هنا يرقد أسد الريف .. عبد الكريم الخطابي

اعتماد سلام

تاه سائق سيارة الأجرة وهو يبحث عن العنوان. لأول مرة يسمع بمقبرة الشهداء التي دفن فيها محمد نجيب أول رئيس لمصر، لذلك قطع طريق صلاح سالم وطرقا كثيرة في ضواحيها مرارا وتكرارا دون أن يهتدي إلى المقبرة أو إلى دليل عارف رغم سؤاله المتكرر لزملائه من السائقين!

جاء الفرج من عند صديق أوصاني به صديق آخر فتح أخيرا رسائله ليرد على رسالتي ويبعث لي رقم هاتفه المصري. اتصلت به فورا فوضع حدا لتيهاننا في شوارع القاهرة بوصفه الدقيق.

image image
المكان المقصود توجد فيه مجموعة من المقابر لذلك توقف السائق عدة مرات، يبادر هو بالسؤال ما إذا كنا نسير في الاتجاه الصحيح تارة، وتارة أخرى يفعل صديق مصري رافقني.. إلى أن توقفت السيارة أمام باب المقبرة!
كان الباب مغلقا. طرقناه وانتظرنا بعض الوقت إلى أن أتى شاب وفتحه. سألته ما إذا أتينا خارج الوقت المخصص للزيارة؟ فقال إن الزيارات تكون طوال اليوم وإن كان الباب مغلقا. سألته ثانية لكن هذه المرة عن قبر المجاهد عبد الكريم الخطابي، فقادني بسرعة تنم عن معرفته الوثيقة بالمكان إلى القبر الذي يوجد في اتجاه اليسار بعد الدخول عبر البوابة الرئيسة لمقبرة شهداء القوات المسلحة.
القبر الذي يحمل رقم 151 دفن فيه الخطابي ونجله الأكبر، وكتب على شاهدته ‘الشهيد المجاهد الأمير محمد عبد الكريم الخطابي بطل المغرب العربي’.

image image
على مقربة من القبر العاجي نمت شجرة صبار وانحنت قليلا صوبه في انحناءة خشوع على الأرجح!
الصمت الذي يخيم على المقبرة كسرته أصوات المآذن التي ارتفعت من كل صوب تعلن صلاة العصر..
شعرت بغصة وضيم كبيرين وأنا أفكر في أن هذا الرجل الذي قهر المستعمر الإسباني وأزعج المستعمر الفرنسي وأتى ذات يوم تشي غيفارا خصيصا إلى القاهرة ليتعلم منه.. لم يجد مكانا بحجم مترين أو ثلاث في وطنه الشاسع والمترامي الأطراف ليدفن فيه؟ هذا الرجل الذي قضى سنوات عمره يدافع عن تراب بلده وهو حي لم يضمه ذاك التراب وهو ميت؟. ألم يكف أن الأعداء غربوه قسرا في حياته ونفوه إلى لارينيون، ليغترب أيضا في مماته وإن دفن في وطنه الثاني الذي قضى فيه زمنا..؟! هل يتدارك الوطن جزءا مما فات ويستعيد رفات أسد الريف, لعله يحقق بعض الإنصاف للأمير المجاهد الذي لقن العالم دروسا لا تنسى في بسالة المغاربة واستعدادهم للذوذ عن أرضهم؟!!

image image
سقطت دمعة من العين..
تناثرت فجأة قطرات مطر خفيف مصحوب بنسيم جعل شجرة الصبار تنحني أكثر قرب شاهدة قبر الشهيد. قرأت الفاتحة ثانية لروحه وغادرت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *