حياة عبيد وخدام القصر الملكي (ج 1)

0 323

 

ظلت القصور الملكية في المخيلة الشعبية موصومة بالبدخ، يتصورها أغلب المغاربة فضاءات عامرة بالعبيد والجواري على امتداد أكثر من أربعة عقود.
ولازال خدم وعبيد دار المخزن محاطين بالكثير من الأسرار إلى حد الآن فالبلاط بالمغرب ظل يحجب أسراره وراء طقوس تقليدية عتيقة نسجت حولها أساطير وحكايات همت قاطني دار المخزن والعاملين بها، وساهمت كثيرا في إسباغ قدر كبير من الإبهار والهيبة على القصور والعاملين بها. ولازالت الأسطورة والإشاعة والخيال يطبعون أحاديث عموم الناس حول خدم وعبيد دار المخزن.


ففي عهد الملك الراحل الحسن الثاني كان المرء يحتار أحيانا، تارة يعاين ملكا متفتحا متشبعا بالثقافة الغربية في آخر صيحاتها وبالحداثة ، وتارة أخرى يعاين ملكا متشبثا بأعرق التقاليد وعاملا على إعادة إحياء، بقوة وحماس كبير، تقاليد عتيقة اندثرت أو كادت، أو مرسخا لاعتقادات قد تبدو أنها تتنافى مع العقل والنهج “الديكارتي” الذي كان يطبع تفكيره ومنهجه بامتياز؛ وهي ذات التقاليد التي احتفظ بها الملك محمد السادس بعد اعتلائه عرش البلاد
وعموما إن غنى المغرب يبدو بجلاء في حياة القصور التي تكلف ميزانية الدولة ما يناهز 2500 مليون درهم سنويا، يعمل فيها مئات من الخدم والعبيد، فكيف يعيش هؤلاء بداخلها؟ وما هي مهامهم وعلاقتهم بالمجتمع المغربي؟ هذه عينة من الأسئلة التي نحاول تجميع عناصر الأجوبة عليها بمغامرتنا في مجال دروبه بمثابة رمال متحركة تبلغ كل من يحاول الاقتراب منها

فرق عبيد دار المخزن

من المعلوم أن كثرة الخدم والعبيد بالقصر الملكي ارتبطت بكثرة المهام التي يضطلعون بها بفضاءات دار المخزن على امتداد السنة. كما أن كثرتهم فرضها العدد الهائل لقاطني القصر وخصوصا الحريم، وظل الحال على ما هو عليه رغم أن الملك محمد السادس بعد توليه الحكم ألغى عادة الحريم وطقوسه وسرّح العشرات من نساء القصر وخيرهن بين البقاء في كنف دار المخزن أو مغادرتها، في حين كان والده الملك الراحل الحسن الثاني يعمل على إعادة إحياء عدة تقاليد وأعراف عتيقة على امتداد فترة حكمه
وتعود الخلفية التاريخية لخدم وعبيد دار المخزن إلى قرون، ففي السابق كان يوجد بقصور السلاطين ما يسمى بعبيد المخزن إبان الدولة الموحدية، وضمنهم كانت فرقة تدعى “جفارة” وهم عبيد سود يمشون في المواكب السلطانية حاملين الرماح والسيوف ويحملون العلم الأبيض (العلم المنصور)؛ وفي عهد الفاطميين كان هناك “عبيد الشراء”، وهم طائفة من الجند ممن جلبوا عن طريق الشراء من أرض السودان وكان ضمنهم “علم دار” وهو المكلف بحمل العلم في ركاب السلطان وكذلك “أبدار” وهو المكلف بإعداد الشراب وكان يناول السلطان الماء للشرب والاغتسال، و”أفراك” وهو المكلف بالقيام على أمور السياج الفاصل بين فسطاط السلطان وحاشيته عن بقية الجيش والمرافقين في المعسكرات؛ والفسطاط كلمة عربية تعني الخيمة، وبذلك يكون “أفراك” هو الخادم القائم على فرقة العبيد المكلفة بنصب الخيام السلطانية وأسيجة فصلها عن باقي الخيام في المعسكرات. وبعض هذه التسميات لازالت قائمة ومستعملة إلى حد الآن في نعث بعض فرق الخدم والعبيد بالقصر الملكي بالمغرب

ينتظم الخدم والعبيد في القصر الملكي حسب تراتبية خاصة ضمن فرق، وعلى رأس كل فرقة منها قائم على أمورها، وبعض القائمين عليها رقاهم الملك الراحل الحسن الثاني إلى درجة قائد (قائد “البراد” أو “قائد الأتاي” وقائد البلغة والجلباب)، وتسمى فرق الخدم والعبيد في عرف دار المخزن بـ “حناطي المخازنية”، ومن أهم هذه الفرق
– المشاورية: وهم عبيد المشور الذين يستوجب حضورهم في كل مناسبة بالقصر، وهم المكلفون بترديد العبارة المشهورة “الله يبارك في عمر سيدي” وكذلك بكل العبارات الأخرى الخاصة بكل مناسبة وبكل وضعية من الأوضاع
– المزارك: وهم أصحاب الرماح الذين ينتظمون في صف أمام الملك عندما يكون ممتطيا جواده الأصيل أو على متن العربية الذهبية أو السيارة المكشوفة أحيانا، وهم المعروفون بلباس الفوقية البيضاء تحتها قفطان أصفر أو وردي أو أزرق والبلغة البزيوية.
– أصحاب الفراش وفرق أفراك (الفسطاط)، وعادة ما يحملون، في الموكب الملكي التقليدي بالمشور، تحت إبطهم “لبدات” خضراء.
حامل المظلة السلطانية الضخمة
– الفرقة الموسيقية وهي المعروفة بفرقة 55 لأنها تضم موسيقيين مهرة يتقنون عزف وأداء 11 نوبة للطرب الأندلسي بموازينها الخمسة الخاصة بكل نوبة 5*11

عبيدات العافية: وهي فرقة العبيد المكلفة بتطبيق العقوبات الصادرة في حق أهل دار المخزن (جلد وحبس وهناك إماء بدار المخزن مكلفات بالزينة واللباس التقليدي الأصيل يقمن بالإشراف على تزين الحريم ومؤانستهن. كما يكثر نشاطهن خلال المناسبات وغيرها، بل منهن من يقتصر دورهن على إطلاق الزغاريد، وفي السابق كن بكثرة من الزغاريد سواء بمناسبة دخول الحمام والخروج منه أو عند استيقاظ الوصيفات
وقد حرص الملك الراحل الحسن الثاني أن لا تخرج نزاعات ومشاكل قاطني دار المخزن عن أسوار البلاط، وذلك حفاظا على هيبته ومرتبته في عيون المغاربة، فلم يكن الملك الراحل يسمح لأهل دار المخزن (بما فيهم سكان تواركة) اللجوء إلى القضاء.
فكل الخصومات والنزاعات والخروقات القانونية كانت تحل تحت إمرته من خارج المنظومة القضائية داخل القصر، وغالبا ما كان يبث فيها بنفسه. لذلك كانت دار المخزن تتوفر على منظومة جزائية وعقابية خاصة، بما في ذلك سجن خاص (البنيقة) لإيداع الخارجين عن قواعد سلوك ونظام دار المخزن وذلك لمدة محددة. وعبيدات العافية هي الفرقة المكلفة بإنزال العقاب على المذنبين (الجلد أو الحبس بالبنيقة). وورد في عدة كتابات أن الخدم والجاريات، بل وحتى بعض نساء الحريم قد تعرضن إلى عقوبات تأديبية تكلفت فرقة عبيدات العافية بتطبيقها والقيام عليها، وقد علق أحد المحللين على هذه الفرقة بنعتها بـ “جلادي البلاط”.
والقاعدة السائدة بين خدم وعبيد دار المخزن هي التوقير والتبجيل، وينادون أسيادهم بسيدي ومولاي ولالة والشريف والشريفة، أما فيما بينهم، فينادون من هم أكثر رتبة في هرم تراتبية الخدم والعبيد بلقب “عزيزي”.
ومن المعروف على المغاربة أنهم شديدي الولع بتشريف الأسماء ذات الدلالات الدينية، وقد وصل بهم الأمر إلى تثبيتها في بطاقات التعريف والوثائق الرسمية بعبارات سيدي ومولاي ولالة. ففي المرجعية المجتمعية الشعبية المغربية كل من ينتمي إلى الأسرة العلوية فهو شريف، وكل من ينتمي إلى أسرة علمية عريقة أو إلى زاوية صوفية فهو في المجتمع شريف.
وفي المغرب خصصت الدولة، الشرفاء العلويين ببطاقة خاصة تميزا لهم وتوقيرا، وهي بطاقة بيضاء يخترقها خطان (أخضر وأحمر) تحمل صورة واسم صاحبها، وتعتبر بمثابة شهادة اعتراف من الدولة بالوجاهة الروحية لحاملها، وغالبا ما يستعملها البعض على أنها بطاقة بيضاء (carte blanche)، أي عبورا وتحقيقا لجملة من المصالح والامتيازات في الكثير من الحالات.

خدام الحريم
في الوقت الذي كان هناك جناح خاص بالحريم، كان فضاءا لا يلجه إلا الملك والخدم والعبيد الذين يتم وقف حياتهم على خدمته وذلك حتى لا يذاع ما بداخله من أسرار. لذا كانت فرقة من الخدم والعبيد خاصة بالحريم.
وساد الاعتقاد أن الخدم العاملين بجناح الحريم والوصيفات من العبيد المخصيين. وخدمة هذا الجناح ظلت مهمة تتوارث أبا عن جد بين فئة خاصة من عبيد القصر الملكي، وهي الفئة الوحيدة من الخدم والعبيد الذين كان مسموحا لهم، دون غيرهم، ولوج فضاء الحريم والوصيفات، وكانت هذه الفرقة تقوم بمختلف الأشغال والأعمال، ومن ضمنها – كما يشاع- المساعدة في تحضير لوازم الاستحمام والمساعدة على الاغتسال في قاع الحمام البلدي.
وقد تداخلت الشائعات بالواقع باعتبار أنه ظل سائدا أن حياة القصور الملكية في عهد الحسن الثاني كانت شبيهة جدا بظروف السلاطين القدامى وقريبة من الحكايات والقصص الهارونية. وهذا خلافا لما سار عليه الملك محمد السادس الذي لا يحب العيش داخل القصور ولا يستحسن طقوسها وقواعدها، بل يفضل العيش بطريقة عصرية حداثية في إقامة ملكية توفر جوا عائليا حميميا، خارج الأسوار العتيقة للقصور، بعيدا عن ضجيج وصخب الخدم والحشم الذين تعج بهم فضاءات القصور الملكية.
ويبدو أن الملك محمد السادس اعتمد أسلوب الشفافية، فيما يخص حياته الخاصة، خلافا لما كان عليه الحال في عهد والده الراحل الملك الحسن الثاني. وهذه إشارة قوية لم يتمكن الفاعلون السياسيون بعد من التقاط جميع دلالاتها وأبعادها ومنذ اعتلاء الملك محمد السادس عرش البلاد فقد ألغى طقوس الحريم وسرح كل النساء الراغبات في المغادرة
فرقة خاصة جدا

من فرق خدم وعبيد دار المخزن الخاصة جدا، فرقة حراس الفضاءات الحميمية للقصر الملكي. ويبدو أنها فرقة أمنية من نوع خاص يشكل أفرادها جماعة منغلقة على نفسها، ويقال أن أصلها أوروبي وليس إفريقيا كما هو الحال بالنسبة لساكنة تواركة؛ بشرتهم بيضاء وأحيانا عيونهم زرقاء ويرتدون لباسا مغايرا لجميع ألبسة العاملين بدار المخزن سواء منهم الخدم أو العبيد أو الحرس الملكي.
ومن نماذج هذه الفرقة الحراس الحاملون لحربة خاصة والمتواجدون في الأركان الأربعة لضريح محمد الخامس بحسان بالرباط، يحرسون الضريح من الداخل ويرتادون لباسا مميزا غير شائع بالمغرب. وحسب بعض المؤرخين، فإن أحد السلاطين العلويين قد جلب عبيدا ذوو بشرة بيضاء من إحدى أراضي أوروبا الشرقية للقيام بحراسة العائلة السلطانية عن قرب في وقت عرفت فيه البلاد بعض القلائل، وقد ظلوا مرتبطين بالبلاط دون اختلاط بالمغاربة أو عبيد البخاري.


خدام “أتاي” بالقصر

للشاي الأخضر المنعنع مكانة خاصة في حياة المغاربة مهما كان الموقع الذي يحتلونه في المجتمع، وكذلك الأمر داخل العائلة الملكية.
وقد اهتم الملك الراحل الحسن الثاني بشأن الشاي الأخضر المنعنع لدرجة أنه رقى القائم على شؤونه بالقصر الملكي إلى درجة قائد (قائد البراد أو قائد الأتاي).
ويعد “الأتاي” بالقصر الملكي على الطريقة التقليدية مع احترام كل القواعد والعادات المرتبطة بطقوس تهييئه كاستعمال الصينية بكل لوازمها من “بابور” و”براد” و”الربايع” الثلاثة (الخاصة بقطع سكر القالب وحبوب الشاي الأخضر وأوراق النعناع الطرية) وكأس “التشليلة” الأولى ومراحل إعداده انطلاقا من غليان الماء وانتظار خروج “السبولة” (البخار) من البابور كعلامة على الوصول إلى درجة الغليان المطلوبة، ثم “التشليلة” الأولى لحبوب الشاي فـ “تشحيرة” البراد، وطريقة سكب أول كأس قصد التذوق وحدود ملئه لإبراز “الرزة” (الكشكوشة)؛ تلك هي المهام التي يحرص عليها قائد البراد بالقصر الملكي، إضافة لتنظيم مهام العبيد المشاركين في إعداد الشاي.

عن مدونة الاسرة الملكية

يتبع الاسبوع المقبل..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.