الحلقة 5 من سلسلة ..مقرر تدريس التاريخ بالمدرسة المغربية: سياق النشأة ومراحل التطور ..الحسن إدوعزيز*

 

 

…. الجزء الخامس
…يلاحظ إذن،مما سبق، أن التعليم ارتبط منذ الفتح الإسلامي بالقرآن والحديث والفقه؛ من خلال اعتبار الحفظ مقياسا على حساب الفهم ومن خلال انتشار جميع أصناف الكتب (خاصة الفقهية) ماعدا كتب التاريخ. فتقديس الكتاب الديني وتشجيع الأدب الجاهلي كان هو الغالب في التدريس، مقابل إهمال الكتاب التاريخي، الى حدود فترة ما قبل الحماية بقليل. فكيف ظهر المقرر المغربي الرسمي لتدريس التاريخ بالمغرب؟ وماهي المحطات الأساسية لتطوره؟
الحماية الفرنسية وظهور مقرر تدريس التاريخ:
لعل تدريس التاريخ كمقرر يهدف الى تبليغ غايات الدولة لم يظهر، حسب بعض الباحثين، إلا بدخول الحماية الفرنسية؛ إذ بدأ تدريس التاريخ العام، باللغة الفرنسية في المدارس الحديثة، بمقرر يشمل تاريخ الإمبراطورية العثمانية، والمغرب في القرن السادس عشر، والاكتشافات الكبرى، والثورة الصناعية، والمغرب في عهد السعديين، ونشأة الدولة العلوية… وبدأ الطالب المغربي يطل شيئا فشيئا على الخارج كما بدأ يستوي لديه الفكر التاريخي على يد مدرسين كان أغلبهم من خريجي مدرسة الحماية. مع العلم أن التعليم الأصلي، وإن استمر على حاله ومناهجه، انفتح هو الآخر على تدريس التاريخ بأساتذة مسلمين، تحت عنوان الحضارة المغربية الإسلامية، وبمقرر كان يركز على الفتح الإسلامي والحضارة في عهد الأدارسة والمرابطين… ذلك أن التعليم الفرنسي الحديث، إبان الحماية، كان قد وُضع في أعلى الهرم. فيما وضع التعليم الإسلامي الأهلي في أسفله… نظرا لما كان يُنتظر من مدارس الأعيان من إنتاج وإعادة إنتاج النخبة من أبناء العائلات الميسورة… وما كان على المدارس الابتدائية المهنية بالحواضر والبوادي أن تقوم به لإنتاج قوة العمل من أبناء المهمشين والمبعدين اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا.
فترة الاستقلال والاتجاه نحو تعريب مقرر تدريس التاريخ:
استمر التاريخ العام (الحديث) باللغة الفرنسية في التعليم الثانوي إلى غاية ظهور المدرسة العليا للأساتذة سنة 1963 حيث ستظهر الى الوجود بعض المقررات المعربة لتدريس التاريخ؛ تماشيا مع ظهور بعض المؤسسات الشرقية الفعالة التي كانت تستقطب الطلبة المغاربة، مثل المعهد العالي العراقي الذي بدأ في تعريب التاريخ والجغرافية والاقتصاد والتربية وعلم النفس، ومسايرة للتصور الإصلاحي السائد أنذاك، حول المدرسة المغربية، والذي كان مستوحى من القومية العربية التي أثرت على محتويات البرامج والمناهج والكتب المدرسية المغربية، ولاسيما مسألة اللغة. وهو ما سيظهر جليا في المقرر المعرب لأقسام البكالوريا بداية السبعينات. والذي رُصدت حوله مجموعة من الملاحظات يمكن إجمالها كالأتي:
1- مؤلفوه عرب شرقيون مما يبرز أن غايته هي التمكن من الفصحى..
2- ثقل برنامجه (49 درسا، ثم 47، ثم 33 للتاريخ وحده) بهدف شحن عقل التلميذ..
3- خلو طبعتيه الرابعة والخامسة من تاريخ الطبع، حتى لا يخضع للتقادم. كما أن طبعه تم بيروت مما يحيل على أن المشرق كان مصدرا واحدا أوحد لمقرراتنا التعليمية ..
4- تنازع “بيروت” و”بوردو” طبع المقررات، مما يعني توجيههما للمغاربة (غياب مصادقة وزارة التعليم)..
5- خلو هذا المقرر من النصوص التاريخية، مما جعله إنشاءا أدبيا يخدم اللغة فحسب…
وعدم تفريقه بين المراجع والمصادر المعتمدة، إضافة إلى كثرة أخطائه في أعلام المغرب، مما أدى الى تشويه حقيقة تاريخ المغرب وأعلامه. وتحدثه عن المغرب بعبارة “مراكش”، لا كدولة مستقلة مما انتفى معه ذكر المغرب بوزنه ودوره وثقله التاريخي… إضافة إلى الخطأ في تاريخ إصدار الظهير البربري والجهة التي أصدرته عوض ربطه بتطبيق العرف المغربي ببعض مناطق البلاد….
الميلاد الرسمي للمقرر المغربي المعرب لتدريس التاريخ:
لقد كان مقرر”التاريخ القديم” للسنة الأولى ثانوي، طبعة 1971، الذي جاء في مرحلة لاحقة، بداية الميلاد الرسمي للمقرر المغربي المعرب رسميا لعدة اعتبارات ومواصفات، منها:
_ أنه نُشر تحت عنوان: “وزارة الثقافة والتعليم العالي” …
_ أساتذته جامعيون مغاربة…
– نشر بدار الثقافة بالدارالبيضاء…
– وسلامته من حيث الشكل والمضمون، ومن حيث اللغة والمادة التاريخية.
لكن هذا المقرر سُرعان ما تم جمعه من الثانويات، بعد رفع دعوى ضده من طرف أحد المواطنين بفاس بمبرر ورود عبارة فيه تهدد عقيدة ابنته. وهو مبرر كان كافيا ربما ليبين موقف نخبة تلك المدينة بالخصوص من كل تطور. ورأيهم المحسوم مسبقا من كل تغيير على أساس أن خطر الخيانة والتواطئ مع المستعمر يتهدد المغاربة دائما. وليدخل مقرر تدريس التاريخ مرحلة من التيه والجمود في إطار السياق العام الذي ميز النظام التعليمي على العموم إبان فترة الثمانينات بالخصوص، موازاة مع سياسة التقويم الهيكلي التي آرخت بثقلها على كافة مجالات الحياة اقتصاديا، سياسيا، اجتماعيا وثقافيا…حيث يمكن القول بأن المدرسة المغربية وإن استطاعت، خلال هذه الفترة، تحقيق مطلب مغربة أجهزتها وأطرها، خاصة على مستوى التعليم الثانوي؛ فإن مجموعة من الرهانات والأسئلة المؤرقة كانت قد بدأت تُطرح بحدة، بخصوص مسار النظام التعليمي ككل، في ظل الانسياق لتوجيهات صندوق النقد الدولي التي ضيقت من فرص التوظيف والتشغيل، وتزامنا مع امتلاء ادارة الدولة ومناصبها بالخريجين، وتدفق الفائض منهم لتغذية النسب المتنامية للبطالة… مما جعل التعليم، في نظر بعض المسؤولين، يصبح مجرد قطاع غير منتج، يجب إصلاحه واعادة النظر في غاياته وأهدافه، من جديد، بالبحث عن سبل ادماجه في المجتمع، وجعله يساير تغيراته وتطلعاته. وهذا مطلب لم يتحقق حتى أواخر العقد الأخير من القرن الماضي؛ خصوصا، مع بلورة ما سيُسمى بــ”الميثاق الوطني للتربية والتكوين”…
…يُتبع

*أستاذ، وباحث في التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *