مقرر تدريس التاريخ بالمدرسة المغربية: سياق النشأة ومراحل التطور ..الحسن إدوعزيز*

 

…. الجزء الأخير
ظهور”الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، وتطور الكتاب المدرسي لتدريس التاريخ:
لقد كان للإصلاح الأخير الذي تمت بلورته في “الميثاق الوطني للتربية التكوين” سنة 1999، على الأقل، ميزتين ايجابيتين. فقد تمكن، من جهة، من تجميع كافة القوى الحية للبلاد وتعبئتها حول مرجعية شمولية، وحول خيارات استراتيجية أقل غموضا وأكثر واقعية. كما أنه، من جهة ثانية، جعل النقاش السياسي حول المسألة التربوية متجاوزا للأهواء، ومُبتعدا عن خطاب الأزمة الذي كان يميزه في الفترات السابقة. وفي هذا السياق تمت مراجعة المناهج والبرامج والمقررات الدراسية وضمنها مقررات تدريس التاريخ؛ ليظهر مقرر التاريخ لسنة 2004 الذي حمل معه تطورا ملموسا، مقارنة مع سابقيه، يمكن إجمال معالمه كالآتي:
– التقليص النسبي لعدد دروسه من 25 درسا سنة 1971، إلى 12 درسا. ليتساوى مقرر التاريخ مع الجغرافيا من حيث عدد الدروس، مع ظهور حصة التربية على المواطنة بالمقرر الجديد وإسنادها لمدرس الاجتماعيات.
– ترسيم كلمات مثل ” أمازيغ” و”الممالك الأمازيغية”، و”يوبا” كدليل على بداية الوعي بالذات في مقرر 2004. عكس الكلمات المنفرة والعناوين التي كانت تثير التساؤلات وتصدم المتعلم وتوجه فكره وتنفره من اعتزازه بوطنه كـ” البربر” و”سكان شمال إفريقيا من الشرق” كما كان الحال في مقرر 1971.
– توازن الاستشهاد بالنصوص المقدسة في هذا المقرر: نصان من القرآن، ونصان من الإنجيل، ومثلهما من التوراة. عكس مقرر 1971، الذي ركز على القرآن (6 نصوص) والإنجيل (نصان) مقابل إهمال التوراة مما يفسر الانفتاح الإيجابي لهذا المقرر على الروافد الأخرى….
إلا أن هذا التطور، وإن كان ايجابيا على مستوى بداية الاعتراف بالذات والتصالح مع الهوية المغربية. فإنه بقي تطورا يربط المجال المغربي بالحضارات الأجنبية… وكأن المنطقة كانت خالية من أي تقدم حضاري؛ حيث نجد مقرر مادة الاجتماعيات للسنة الأولى من التعليم الثانوي الإعدادي طبعة 2007، لا يزال يكرس هذه النظرة.. ويُقدم تاريخ المغرب القديم من خلال درسين بعنوانين جاءا كالأتي:”الفنيقيون والقرطاجيون”، و”الممالك الأمازيغية ومقاومة الرومان”، فنجد الدرس الأول يُركز على المنطقة كمجال لم يعرف الحضارة إلا بقدوم القرطاجيين بتأثيراتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية… فيما يُركز الدرس الثاني على الاحتلال الروماني للمغرب وشمال إفريقيا، إذ لا يشير إلى السكان المحليين إلا من خلال بعض الملوك الأمازيغ في إطار مقاومتهم لهذا الاحتلال، ومن خلال ثورات الممالك الأمازيغية. مما يفسر الاستمرار النسبي في توجيه فكر المغاربة بالتأكيد أن المنطقة لم تعرف سوى الحروب والصراعات قبل مجيء الإسلام، وعلى أن هذه البلاد اكتفت في تاريخها القديم بما جاء به الأجانب فقط، وبما هو وارد من الحضارات الأخرى.
ولعل من حسنات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، أنه خصص الدعامة السابعة منه لمراجعة البرامج والمناهج والكتب المدرسية والوسائط التعليمية؛ حيث تنص المادة 107 على أن “تقوم سلطات التربية والتكوين بتنظيم عملية مراجعة البرامج والمناهج بتنسيق وتشاور وتعاون مع كل الشركاء التربويين والاقتصاديين والاجتماعيين (…) وتقوم اللجنة بتنظيم رصد تربوي يقظ من أجل مراقبة التجارب الدولية في مجال البرامج وتحليلها وتقويمها واستلهامها لكل غاية مفيدة”. وهو بالفعل ما تحقق، خلال العشرية الأولى من الإصلاح إذ ظهر تحسن ملحوظ في المقررات التعليمية والمدرسية عامة، ومقررات تدريس التاريخ خصوصا، سواء على مستوى الكيف أو المضمون. مما جعل أسئلة الحاضر تنصب حول مسألة الجودة وتحسين العرض التربوي بهذه المقررات والمادة عموما، وعلى مستوى المضمون والوسائل، من خلال استلهام التجارب الدولية، ومواكبة التراكم الأكاديمي الحاصل حول المعرفة التاريخية بالجامعة المغربية، وخصوصا فيما يتعلق بالمنهج وبالإشكال التاريخي. وهي أسئلة مؤرقة يبقى المستقبل هو الكفيل بالإجابة عنها، بعد التقييم الحقيقي والواقعي لتجربة الميثاق الوطني للتربية والتكوين بما لها وما عليها، وما تلاها من محاولات إصلاحية أخرى كالبرنامج الاستعجالي بطبيعة الحال.
*أستاذ، وباحث في التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *