن الممارسة الدبلـوماسية البرلمانية المغربية استنفذت كل طاقاتها ووظفت كل إمكاناتها. فعلاوة على المعيقات ذات الطابع البشري والتقني يبدو أن هناك معيقات موضوعية لا تقل أهمية وأثرا، ساهمت هي الأخرى في الحد من مردودية وحصيلة الدبلـوماسية البرلمانية، وتسببت لها في العديد من الأخطاء والانتكاسات، وأبعدتها كل البعد عن الرؤية الشمولية، وحصرتها في زاوية ضيقة لا يتجاوز شعاعها قضية الوحدة الترابية على الرغم من أهميتها. إذ إن كثيرا من البرلمانيين لا يفصلون بين الدبلـوماسية البرلمانية والدفاع عن قضية الصحراء المغربية، بل إن منهم من يعتقد أن الدفاع عن الوحدة الترابية والممارسة الدبلـوماسية البرلمانية وجهان لعملة واحدة، غافلين أو متغافلين عن أدوار عديدة لم يعد بالإمكان تجاهلها أو حتى التقليل من أهميتها، فجلب الاستثمارات وعقد الشراكات الثقافية والاقتصادية وإبراز المؤهلات الحضارية والفرص الاستثمارية إلى جانب تمثيل العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، والاهتمام بشؤون الجالية إضافة إلى العناية بالقضايا القومية والدولية العادلة التي تتناغم مع محددات السياسة الخارجية المغربية كلها أضحت من صميم الممارسة الدبلـوماسية البرلمانية. ولعل هذا ما يبيح لنا التساؤل عن علة غياب الرؤية الإستراتيجية الواضحة على المدَيَيْنِ المتوسط والبعيد، الكفيلة بتسطير الأهداف وكسب الرهانات.

كما أن محدودية دور البرلمان في تشكيل و تدبير السياسة الخارجية أمر واضح و جلي، على الرغم من توسيع مجالات اختصاصاته و تمديد هامش المناورة لديه وفق الدستور الجديد، فالقراءة المتأنية للنص الدستوري تزكي استمرارية النهج الذي تحكم في الدساتير المغربية السابقة، على الرغم من التعديلات المستحدثة، فمراقبة البرلمان للجهاز التنفيذي جد محدود.

اعتبارا للخصوصيات التي يتميز بها النظام السياسي المغربي، ونظرا لارتباط السياسة الخارجية بقضايا إستراتيجية شديدة الحساسية ظلت هذه الأخيرة مجالا محفوظا للملك استنادا على مجموعة من الفصول الدستورية، وهو ما يجعل للبرلمان- شانه شان باقي الفاعلين- دورا محدودا و ضعيفا في مجال السياسة الخارجية، فدوره لا يتعدى الطبيعة الاستشارية أحيانا، و التمثيلية أحيانا أخرى، فالسلطة التنفيذية مجسدة في شخص جلالة الملك هي الممثل الأسمى للأمة على الصعيد الخارجي. فالمؤسسة الملكية إذن هي المؤسسة المحورية التي تحرك النظام السياسي المغربي، وتبقى القوى السياسية الأخرى وعلى رأسها الأحزاب تعمل بشكل ظرفي ومحدود. فعلاقة البرلمان سواء بالملك أو الحكومة هي علاقة غير متوازنة، إذ تجعل البرلمان في وضعية الإلحاق بهذه المؤسسات. وبالتالي فإن الدستور الجديد يعيد ترسيم أدبيات وأدوات اشتغال المؤسسة البرلمانية على شاكلة دستور 1996، حتى وإن كانت هناك تحسينات شكلية لم تمس الجوهر.

إن سرية العمل الدبلوماسي، كما يقول الكتاب، تتعارض في جوهرها مع علنية المداولات والمناقشات في العمل البرلماني وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الحيلولة دون إطلاع البرلمانيين على المعلومات التي من شأنها أن تمكنهم من المشاركة الفاعلة والإيجابية في تدبير الشأن الخارجي للدولة باعتباره شأنا عاما يندرج ضمن صلاحيات المؤسسة التشريعية. إذ أن حجب المعلومات الأساسية حول قضية من قضايا السياسة الخارجية يستبعد البرلمانيين من الدائرة الضيقة، التي تحرص على إحاطة القرارات السياسية الحاسمة بكثير من الطقوس الكهنوتية التي لم تعد مبررة أو مقبولة. فالتطور الهائل الذي عرفته وسائل الاتصال والتواصل تجعل الحديث عن سرية المعلومة أمرا سرياليا أكثر منه واقعيا. إذ أنه كثيرا ما تسبق وسائل الإعلام، حتى البعثات الدبلوماسية في عملية إيصال الخبر وتحليله والتعليق عليه بخبرة وحنكة لا متناهية. وهو ما يسمح بالقول إن عرقلة السرية للعمل الدبلوماسي البرلماني أمر ذو بعد تبريري ليس إلاّ.

وخلاصة القول أن سرية وسرعة العمل الدبلوماسي يسهمان في إبعاد البرلمان عن المشاركة في اتخاذ القرارات الحاسمة بخصوص القضايا الطارئة والمستجدة، وفي مقابل ذلك يقويان ويعززان نفوذ السلطة التنفيذية لأن وظيفة الدولة تستوجب اتخاذ القرارات بصورة مستعجلة وتتطلب تنفيذا آنيا، لا يتماشى و بطء مسلسل الإجراءات التشريعية ما يجعل البرلمان غير قادر على القيام بهذا العمل اليومي.فالممارسة الدبلوماسية في ظل عالم سريع التغير سارت كالكائن الحي الذي يتميز بسرعة التطور و التحول، مما يحتم على ممارسيها ملاحقة الأحداث والوقائع الدبلوماسية باستمرار، في سرية وسرعة مطلقتين أحيانا و وفق سياسة تشاركية أحيانا أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *