أبقرارات الإجحاف نؤسس لمدرسة الإنصاف؟ !

 
والمغاربة ينتظرون بلهفة تفعيل مضامين الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المتعلقة بإصلاح منظومتنا التعليمية، من أجل مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص، بعد أن باءت كل محاولات الإصلاح بالفشل الذريع، رغم ما استنزفته من جهود وأموال هائلة، فإذا بهم يباغتون بصدور قرارات لاشعبية وتعسفية غير مسبوقة.
فالمدرسة العمومية التي كانت بالأمس مشتلا لاستنبات أجود الأطر، أمست بفعل الإقصاء الممنهج تمر بأحلك الظروف، وتعرف تراجعا مطردا حتى قبل صدور تقرير البنك الدولي لعام 2008، الذي جاء ينذر بالأوضاع الكارثية لمنظومتنا التعليمية، إذ حلت بلادنا ضمن المراكز الأربعة الأخيرة في قائمة الدول العربية، وصنفت بعد ذلك في تقرير آخر لليونيسكو من بين أسوأ 21 دولة في العالم بجوار بلدان فقيرة أو تعيش اضطرابات. وزاد الطين بلة تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2015 في مؤشر جودة التعليم، حين صنف المغرب في الرتبة 101 من أصل 140 دولة، علما أنه لم يمر على عشرية الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبرنامج الاستعجالي سوى عامين (2000-2013).
من هنا، واستنادا إلى تعليمات ملكية سامية، قام المجلس الأعلى للتعليم بإعداد تقرير تقييمي حول منجزات الميثاق الوطني، معتمدا على مقاربة تشاورية مع مختلف المعنيين بالشأن التعليمي داخل المغرب وخارجه، بغرض وضع اليد على مكامن الداء وبحث سبل الدواء للارتقاء بمستوى القطاع، والانكباب على تعزيز المكتسبات وترسيخ الدعم الاجتماعي والتكوين المهني في النظام التربوي، ومضاعفة الجهود في اتجاه رفع التحديات الكبرى…
وفي هذا الإطار تبلورت الرؤية الاستراتيجية للمجلس الأعلى، واستبشر الناس خيرا بما كشف عنه المشروع التربوي الجديد، من “نوايا حسنة” في معالجة النقائص التي أدت إلى تأزم الوضع التعليمي، الذي يمتد إلى حدود سنة 2030 ويطمح إلى تأهيل جيل المستقبل، والمساهمة الفعالة في بناء الرأسمال البشري، من خلال إرساء أسس مدرسة مغربية منصفة، تمنح أبناءها تعليما جيدا، يرتكز على القيم والمبادئ العليا للوطن. فكان طبيعيا أن يكبر الحلم بالتغيير وتعلق الآمال على هذه الرؤية الاستراتيجية، التي من شأنها وضع قاطرة التعليم على سكتها الصحيحة، والخروج من النفق المظلم.
بيد أنه سرعان ما خاب ظن المغاربة ووجدوا أنفسهم يصطدمون بواقع مرير، حيث لم تلبث السلطات أن باغتتهم بالإجهاز على بعض المكتسبات الاجتماعية واتخاذ قرارات جائرة. ففي غمرة الانشغال بالانتخابات التشريعية وبأمر من جهات عليا، أقدم كل من وزير التربية الوطنية رشيد بلمختار ووزير المالية محمد بوسعيد، على توقيع اتفاق يهم توظيف أطر جديدة لمواجهة الخصاص المهول في الموارد البشرية وامتصاص غضب الشارع، إثر الاكتظاظ الحاصل بالأقسام، الذي لم تنفع معه الحلول الترقيعية بضم الفصول الدراسية، حذف بعض المواد من مستويات معينة وتقليص حصص أخرى، بغرض تفييض المدرسين وإعادة انتشارهم…
وعبر مراسلة وزارية مستعجلة، سارعت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين إلى تنظيم مباريات، قصد توظيف الأطر اللازمة بناء على حاجياتها ودفتر تحملات واضح، بإبرام عقود محدودة المدة وقابلة للتجديد سنويا. وهو الإجراء المنبثق عن القانون 2.15.770 المصادق عليه من قبل الحكومة المنتهية ولايتها حول “تحديد شروط وكيفيات التشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية”، الذي رأى فيه الكثيرون ضربا للخدمة العمومية، وقد يصبح بديلا للتوظيف العادي حسب المناصب المالية المتوفرة، فضلا عن تداعياته الخطيرة والعميقة على مستوى المتعلمين والمنظومة التربوية وصندوق التقاعد، ومن بينها التمييز السلبي بين الموظفين، وجعل المتعاقدين مجرد مياومين غير قادرين على التركيز والعطاء المثمر، لعدم الشعور بالاستقرار وحرمانهم من الترقي والانتقال والإدماج والترسيم…
وقبل حتى أن تخبو نيران التنديد والاستنكار، انطلق صخب كبير حول عزم الدولة إعدام مجانية التعليم في الثانوي التأهيلي والتعليم العالي، علما أن التعليم حق إنساني يكفله الدستور، وعليها الالتزام بعدم انتهاكه أو التمييز بين فئات الشعب. ذلك أن الجمعية العامة للمجلس الأعلى للتعليم صادقت في دورتها العاشرة المنعقدة بالرباط يومي 21 و22 نونبر 2016 على مشروع الرأي، الذي كان تقدم به في يوليوز 2016 رئيس الحكومة آنذاك بنكيران إلى المجلس، حول مشروع القانون الإطار للمنظومة التعليمية، المتعلق بإلغاء المجانية تدريجيا، وفرض رسوم على الأسر بدعوى تنويع مصادر التمويل حسب مبدأي الاستحقاق والقدرة على الأداء. وهو إجراء استفزازي يدخل ضمن مسلسل تخريبي للمنظومة التعليمية، ويعتبر جريمة ضد الإنسانية، مما ترك استياء عارما في أوساط ملايين المغاربة.
وبينما نحن ننتظر انفراج “الأزمة” السياسية التي عمرت أزيد من أربعة شهور، ويتمكن رئيس الحكومة المعين بنكيران من تشكيل أغلبيته الحكومية، فإذا بنا نفاجأ بعاصفة هوجاء تضرب بعض الأطر من مختلف الفئات التربوية والإدارية. إذ عوض الشروع الفعلي في الإصلاح الموعود وتطهير القطاع من لوبيات الفساد الحقيقيين، اختار الوزير بلمختار كالعادة الاتجاه المعاكس، بإعفاء عشرات الموظفين من مهامهم ومناصبهم دون أن يكونوا متورطين في ملفات فساد مالي أو إداري. وأنهم في غياب توضيحات رسمية وحسب المتداول بين الناس، ليسوا سوى ضحايا انتماءات سياسية أو توجهات فكرية، مما يعد خرقا سافرا للقانون وشططا في استعمال السلطة.
إننا أمام هذا التعسف الأخرق، الذي يبدو محكوما بخلفيات غير مهنية، نرفض التمادي في مسلسل التضييق والخروقات، وندعو “أرباب” القرار إلى التصحيح الفوري للأمور، أو الكشف عن حقيقة تلك الإعفاءات الجماعية، درءا لمزيد من الاحتقان وتنويرا للرأي العام.
اسماعيل الحلوتي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *