الحكاية 22 من حكايات الأميرة ذات الهمة .. خلاص فتون

0 118

 
د محمد فخرالدين

قال الراوي :
و في هذه الاثناء أوغر القاضي عقبة شيخ الضلال صدر الخليفة على الأميرة ذات الهمة و ابنها عبد الوهاب و محمد البطل ، فطلب منهم الحضور عاجلا الى بغداد ، ولما حضروا وجدوه قد خرج من القصر لتفقد احد المعسكرات الجند في بلاد الشام ..
و كانت إمارة النعمان قريبة من معسكر الخليفة الرشيد ، و كان الغطريف و هو بطل صنديد و شيطان مريد ،يحب ابنة النعمان و يريد ان يتزوج بها غصبا ، فأرسل أحد اللصوص و كان يدعى الخطاف ليحضرها بين يديه مقابل جائزة سنية ، فأجابه الى ذلك .
و حدث انه كان هناك امير من العربان يسمى طارق و هو ابن اخ النعمان ، و كان يحب بدوره ابنة عمه فتون و قد طلبها من عمه مرارا ، فلم يوافق أن يزوجه بها .
الى ان جاء اليوم الذي غار فيه الخطاف على ديار النعمان واختطف فتون ، وحملها في هودج في الصحراء متوجها الى سيده الغطريف، و في هذا الحين طلب النعمان من طارق أن يهب لنجدة بنت عمه ،ووعده ان يزوجها له إن هو خلصها من الغطريف و الخطاف .
ثم إن الامير طارق انطلق في الحال و هجم على حراس الهودج الذي فيه ابنة عمه فتون هو و من يواليه من الفرسان ، فشتت شمل القوم بالسيف و الحسام ،و صاح :
ـ خلوا عن الكريمة فتون أو أسقيكم كأس المنون و حق من لا تراه العيون..
ثم إن الخطاف نزل الى الميدان، و جال و طاف ، و كان من أشجع الفرسان،فلما واجه الأمير طارق ،وجد نفسه يضرب في حديد بارد ، فقال له :
ـ نحن نسير إلى فتون و ننظر من تريد منا ،و يكون في جوابها حقن الدماء ..
فطلب طارق من فرسانه رفع السيوف و الانفصال في الحال، فرفعت السيوف ، و توجها نحو هودج فتون ،فلما وصلا عندها و سألاها من منهما تريد؟
قالت :
ـ لا أريد إلا ابن العم طارق و كاشف الغم صاحب البيارق و مفني الفيالق …
فلما سمع الخطاف هذا الكلام ، صار الضياء في عينيه ظلام ،و لم يقبل بما قالته فتون ،و عاد الى الحرب و الطعان، حتى جرى العرق و زاد القلق ،فكشفت فتون عن وجهها من خوفها على ابن عمها، و نادت:
ـ يا ابن العم ،قوى الله حيلك و أنالك مأمولك ..
فلما رآها الأمير طارق ،و سمع صوتها صاح، وهبت عليه ريح الشوق و الارتياح ، ثم هجم على الخطاف بضربة قوية ، فنزل السيف في جمجمته و نزل يهوي إلى سرته، فنظرت العربان إلى تلك الضربة العجيبة ،و قالوا:
ـ خلوا الرجل، و لا تتعرضوا له بأذى مهما كان ..
ثم قال بعضهم لبعض :
ـ هذا هو الصواب و الأمر الذي لا يعاب ..
و بعد ما استرجع طارق فتون من يد الخطاف وسار حتى قضى على الغطريف الجبان ، سار الامير طارق بالهودج و هو فرحان ، و في كامل السرور و الانشراح، و عاد به في الحال الى الديار بالأفراح، و قد فرح الجميع بقدومه و خلاص الأميرة فتون من الأتراح ..
أما ماكان من الأمير طارق فقد سار إلى مجلس عمه النعمان، فظن عمه أن الغطريف و الخطاف ما زالا بالحياة ، فتخرب دياره و يكون عليه في ذلك الانتقام ، و لما سأله عن الأحوال و ما حدث معهما و صار ،فقال له طارق:
ـ اهنأ يا عم ،أما عن الخطاف فقد قتلته و على الارض جندلته ، و أما عن الغطريف فقد سقيته الموت الزؤام.
و وضح له كيف انتزع فتون من الخطاف ،ثم سأله أن يزوجه بابنة عمه في الحال ،كما وعده.
فقال له عمه :
ـ أنا اريد الصداق على كل حال ، ثلاثين ألف دينار و أربع آلاف ثوب من الديباج، فإذا اتيت بكل ذلك ،زوجت ابنتي لك..
قال الأمير طارق :
ـ يا سادات العرب اشهدوا على هذا المقال .
قال الراوي ـ يا سادة يا كرام ـ فلما سمعت العرب ذلك شهدوا على ذلك الكلام وكتبوه عليهما بالتمام ..
و لما امسى المساء، نادى طارق بخادمه فلاح و أمره أن يشد له الجواد ، ويصحبه بنجيب يشد عليه الماء و الزاد ، ثم إنه أرسل في وداع بنت عمه فودعته باكية بالدموع و هي تقول :
ـ يا ابن عمي لا تنسى ودادي ..و لا تبعد إلى أقصى البلاد
و لا تركب طريق الموت حقا … و لا تبغي الفساد بكل وادي
أبي و حياتك شيخ سوء … كثير الغدر مبعود الرشاد
فودعها و سار و سلك البراري و القفار ، و هو لا يدري الليل من النهار ، و لا إلى أي الأماكن يقصد، فقال لخادمه :
ـ يا فلاح إن عمي قد قطع علي أموالا كثيرة و أرض الحجاز ما فيها شيء من ذلك ، و المال في بلاد العجم فاقصد بنا بلاد العجم، يقسم الله لنا فيها ما يقسم ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.