عندما يغدو التلفزيون سوقا «للـبَـرّاحة» و«ساعة في الجحيم»!

 

الطاهر الطويل

بعد بضعة أسابيع، سيتحوّل التلفزيون المغربي بقنواته المختلفة إلى ما يشبه السوق حيث تتعالى أصوات الباعة، كلٌّ يبرز محاسن بضاعته المعروضة. والبضاعة المعروضة هنا هي البرامج الانتخابية التي تتشابه في المحتوى كما تشابه البقر على قوم موسى مما سيجعل الناخب المسكين في حيرة من أمره، أي البرامج سيختار؟ وأي الوعود سيصدق؟
وستستعين الأحزاب بـ «الْـبَـرّاحة» رغم أن هذه المهنة آيلة للانقراض، إنْ لم تكن انقرضت في جل مناطق البلاد، و»البـرّاحة» هم المُنادُون الذين ينتشرون في الأسواق والساحات وأمام المساجد في البوادي والمدن العتيقة، والذين يُكلّفون بالإخبار عن أمر يهم المواطنين، في حياتهم العامة أو الخاصة.
هكذا، إذن، سوف تُحوِّل الأحزابُ المغربية القنوات التلفزيونية إلى ميدان «للتبريح»، وذلك بعدما اجتمع مُمثِّـلوها ـ قُبيل بضعة أيام ـ في مقر وزارة الإعلام، لمعاينة عملية القرعة الخاصة بتوزيع تدخّلات الأحزاب في القنوات التلفزيونية والإذاعية، وكذلك للتعرف على نصيب كل حزب من التوقيت التلفزيوني لـ «بيع الكلام»، قبل موعد الانتخابات التشريعية التي ستجري يوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، فكانت القسمة ذات درجات ثلاث: أولاها للأحزاب المتوفرة على فريق برلماني، وثانيها للأحزاب الممثلة في البرلمان ولكنها لا تتوفر على فريق، وثالثها للأحزاب غير الممثلة في البرلمان.
وبذلك سينطبق على التدخلات التلفزيونية للأحزاب عبارة «ساعة في الجحيم» (التي نستعيرها من السلسلة التلفزيونية المحلية الشهيرة)، حيث سيجد المشاهد المغربي نفسه أمام حصص للتعذيب بعبارات من قشّ وليست حتى من خشب (كما يقول التعبير الفرنسي المعروف)، وقد تُسجِّل تلك الحصص أدنى نسب للمشاهدة، لاعتبارات عدة: أولها للأشخاص الذين تنتدبهم الأحزاب للحديث عن برامجها الانتخابية في التلفزيون، وثانيا لطريقة عرض تلك البرامج، وثالثا لمحتوى هذه البرامج نفسها. فالتكرار والاجترار والعبارات الفضفاضة سمة تلك البرامج، والاضطراب والتلعثم والملل صفات لأغلب المتحدثين. ومن ثم، فعِـوَضا عن أن تجتذبهم الأحزاب للتصويت على برامجها ومرشّحيها، تعمل على تنفيرهم وإبعادهم عنها وعن مشاهدة التلفزيون.
غير أن العارفين ببواطن الأمور في هذا البلد السعيد الذي يحتل المرتبة 126 في مؤشر التنمية البشرية، يدركون أن تأثير التلفزيون في توجيه اختيارات الناخبين المغاربة ضئيل جدا، مقارنة مع عوامل أخرى تكون حاسمة في الانتخابات، يحضر فيها الجانب الشخصي بشكل قوي، كما تحضر المساومات وعمليات شراء الأصوات التي تجري في الخفاء، ولاسيما بالنظر لعزوف المواطنين على المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، والذي مرده إلى حالة الإحباط المتزايد من الأحزاب بسبب التناقض المميز لعملها بين القول والفعل، بين ما تعِـد به خلال الحملات الانتخابية وما تمارسه على أرض الواقع.
المغاربة، منذ فجر الاستقلال سنة 1956، جرّبوا جميع أنواع الطيف السياسي، جرّبوا اليمين واليسار، جرّبوا المحافظين والإسلاميين، فبقي الوطن مجرد حقل تجارب لسياسات فاشلة، لم تقض على الفقر، ولم ترتق بالتعليم، ولم توفّر الصحة والشغل لجميع المواطنين، ولم تقلّص من الفوارق الطبقية بين فئة محظوظة تنعم بالخيرات في البر والبحر، وأخرى تعاني التهميش والإقصاء فلا عجب إنْ غدت الانتخابات في المغرب مجرد لعبة ممجوجة!

بن كيران مجددا.. نعم أم لا؟

يا سادة يا كرام…! ليبلغ الحاضر الغائب، فقد تحولت قناة «الجزيرة»، عبر موقعها الإلكتروني الرسمي إلى «عرافة»، إذ تنبأت بفوز جديد لحزب «العدالة والتنمية» في الانتخابات التشريعية المقبلة، قبل انطلاق الحملة الانتخابية بأسابيع.
يا سادة يا كرام…! ليبلغ الحاضر الغائب، فقد بَـدَا أن منشّط برنامج «ضيف الأولى»، محمد التيجيني، يخشى فوزا جديدا لعبد الإله بن كيران، فأمسى يوجّه مدفعيته تجاه «العدالة والتنمية»، عبر قناته التلفزيونية على الإنترنت، مقدّمًا خدماته لخصوم ذلك الحزب في الضفة الأخرى. وما تركيزه أخيرا على ترشّح الناشط الإسلامي حماد القباج للانتخابات المقبلة سوى دليل على ذلك، حيث قام بالنبش في التصريحات القديمة لذلك الداعية، وخرج بكلام ماكر خلط فيه عمدا بين اليهود الصهاينة واليهود المغاربة، من أجل تشويه صورة القباج والحزب الذي ترشّح باسمه.
لكن، هل سيفوز حزب بن كيران مجددا أم لا؟ سؤال محرّم في عُرف وزارة الداخلية التي مَنعت أخيرا القيام باستطلاعات الرأي حول الانتخابات، لأنها ـ برأيها ـ قد تؤثر على اختيارات الناخبين!

بؤس سياسي عبر التلفزيون!

من أحدث الأمثلة على البؤس السياسي الذي تمارسه الأحزاب المغربية عبر التلفزيون، ما ساقه الباحث الأكاديمي الدكتور عز الدين بونيت في تدوينته على الشبكة العنكبوتية، حيث كتب ما يلي:
«هذا ما سمعناه ولم نفهم مغزاه بالأمس من المتحاورين في برنامج تلفزي يفترض أنه موجه إلى الرأي العام بهدف «تنويره» وتأطيره ومساعدة المواطنين على تكوين آرائهم بوضوح حول القضايا المطروحة على بلدهم ومقترحات الأحزاب السياسية للتعامل معها.
خلال هذا الحوار سمعنا أن حزب العدالة والتنمية لديه برنامج انتخابي متكامل، لكنه مضطر إلى إخفائه عن أعين المتلصصين إلى أن يحين وقت البوح به، خوفا من سرقته وانتحاله من طرف الأحزاب الكسولة التي لا تحضر امتحاناتها جيدا وتكتفي بالغش ونقل أجوبة الآخرين.
وفي السياق نفسه أخبرنا ممثل الاتحاد الاشتراكي بأن حزبه من جهته قد قام بإيداع برنامجه الانتخابي لدى مصلحة الإيداع القانوني (بالمكتبة الوطنية) وقام بتحفيظه (!!؟؟). وما أخاله قام بذلك إلا لكي لا ينازعه أحد في حق ملكيته للافكار الواردة فيه، ومواجهة كل سطو عليها من طرف أي جهة كانت.
منذ الأمس بتنا نعلم أن لدينا أحزابا قرصانية لا تهيء امتحاناتها جيدا وتكتفي بالسطو على جهود اﻷحزاب المجتهدة، حتى إن حزبا مثل الاتحاد الاشتراكي اضطر إلى تحفيظ برنامجه في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات ليطمئن عليه. ومنذ الأمس صرنا نحن الناخبين أكثر اطمئنانا إلى أن النسخ التي ستكون بين أيدينا من هذا البرنامج أصلية وليست تقليدا. والحال أن الحزب سيكون بمقدوره أن يتوجه إلى منظمة الملكية الصناعية للدفاع عن أحقيته في الأفكار التي قد يسطو عليها حزب آخر. وبإمكاننا أن نتوقع أن الحملة الانتخابية المقبلة ستكون أقل أزبالا من الحملات السابقة، ﻷن اﻷحزاب المجتهدة ستوزع برامجها على الناخبين في سرية تامة، بينما الأحزاب الكسولة ستتقدم أمام الناخبين بلا برامج ﻷنها لن تتمكن من نقل أي برنامج. وفي أسوأ الحالات، سيكون الاتحاد الاشتراكي مضطرا إلى متابعة كل حزب سطا على أفكاره (أمام المحكمة التجارية في الغالب، ﻷنها صاحبة الاختصاص في هذا النوع من القضايا المتعلقة بالملكية الفكرية والملكية الصناعية…
أما حزب العدالة والتنمية فإنه – ربما – سيعتمد أكثر على نباهة ناخبيه إلى درجة قد لا يحتاج معها إلى توزيع برنامجه الانتخابي السري عليهم.
الناخبون، في الحالتين معا، يرتسمون في عمق الصورة كمجموعة من القاصرين سياسيا ممن نخاف أن تختلط عليهم البرامج، فيعجزون عن التمييز بين الأصلي والمزيف منها. هؤلاء الناخبون الذين لا نحتاج إلى أكثر من تصويتهم يوم الاقتراع، لا نرى من واجبنا أن نناقشهم ونتفاعل مع انتظاراتهم وأولوياتهم، ولسنا مقتنعين حقا بأنهم محتاجون إلى أن يفهموا مقترحاتنا ويقارنوا بينها ويفاضلوا، قبل أن يتوجهوا إلى مخادع التصويت.

كاتب من المغرب/ عن القدس العربي

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *