جمالية الخط لدى النقاد المشارقة والمغاربة

محمد البندوري

لقد شكل الخط العربي في المشرق العربي وسيلة هامة لتحقيق التواصل ونقل المعارف، وقد اتخذ مسارا جماليا من خلال أسلوبه الفني الذي يقوم على التحاور بين اللون والخط والرمز، الذي يحفظ للأشكال بنائيتها، ويطوع جوهر الشكل لديها، ويتجه إلى شحن المفردات بتعبيرات متنوعة ودلالات متعددة عن طريق تحوير الوحدات التشكيلية واستدماجها في نسق جمالي، انطباعي أحيانا وعلمي ومنطقي أحيانا أخرى في مدركاته البصرية، يستند إليه شكل الحرف لخدمة الشكل الجمالي، فهو يروم جماليا وبلاغيا مختلف القيم البصرية التي تعتمد جمالية الأشكال الخطية، استنادا إلى الحقيقة التواصلية للخط، والحقيقة الجمالية للأشكال الخطية التي تستبطن تفاعلات ضمنية بالاسترسالات والمقوسات والمنحنيات وغيرها، مما يعني أن التفاعلات الضمنية مع أشكال الحروف مفردة ومركبة ومع الأشكال الخطية هي السبيل القويم لفهم الحقائق الجمالية والتصورية وإدراكها، حتى تبزغ واضحة المعالم.

إن التراث العربي الإسلامي يزخر بالقيم الخطية التي تتحقق في مدار الدلالة، على المستوى الجمالي والمعرفي والبلاغي، عن طريق العناصر الخطية والمفردات الفنية التي تؤدي إلى جانب وظيفتها في البناء الخطي أدوارا أخرى أجدى وذات أهمية قصوى، في ارتباط وثيـق مع كل سياقات التفاعل بينها وبين القارئ في نطاق تواصلي صرف. والخط العربي في هذا المعنى أداة جمالية للوصل تروم وسيلة بلاغية لها دلالاتها في سياقـــــــــــــــــــــــــات
مختلفة بحسب الأجناس الأدبية والفكرية والفنية المتعددة. وقد لعب النقاد العرب المشارقة القدامى دورا محوريا في كل تلك العمليات التي قامت بتوجيه جمالية الخط نحو التواصل والتطور وارتياد عوالم إبداعية جديدة.

image image
1- الرؤى الجمالية والبلاغية للخط لدى النقاد العرب القدامي
لقد خلفت جهود العلماء والمثقفين والنقاد أثرا كبيرا في سلك الخط العربي منحى جماليا وبلاغيا، وشكل نقطة إيجابية في مسيرته نحو ارتياد عوالم جديدة أصبح لها أثر على النصوص الشعرية والنثرية وعلى كل الوسائل العمرانية العربية الإسلامية.
لقد أحس النقاد بجمال الخط في النصوص، وأدركوا خصائص لغة الخط، وذلك نتيجة تفاعلهم مع فن الخط ورصد جمالياته. فجماليات الخط لها جهازها المفاهيمي الذي منه تتشكل الرؤية النقدية والبلاغية.
ولا شك أن التحول الحضاري والثقافي والاجتمـاعي والاقتصـادي للأمة الإسلامية قد ساهم في العملية الإبداعية وما رافقها من طموح لتغيير مسار الخط العربي والتفنن فيه وتنويعه، كمــا أن “اضطلاع العرب بالعلوم الرياضية والهندسيــــــة” ساهم في صنع أنـــواع جديدة بآليات جديدة وتقنيات جديدة حيث تعددت الأقلام وتنوعت الخطوط والكيفيات والتصورات والأفكار، وتمهدت الطريق للإبداع والابتكار بالصورة التي توصل إلى الهدف من العمل الخطي بما يشتمل عليه من عناصر تؤثث لكل مناحي الجمال وإنتاج الدلالات؛ فكان من الضروري ” إنشاء أنماط إبداعية من الخط الجميل ” وأن تشيد معلمات فنية لصناعة الخط، لتحديد القيم الجمالية في التشكيل؛ لتوصيل كلام الله عز وجل في أحلى صورة مكتوبة وأجمل حلة يكون فيها كتاب الله المقدس؛ ولوشم المعالم الحضارية بالطابع العربي الإسلامي، خصوصا مع التقدم الفني والحضاري. فظل تأثير القرآن الكريم في بلاغة الخط جليا، حيث يظهر أن الأساليب الخطية وما صاحبها من تشكيلات جمالية قد نشأت في أحضان الآيات القرآنية الكريمة، ومنها استمد المبدعون الأبعاد الجمالية للخط الذي ساهم فيما بعد في وجوده البلاغي.
فإذا كان تأثير القرآن الكريم بما اشتمل عليه من نسق فني جميل قد ملك سمع الناس وقلوبهم، اعتبارا للإحساس بالأثر النفسي للقرآن الكريم، فإن علماء الخط قد جعلوا من كتابة الآيات القرآنية – عن وعي أو عن غير وعي- سحرا بصريا يليق بالسحر البياني في نطاق إدراك العلاقة بين السحر البياني والسحر الخطي وما يخلفه من أثر نفسي.
ولذلك فقد اجتهد العلماء في بلورة بلاغة خطية من خلال حاضرة علماء الخط وحاضرة الخطاطين وحاضرة النساخين ووضع معالم التقعيد والتحديد والتركيب والترميز والتدليل في نطاق نسق خطي بلاغي.
فإن كل ذلك هو ما أوصل التفكير العربي إلى الوعي بالقيم الجمالية للخط وإنشاء بلاغة خطية. بل إن الخط العربي هو أحد العلوم البلاغية في النصوص الجمالية في اتصال بكل
الأساليب والوسائل التي تساهم في نشوء ظاهرة البلاغة الخطية على نحو تتم به عملية الإدراك والتبين والفهم والقراءة.
فكما ظهر البديع الذي ارتبط بالتحول الحضاري والتحول في عقلية الإنسان العربي حيث ظهرت الخصائص الفنية في التعبير(البديع)، ظهر كذلك البديع في رسم الخط، وظهر ما اصطلح عليه آنفا: التشكيلات البديعية، التي دلت على التجديد في التعبير بطرق مختلفة من التزيين، في نطاق التوافق بين جماليات الخط وبواطن النصوص. فأصبح الرسم والخط العربي مبنيان بواسطة العلامات اللغوية الخطية حيث: ” تقوم فيه الكلمات بدورين مزدوجين، دور الخطاب ودور الرسم”ومنها التشكيلات التصويرية.
فمع التمكن من التجويد الخطي، بدأ التكلف في التشكيل، وإدخال مختلف الزخارف والصور التي تحاكي الطبيعة في الخط، ولم يقتصر ذلك على الكتابة الخطية والزخرفية فحسب، بل تعداها إلى إنتاج معاني جديدة.
ويتبدى أن إطلاق العنان للتشكيل الخطي قد أدى إلى إنتاج علامات تماثلية، فتبدت عناصر الجمال في الحرف نفسه وفي الصورة الخطية جلية، مما أتاح فرصا كثيرة في تأويل رسم الحرف والتعدد في المعاني، وفي تأويل التشكيلات الخطية، حيث يمكن للحرف الواحد كما للصورة الخطية الواحدة أن ينتجا معاني كثيرة في آن واحد، كما أصبح الحرف الواحــــــــــــــد الذي يختلف في رسمه من رسم إلى آخر يشكل خزانا بصريا يمكن قراءته عبر نظام العلاقات البصرية وحدها وعبر نظام خطي يشكل بؤرة للجمال تتبدى أبعاده في كل حرف وفي كل كلمة وفي كل جملة وفي كل نص.

image image
إن خصوصية العمل الفني للخط تقتضي ربط الصلة بين الخط والخطاب البلاغي نظريا وتطبيقيا، وذلك بما يجعله تأملا في الخط والفكر، فخصوصية العمل الحروفي وطبيعة الصورة الخطية تبين أن الخط صورة جمالية بالشكل الذي يوضع عليه رسم الحرف، وأن ذلك الرسم الذي يكون عليه الحرف هو في المقام البليغ إبداع ذهني يخضع للتطور المنهجي والفكري والحضاري في المنظومة الحروفية والنقدية، باعتبار أن الناقد هو المعني الرئيسي بعملية وضع رسم الحرف وإدراك خبايا شكل رسم الحرف برؤية عالمة وخبرة عارفة بحيثيات الحروف والخط، مع مراعاة الوصل في العملية الإبداعية للحرف على المستوى الثقافي والفني، بربطه بالقضايا المعرفية وقيمتها الفكرية. ذلك أن هذا الحرف قد احتاج إلى كيفية صناعة المفاهيم الفنية والجمالية، خصوصا وأنه يخترق كل المعارف. فإدراك ذلك هو إدراك شمولي للحرف في نطاق معرفة علمية بشكله الذي يختزل العمل الفني والتشكيل الجمالي. فمن واجب العلماء إمداد المنظومة الحروفية بنظريات جديدة من خلال مجالهم التداولي للمحتويات الجمالية للحرف وذلك لوضع أسمى الجماليات الحرفية وإبداع معرفة تحيط بالحرف من كل الجوانب.

أ-اهتمام ابن قتيبة وأبي بكر الصولي بالخط العربي
• ألف ابن قتيبة (ت276ه) رسالة في الخط والقلم، وهي رسالة لغوية أدبية جميلة، تتألف من أربعة وأربعين صفحة، تتحدث عن الكيفية التي يجب أن يكون عليها الخط، والوسائل التي تقود نحو التجويد، وتحدث فيها عن القلم والمداد وتأثيرهما في المنحى الجمالي.
• وخصص أبو بكر الصولي (335ه) في نطاق اهتمامه بجمالية الخط بابا مفصلا في الخط والقلم من كتابه أدب الكتاب على أن الكتّاب هم الأكثر اهتماما بالبعد الجمالي للخط العربي وأنشد من الشعر أبياتا تنم عما يخلفه الخط من أثر في عين القارئ:
إذا ما تحلل قرطاسـه وساومـــه القلم الأرقش
تضمن من خطه حلة كنقش الدنانير بل أنقش
حروف تعيد لعين الكليل نشاطا ويقرأهـــــا الأخفش
وقال أيضا في قصيدة مدح بها الوزير أبا القاسم:
ينظم درا في قراطيسه أفدي أبا العباس من ناظم
يطلع أنوارا بهـــا غضة بوابل من نقشــــــــــــــه واسم
بنفسجا أو مشبها لونه في أرض نسرين له فاحم
كالذر في اللفظ وكالوشـــ ـي في الرقم أجادته يد الراقم
وأورد شعرا لأحمد بن اسماعيل وهو يلامس لعبة الأبيض والأسود:
وإذا نممـت بناتك خطـــــــــــــــــــــــــا معربا عن إصابة وســـــــــــداد
عجب الناس من بياض معان تجتنى من سواد ذاك المداد
وفي نطاق النظرات النقدية للصولي التي تعنى بجمالية الخط فإنه استقبح أن يقع في الخط نوعان مختلفان، ويقوم في النفس من ذلك ما يقوم فيها من الشعر إذا اختلفت أعاريضه وخلط فصيحه بمولده. فيصفون الخط بالجودة إذا اعـتدلت أقسـامه وطـالت ألفه ولامـه واستقامت سطوره. وقالوا رداءة الخط إحدى الزمانتين كما أن حسنه إحدى البلاغتين.
لقد أسهمت اهتمامات أبو بكر الصولي وابن قتيبة في تخصيب الأرضية للخط العربي ليقطع أطوارا متعددة قادته لاحقا نحو مرحلة الجودة والجمالية، كما ساهمت بعض آرائهمـــــا
في رسم معالم الخط الجيد، وفق الذوق والمعيار الذي اعتمده كل واحد منهما، ووفق الأهداف الجمالية المتوخاة حسب مقدرتهما في التمييز في الخط، وحسب المعرفة النقدية، والمرجعية الفنية التي تضبط العلاقة بين الناقد والمادة الخطية. لكنها في مجملها قد شكلت تحولا في الرؤية للخط واصطناع أفكار نقدية تفتح آفاقا نحو التقويم الصحيح، وترسم في الآن نفسه معالم الجمال للخط، وتقدم نظرة عن الشكل الجيد، وتبلور رؤى جديدة قياسا بالوضع السابق للخط. في نطاق تقويم تفاضلي حكمته الرؤية البصرية في استحسانها لهذا واستقباحها لذاك، وغذته الآراء والمعايير والأوصاف التي يجب أن يكون عليها الخط والقلم.
• ب-المقصد الجمالي للخط عند ابن مقلة
لقد شكل الاهتمام بضوابط الكتابة وجمالياتها أحد أهم الأسس التي صنعت اللبنات الأولى للتحول إلى البلاغة البصرية، وقد أدى هذا الاهتمام إلى ظهور تصورات وآراء وأعمالا ذات قيمة كبيرة. منها ما جاء به أبو علي ابن مقلة المتوفى سنة 328هـ – حسب ما تواثر في كتب الأولين- فجود الخط حتى تميز بالحسن والجودة حيث أدخل عليه تحسينات رائقة، حملته إلى الشكل الجميل الذي انتهى إليه، ثم فتح من خلال مشروعه الجمالي باب الإبداع ونهج الدقة في التجويد وبسط الأساليب الجمالية التي أخضعها لمقاييس محددة. وبذلك كان ابن مقلة منطلقا فاصلا بين ما سبق وبين العهد الجديد للخط، حيث كانت فلسفته الخطية قائمة على أسس عقلية ومنطقية ومعرفية ومنهجية وعلمية وهندسية، ” ثم انتهت جودة الخط وتحريره على رأس الثلاثمائة إلى الوزير أبي علي محمد بن مقلة وعن ابن مقلة انتشر الخط في مشارق الأرض ومغاربها.” لكن صاحب التحفة أورد رأيا مخالفا لذلك، فيقول:” قال بعضهم: وكثير يزعمون أن الوزير أبا علي ابن مقلة هو أول من ابتدع ذلك، وهذا غلط، فقد وجد من الكتب بخط الأولين فيما قبل المائتين ما ليس على صورة الكوفي، بل يتغير عنه إلى بعض هذه الأوضاع المستقرة الآن.”
وقد تنوع الخط العربي بعد ذلك إلى عـدة أقلام مختلفة ذكر منها ابن الصايغ:” الطومار والجليل والمجموع والرياشي والثلثين والنصف والثلث والحولجي وخفيف الثلث واللؤلؤ والديباج، والتوقيع والرقاع والمحقق والغبار وهو أدقها. ومنها قلم السجــــــــــــــــــــــــــــــلات
والقصص ومنها أيضا: “الثلث المعتاد والجليل وجليل الثلث وقلم المصاحف والمسلسل والمنثور والنسخ والمنثور وجليل المحقق والريحاني والرياسي والمرصع والحواشي والأشعار والمقترن.” واللؤلؤي وخفيف الثلث وفضاح النسخ والعهود. ومنها كذلك: ماهو محقق ومعلق ومخفف ومبسوط ومقور وممزوج ومعماة. ومنها المفتاح والمنسوب والموزون والمدجن والمدمج والمدور والمرسل والمسلسل.
وقد اختصر ابن مقلة أنواع الخطوط العربية في ستة من خلال رسالته في علم الخط والقلم وهي:

” الثلث والنسخ والتعليق والريحان والمحقق والرقاع. ونجده يجعلها اثنا عشر خطا في رسالته في علم الكتابة.
ومن الخطوط أيضا: الخط الديواني والخط المغربي وخط الطغراء.
ومن مظاهر الابتكار في الأقلام في ارتباطها بالشعر العمودي وبجمالية الخط العربي، تم تخصيص قلم خاص لكتابة الشعر يوافق نمط القصيدة العمودية التي يتكرر نفس الحرف في قافيتها مما يتطلب تصفيفا محكما، فظهر القلم المدور الصغير، ثم القلم المؤنق.

لقد استطاع ابن مقلة أن يبسط رؤاه الفنية بنظرة تكاملية بجملة من الآليات المستقاة من فلسفته الخطية التي رامت التنسيق والتنظيم وفق إنجازات تطبيقية إجرائية في منطلقاتها وفي طبيعتها وفي كل مراحلها، فهي راوحت بين النظرية والتطبيق مما سهل عملية التطبيق، وجعل رؤاه النقدية ترقى في مدارج الابتكار وتحقق إنجازا فنيا كبيرا.
وبذلك أسهمت تجربة ابن مقلة الإبداعية وتصوراته النقدية وتصميماته الهندسية في معالجة كل عمليات الخط من منظور هندسي مغاير لامس جوهر الخط، وساهم في التطور الجمالي للخط العربي، حيث كان للأقلام المحدثة وتنوعها فضل في إبداع أشكال من الحروف الجديدة التي ولدت جماليات تجلى بريقها في مختلف النصوص الأدبية، واستوطنت الجماليات التي اكتسبتها أشكال الحروف الجديدة من خلال رسمها كل التراث العربي الإسلامي في المشرق العربي، في نطاق ممارسة نقدية بلورت العمل الإبداعي للخط العربي بشكل منسجم ومتكامل وفي نطاق منظومة من العلاقات ضمها التراث العربي الإسلامي.
ج-المقصد الجمالي في بلاغة أبي حيان التوحيدي الخطية
من الآراء التي ساهمت في التحول إلى بلاغة المكتوب واستشراف بلاغة بصرية، آراء وتصورات أبي حيان التوحيدي (414ه). لقد عمقت من صيغ الإدراك لطبيعة العلامة الخطية وعمقت من الصيغ الجمالية للخط، ومن الوعي بالمقصد الجمالي للخط.
فهو أحد الذين صرفوا عنايتهم للمقصد الجمالي للخط من خلال حبه للخط العربي، فألف رسالته الشهيرة في الخط، نظر فيها إلى الشكل الذي يجب أن يكون عليه الخط، من حســــــن
وجمال وتقنية. وقد رأى فيه الفن العربي الإسلامي الجميل، له مستلزماته الفنية وله مرجعياته وضوابطه.‏ وقد كان لأبي حيان إلمام بمقاييس الحروف ووضعياتها استقى منها نظريته الجمالية. وقد تبدت مؤهلاته جلية في خط النسخ حيث كان يقوم كل ما يخرج عن الضبط. يقول أبو حيان التوحيدي:” وسمعت ابن المشرف البغدادي يقول: رأيت خط أحمد بن أبي خالد كاتب المأمون، وكان ملك الروم يخرجه في يوم عيده في جملة زينته، ويعرضه على العيـون فقال: وكانت ألفاته ولاماته على غاية الانتصاب والتقوم، ولم أجد في جميع حروف خطه عيبا إلا في الواوات الموصولة، والياءات المفصولة، قال ورأيت خط ابراهيم بن العباس، وكان ضعيفا جدا، ولكنه شديد الحلاوة، قهارا للعيون، قال ورأيت خط ذي الرياستين وكان نهاية، لكنه كان لايكتب بالقلم الأوسط ولا الدقيق، وليس لأهل المشرق ولا لأهل المغرب حد موصوف.”
يتبدى من خلال ما تقدم أن أبا حيان التوحيدي ينتقد هذا، ويثبت هذا، ويصدر أحكاما نقدية تخص جمالية الخط، فضلا عن العناية بالبصر وبالذوق وبالبعد الجمالي. وهو لا يكتفي بذلك وإنما وضع شروطا للخط الجميل المجود:” والكاتب يحتاج إلى سبعة معان: الخط المجرد بالتحقيــــــق، والمحلى بالتحذيــــــق، والمجمل بالتحويــــق، والمزيـــــــــــــــــــــــــن
بالتخريـق، والمحسن بالتشقيق، والمجاد بالتدقيق، والمميز بالتفريق.” لكن بعض من شرح هذه المعاني السبعة قد انزاح عن الصواب لعدم درايته بالخط وأساليبه، فشرححسب هواه، لأنه يعتبر الخط صنعة وليس أثرا وفنا، علما بأن المعاني السبعة هي محددة جدا ودقيقة للغاية، وترسم طريقا صريحا لجمالية الخط. فهي تعبر عن رأي أبي حيان وتوجهه الصريح نحو فصاحة الخط، أو جمال الكتابة والدليل الخطي العربي بخصوصية التجربة الانتقالية في نطــــــاق مفـارقـة كبيرة، حيث تتغير مهارات التوصيل الشفهي إلى مهارات يدوية بصرية، وبذلك يكون بياض الورق أحد العناصر المساهمة في النص، كوسيط يفتح سطحه ليتحطم بسلطة الظهور الخطي الفصيح المدجج بالقيم والتشكيلات الجمالية.
وقياسا على شروط الخط الجميل التي وضعها أبو حيان التوحيدي، فقد أورد ابن الصايغ في التحفة: ” سأل الصوفي بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة فقال: إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده جدوره، وتفتحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنفاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوره، وإلى القلوب تشمره، وقدرت فصوله، وأدمجت أصوله، ومناسب دقيقه وجليله، وتساوت أطنابه، واستدارت أهدابه، وصغرت نواجــــــــده، وانفتحت محاجره، وخرج عن
نمط الوراقين، وبعد عن تصنع المحررين، وخيل إليك أنه متحرك وهو ساكن الاطناب الألفات والأهداب من فصول الراء والزاي والنواجد الباء والتاء..”
فالخط العربي بالمعاني التي أوردها أبو حيان التوحيدي، والتي أوردها كذلك ابن الصايغ، يفرض نفسه عنصرا تواصليا جميلا يجعل عين القارئ متفاعلة، لأن المقاصد الخطية تعتمد مخاطبة العين، وبذلك تتغير المقاييس البلاغية قياسا بالنظر إلى المعاينة البصرية التي تعتمد الواقع المرئي للحروف وللكلمات والعبارات شعرا كانت أم نثرا، وتعتمد أيضا الأشكال الخطية عن طريق تفتيت الحروف بتناظر دقيق، واستخدامها وتطويعها حسب المراد والغاية المطلوبة، عملا بالشروط الجمالية المحددة، وقياسا بالسمة المركبة للخط العربي التي تخول إثبات الجمال حتى يحتل مكانة في العين ثم في القلب.
والخط حسب المعاني الواردة في النصين يمتلك إمكانيات هائلة، ويمتلك الطواعية والمرونة والانسيابية، ويمتلك كل مقومات الجمال، مما يفتح أمام المبدعين آفاق الخيال الغني الخصب لتشكيل المكان باعتماد الإطالة والاستقامة والتفتيح والتدوير..
لقد شكل التنظير الجمالي للخط عند أبي حيان التوحيدي حلقة نقدية مهمة ربطت العلاقة مباشرة بين الجمال والخط، بإكساب الخط جماليات غير سابقة، لأنه توسل منهجا جماليا يقود إلى الإبداع بطرق مختلفة، وأقصى السمة العادية في الحرف العربي، وخلص الخطاط من الشكل الجاهز، وبين الإمكانات الهائلة التي تنتج الجماليات وتفتح آفاق الخيال أمـــــــــــام
المبدع، وإنتاج معرفة فنية وجمالية بالظاهرة الخطية، وبتجلياتها في النصوص الأدبية العربية، بأدوات جديدة وأفكار جديدة وتصورات جديدة، حيث فاقت الأقلام خمسين ومائتيــن قلما، تألق خلالها المجرد والإسماعيلي، والمغربي، والمكي، والأندلسي، والشامــي، والثلثي، والعراقي، والعباسي، والبغدادي، والمشعب، والريحاني، والمصري والنسخي.. خصص كل منها لما يناسبه. وانفتح الخط بذلك على الفن في كل أشكال العمارة العربية الإسلامية، حيث إن لكل صنف معرفة بآلياته وطقوسه الجمالية التي تجد لها تجليات في التصورات النقدية لأبي حيان التوحيدي. وقد لاقت اهتماما كبيرا حيث اكتسبت مع الخطاطين أهمية في الحركة الخطية الجمالية كان لها أثر بالغ في توجيه العمليات الإبداعية نحو التجديد والابتكار، وهو ما أفرز فيما بعد نصوصا مغايرة.
وبالموازاة مع ذلك، فقد عمل العديد من العلماء على توجيه وترشيد مسيرة الخط العربي وتجويده وضبطه وتزيينه ودفعه نحو إرساء الجماليات،
2-التأطير الجمالي وبلاغة الخط عند الجاحظ
لقد شهد المشرق العربي حركة نقدية وبلاغية هامة شكلت تطورا نوعيا في المجال النقدي وما له من اتصال بالمستوى البلاغي، ساهمت هي الأخرى في تحقيق منجزات خطية تشكيلية إبداعية صرفة. ومن بين أقطاب هذه الحركة نجد الجاحظ الذي أسهمت آراؤه وتنظيراته في إرساء المعالم الجمالية للخط.
– مفهوم الخط لدى الجاحظ
إن مفهوم الخط لدى الجاحظ يتخذ صبغة شمولية تضع كل أشكال الخطوط والرسوم التي تصنف في الخانة البصرية المدركة بواسطة العين ضمن فضاء المكان لتحقيق مهمة تواصلية. وفي هذا السياق، وفي نطاق أنماط الكتابة التي تشكل أساسا تواصليا، استعرض الجاحظ (255ه) ضروبا من الخطوط منها ما: “تدل على قدر منفعة الخط موردا آيات من القرآن الكريم: قال الله تبارك وتعالى ﴿ كراما كاتبين﴾، وقال عز وجل ﴿في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة﴾، ومنها “خطوط تكون مستراحا للأسير والمهموم والمفكر”.
ومنها ما انتقاه الجاحظ من أقوال الشعراء في جودة الخط العربي فقال: “ومما قالوا في الخط ما أنشدنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: قال المقنع الكندي في قصيدة له مدح فيها الوليد بن يزيد:
كالخط في كتب الغلام أجــاده *** بمداده، وأسد من أقلامــــــــــــــه
قلم كخرطوم الحمامة مائــــــــــــل *** مستحفظ للعلم من علامــــه
بسم الحروف إذا يشاء بناءها *** لبيانها بالنقط من أرسامـــــــه
إلى أن قال:
ماخط من شيء به كتابه *** ما إن يبوح به على استكتامه
وهجاؤه قاف ولام بعدهــــا *** ميم معلقة بأسفل لامــــــــــــــــــــــــــه
وأورد أبياتا شعرية في الخط للحسن بن جماعة الجذامي:
إليك بسري بات يرقل عالم *** أصم الصدى محرورف السن طائع
بصير بما يوحى إليه وماله *** لســــــــــــــــان ولا أذن بها هو سامـــــــــــــــــع
له ريقة من غير فرث تمده *** ولا من ضلوع صفقتها الأضالــــــــــــــــع
ومما أورده من الشعر أيضا ما قاله الطائي يمدح محمد بن عبد الملك الزيات في قصيدة مطلعها: وما برحت صورا إليك نوازعا *** أعنتها مذ راسلتك الرسائل
وقال الجاحظ:” وقد ذكر البحتري في كلمة له، بعض كهول العسكر ، ومن أنبل أبناء كتابهم الجلة فقال:
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت *** برقت مصابيح الدجى في كتبه”
ويتبدى من خلال كل ذلك أن مفهوم الخط لدى الجاحظ يروم كل أشكال الخطوط والأنماط التواصلية للخط التي لها أبعاد سامية تتمثل في حفظ العلم واللغة ونقل المعارف والأخبار وتدوينها. لكن بالتعمق في بيان الخط لدى الجاحظ ستنجلي الرؤية حول القيم الخطية..
إن اعتناء الجاحظ بالخط يدخل ضمن التعدد النقدي الذي تحتضنه ثقافته، وسيتطور هذا الاهتمام بحكم التحولات التي يعرفها مجال الخط، وأيضا من خلال التفاعل المستمر بين المواد الخطية وآراء الجاحظ النقدية. الشيء الذي سينتج مقصديات جمالية مما تزخر به نظرياته التي ارتهنت في أولها بالطابع الذوقي الانطباعي، لكن مع تبلور الصيغ الجمالية وتيسر السبل المظهرية الإقناعية ظهر الوعي الجمالي لدى الجاحظ، واتخذت نظرياته صبغة نقدية مبنية على أسس جمالية، خصوصا وأن النصوص الشعرية قد كتبت بالخـط العـربي وبخطوط متفاوتة الجمال ومختلفة الشكل والنوع مما حتم رصدها في نطاق النقد قبل المعالجة اعتمادا على الأسس الجمالية والقنوات الكتابية التواصلية لبسط التغيير. فكان لهذا التحول تأثير في مجال الخط والنقد وفي آراء الجاحظ تحديدا، بل إن مفهوم الخط عنده هو أعمق من حصره في مجال الكتابة والقلم، وسنتعرض لذلك من خلال سيميائية الخط لديه.
– البعد الجمالي والتواصلي للخط عند الجاحظ
لقد كان ظاهرا في التراث العربي الإسلامي أن عملية الخط تحقق مجالا جماليا، ومما يدل على الوعي بذلك اهتمام الجاحظ بالبعد الجمالي للخط، وهو لم يخف إعجابه بالخط الجميل حين قوله:” وقيل لابن داحة وأخرج كتاب أبي الشمقمق، وإذا هو في جلود كوفية ودفتين طائفيتين، بخط عجيب..” حتى إن الجاحظ انتبه للفضاء ولعبة الأبيض والأسود “بحرص الزنادقة على المغالاة بالورق الأبيض وعلى تخير الحبر الأسود المشرق البراق، وعلى استجادة الخط والإرغاب لمن يخط.” ومن استحسانه وعنايته بجودة الخط وجماليته، يقول فيهم:” فإني لم أر كورق كتبهم ورقا ولا كالخطوط التي فيها خطا.”
وقال أيضا:” وكتب احمد بن يوسف يوما بين يدي المأمون خطا فأعجبه فقال: وددت والله أني كتبت مثله وأني مغرم ألف ألف.”
والجاحظ بأقواله تلك، يميز بين الخطوط من حيث الجودة والجمال المرئي، ويعرف قيمة الفضاء الأبيض. وهذا يحيل لا محالة إلى مجال الرؤية البصرية للخط لدى الجاحظ، وما تثيره من تفاعل مباشر، الشيء الذي جعله يثبت الخط في أداء وظيفة البيان، مع وعي كامل بطبيعة العلامة الخطية، فهو يدرك أن عملية الكتابة تتم بما يصنعه القلم في المداد ليحولها إلى أشكال حروفية في مساحة تتمثل في الورق الأبيض أو القرطاس حيث يتم التركيب الخطي، ويتم التأليف بين الأشكال التي تنتج في النهاية كلمات متنوعة.
واهتمام النقاد العرب بالخط بالإضافة إلى بعده الجمالي كان أحيانا دافعه تخليد العلم وحمايته من الضياع يقول الجاحظ:” ولولا الكتب المدونة والأخبار المخلدة والحكم المخطوطة التي تحصن الحساب وغير الحساب، لبطل أكثر العلم ولغلب سلطان النسيان سلطـان الذكر.” وأيضا:” لولا الخطوط لبطلت العهود والشروط والسجلات والصكاك وكل إقطاع وكل إنفاق وكل عهد وعقد وكل جوار وحلف..” وبذلك :” يصير كل شيء فضل عن انتهاء مدى الصوت ومنتهى الطرف، إلى الحاجة وإلى التفاهم بالخطوط والكتب، فأي نفع أعظم وأي مرفق أعون من الخط.”
وبذلك يتبدى أن الجاحظ كان على وعي بجمالية الخط كما كان على دراية بأهميته التواصلية من خلال تطرقه لبيان الخط معتبرا هذا الأخير ذا أهمية بالغة من حيث البيان والتواصل قياسا بالدور الذي يحققه، والوظيفة التي ينجزها على خلاف الأنواع الأخرى للبيان التي لا يمكن أن تقوم بما يقوم به الخط. فالجاحظ يستثمر هذا المعطى الجمالي في مجال التواصل:” فلذلك وضع الله عز وجل القلم في المكان الرفيع ونوه بذكره في المنصب الشريف حين قال: ﴿ ن، والقلم وما يسطرون﴾، فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخط بالقلم. ولذلك كان الاهتمام بجمالية الخط ضرورة يقتضيها مجاله الديني والبياني والتواصلي، فعمل النقاد منذ الوهلة الأولى على التركيز على البعد الجمالي والتواصلي للخط على كل المستويات.
– سيميائية الخط لدى الجاحظ
وإن الجاحظ في نطاق سيميائية الخط قد أشار إلى أنظمة رمزية وسيميائية، وهو يشرك الخط في أداء وظيفة البيان من خلال مفهومه العام للخط الذي يشمـل كل أشكـال الخطوط والرسوم المدركة عن طريق الرؤية البصرية التي تحقق التواصل بين مختلف العناصر.. فالخط لدى الجاحظ كل ما هو تخطيط من رسوم ورقوم ووسوم وخطوط، و” ليس بين الرقوم والخطوط فرق… وليس بين الرسوم التي تكون على الحافر كله والخف والظلف كله وبين الرقوم فرق، ولا بين الخطوط والرسوم كلها فرق، وكلها خطوط، وكلها كتاب أو في معنى الخط والكتاب.” فالمفهوم العام للخط عند الجاحظ لا يمكن أن يقتصر على معاني الكتاب أو رسم حروف اللغة المنطوقة وتصويرها على الورق أو الجلد أو ما شاكلهما، بل يمتد إلى فعالية الخط وقدرته على الامتداد في الزمان والمكان. ومن تم فإن مفهوم الخط عند الجاحظ يتسع لتنظيراته فيما سماه بيان الخط. وتنظيراته لمقومات الخط وما يستتبع ذلك من جماليات ستتطور وستؤدي أداءات متنوعة ذات دلالات ومعاني.
إن الجاحظ اهتم كثيرا بعملتي التواصل الشفهية والكتابية في وظيفة البيان، ومعظم نصوص الجاحظ التي تناول فيها الخط تبين الإقرار بوحدة الخط واللفظ في أداء التواصل، وهو قريب من الذين يوازنون بين الخط واللفظ، يقول ابن الصايغ:” الأصل في ذلك أن الخط
واللفظ يتقاسمان فضيلة البيان ويشتركان فيها من حيث أن الخط دال على الألفاظ، والألفاظ
دالة على الإفهام، ولاشتراك الخط واللفظ في هذه الفضيلة وقع التناسب بينهما في كثير من
أحوالهما لأنهما يعبران عن المعاني.” وهذا يتناسب مع ماذهب إليه الجاحظ بخصوص معاني الخط، ومن ذلك قوله: ” قد قلنا في الدلالة بالإشارة، فأما الخط فمما ذكر الله تبارك وتعالى في كتابه من فضيلة الخط والإنعام بمنافع الكتاب قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾، ولذلك قالوا: القلم أحد اللسانين[…] وقالوا: القلم أبقى أثرا، واللسان أكثر هذرا. وقال عبد الرحمن بنكيسان: استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام. وقالوا: اللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو للغابر الكائن، مثله للقائم الراهن.”
لكن، وعلى خلاف الذين أقروا بهيمنة بيان اللفظ على أنواع البيان الأخرى، فإن الجاحظ فيما يخص مفهوم الخط قد اتجه في نصوص أخرى إلى التخلي عن معاني الكتاب والقلم ورسم الحروف وتصويرها في القرطاس، وتقريبها من مفهوم آخر يتعلق بالأثر وهو أكثر شمولية، لأنه يكشف عن المعنى بطريقة بصرية تواصلية دالة متواصلة في الزمان والمكان.
ويتبدى أن الأدلة التي تثبت بأن العمليات التواصلية التي تمر عبر الخط الأثر المتمثلة في عمليات النقش والحفر والكتابة. يقول: ” كانوا يجعلون الكتاب حفرا في الصخور، ونقشــــا
في الحجارة، وخلقة مركبة في البنيان، فربما كان الكتاب هو الناتئ، وربما كان الكتاب هو الحفر، إذا كان تاريخا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو إحياء شرف ويريدون تخليد ذكره.. كما كتبوا على قبة غمدان، وعلى باب القيروان، وعلى باب سمرقند، وعلى عمود مأرب، وعلى ركن المشقر.. فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور، وأمتعها من الدروس، وأجدر أن يراها من مر بها، ولا تنسى على وجه الدهر.”
فإنه أدرك أن للخط “الأثر” دوره الفعال في تدوين الأمور العظام والتاريخ والعلوم والمواعظ، حيث تتواصل في الزمان والمكان، يقول:” الكتاب يقرأ بكل مكان وفي كل زمان.. وقد يذهب العالم وتبقى كتبه، ويفنى ويبقى أثره. ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلفت من عجيب حكمها، ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدنا ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغلق علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لقد خس حظنا من الحكمة، وانقطع سبيلنا إلى المعرفة. ولو ألجئنا إلى قدر قوتنا، ومبلغ خواطرنا، ومنتهى تجاربنا، بما أدركته حواسنا، وشاهدته نفوسنا، لقد قلت المعرفة، وقصرت الهمة، وضعفت المنة، فاعتقم الرأي ومات الخاطر، وتبلد العقل، واستبد بنا سوء العادة.”
ويظهر جليا أن الجاحظ أدرك جليا أن اللغة المرئية المكتوبة بالخطوط هي الشكل الجمالي البصري الذي يؤدي معاني وينتج دلالات، وهي أيضا الوسيلة التواصلية لتقييد الأفكار وحفظ
العلوم وتخليدها، وحفظ الأخبار والحكم من الضياع، وبها يحفظ الناس منافعهم، فتظل الخط
أعم وأعظم وأقوى نفعا وأبقى أثرا. يستمر معه التواصل ونقل الخطاب عبر الزمان والمكان مـن جيل الى آخر وبين الأمم. ومن خلال ما أورده الجاحظ فيما يدل على قدر ومنفعة الخط أن الله سبحانه وتعالى أكرم ملائكته بخطوط يدونون بها أعمال البشر:”﴿ كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾ وقال الله عز وجل: ﴿ في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة. ﴾ وقال: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ ..ولو لم تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان، ولكنه تعالى وعز علم أن كتاب المحفوظ ونسخه أوكد في الإنذار والتحذير وأهيب في الصدور.” فالله تبارك وتعالى بقدرته الخارقة وعلمه الغيب قادر على حفظ كل شيء من النسيان دون أن يكتب، ولكنه تبارك وتعالى أراد أن تكتب قصدا لأن مايكتب بالخط أبلغ في تحقيق التواصل وربط الماضي بالحاضر.
وقال الجاحظ في باب فضل الكتابة وتسجيل المعاهدات والمخالفات:” وكان العرب في الجاهلية يكتبون المواثيق والعهود والأحلاف ووصفهم الجاحظ بأنهم:” كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة تعظيما للأمر، وتبعيدا من النسيان.” وقد مثل الجاحظ لذلك بشعر الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته:
واذكروا حلف ذي المجاز وما قد م فيه العهود والكفــــــــــــــــــــــــــلاء
حذر الجور والتعدي وهل ينــــــــــــ قض ما في المهارق الأهواء
إن اعتماد الجاحظ للخط “الأثر” الذي يستند إلى عملية الكتابة بأبعاد متنوعة، قد خصه في نصوص في كتاب الحيوان والبيان والتبيين والرسائل، فمن خلال صورة الخط وتجليه في الموروثات الحضارية يبدو أن هناك سياقا خاصا سلكه الجاحظ وهو يعنى بكل ما يمكن أن تثيره كلمة “أثر”؛ وهي إحدى الركائز الأساسية في تجلي الخط، لأن أثر الخط في كل الخامات بدءا من الكتابات الجدرانية والمنقوشة في الصخور وفي الحجارة والمخطوطة في الصحف له دلالة على العمارة بما يفيد التواصل بين الأجيال وبين الحضارات، ودالة على أهمية الخط وعمليات الكتابة في عموميتها، فكلها أثر يعني تثبيت خطوط وأشكـال وحــــروف سواء كانت على رق أو قرطاس أو جدران.. فالأثر يتجلى في كل النصوص ويتطور في تصورات الجاحظ وينمو في فكره إلى درجة يزول فيها الفرق عنده بين دلالة الخط والكتاب ودلالة البنيان، كما لا تختلف عنده كذلك دلالة الخط والكتاب عن دلالة النقش في الصخور وفي الحجارة. كلها أثر بالنسبة إليه، لكن تحديد الخط في الأثر له أكثر من معنى وأكثر من دلالة. بل إن إحالة العلامة اللغوية المكتوبة بالخط الأثر تعكس ذلك التجلي المطلق للخط في كل الوسائل بالطريقة المرئية التي تستخلص خلالها الدلالة من الخـط بعد عملية تشغيــــــل
النظـر باعتباره: “فعلا عقليا” وبواسطة الإدراك الذي يميز الشكل والخط والذي بمقتضاه تدرك مختلف الأشكال وتدرك أنواع الحروف وأشكال الخطوط عموما.
ولا غرو في ذلك فالكتابة كانت عبارة عن نقوش في الصخور والجدران بمختلف أشكالها، وكانت عبارة عن حفر في الحجارة، فكانت الأمم الغابرة تنحت وتخط على جدران القصور والقبب والأبواب لتخليد أمجادها والتدليل على عظمتها، وكل ذلك له دلالاته ومعانيه في كل الحضارات.
ويمكن القول بأن الجاحظ يوحد بين الكتب والبنيان كلما دل الخط على الأثر؛ علما أن الخط أبلغ في الحفظ والتوصيل من البنيان. فكل ما يعود إلى الماضي من مختلفات مادية تصبح لها وظائف تواصلية تتولى فيها الآثار المهمة الإخبارية عن ثقافة أو علوم أو حضارة أو غيرها، أما الخط فهو ينقل كل شيء عبر الأجيال، وله القدرة على الإبانة والكشف عن كل الأشياء من معارف وعلوم، التي تعتبر أساسا ثابتا لجميع ما وصلت إليه الإنسانية من الرقي والتحضر.
هذا، ومما لا شك فيه، أن الجاحظ قد رتب البيان وفق شكل معين، لكن يتبدى من خلال ما تقدم أن أهم وسائل التعبير إيضاحا وبيانا هي الكتابة الخطية، فنستخلص البعد الجمالي المستخلص من الإدراك البصري من خلال النصوص بدالها الخطي قد تفاعلت في ذهــن الجاحظ فكان لحضورها تأثير على آرائه وتصوراته، فمفاهيم النقد والجمالية تعدت لديه إلى الخط ببلاغة تعبيرية وبيان ساحر.
وعموما فقد أسهمت آراء النقاد المشارقة وتصوراتهم في إثراء الساحة الثقافية العربية بإنتاجات نقدية مهدت الطريق لمشاريع تأويلية جديدة لاحت بوادرها لاحقا في الغرب الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *